في العراق قد لا تبدأ الرشوة دائما بورقة نقدية توضع على مكتب موظف حكومي، إنما بنظرة مفهومة أحيانا، أو بعبارة مبهمة مثل: "معاملتك بحاجة إلى متابعة وقد يستغرق إنجازها وقتا طويلا"، أو بإحالة المراجع إلى شخص "يعرف كيف يسيّر الأمور"!
كما لا تتوقف مشكلة الرشوة عند موظف يطلب مالاً لأداء واجب يفترض أن يؤديه من دون مقابل. فبحسب مواطنين، إنهم باتوا يبحثون بأنفسهم عن الطريق الأقصر لإنجاز معاملاتهم واستدراك تأخير المراجعات الطويلة والمماطلات والأبواب الكثيرة التي يجب طرقها. وفي هذه البيئة، تصبح الرشوة كلفةً مالية لاختصار وقت الانتظار، رغم ان الجميع يعلم أنها مخالفة قانونية صريحة.
ولم تكن الرشوة وليدة المصادفة في المشهد الإداري العراقي، بل تمتد جذورها المعاصرة إلى حقبة تسعينيات القرن الماضي إبان نظام الحكم المباد. فخلال سنوات الحصار الاقتصادي القاسي وتهاوي قيمة العملة المحلية، تحولت الرشوة من سلوك جرمي معزول إلى وسيلة اضطرارية لجأ إليها صغار الموظفين لتأمين رمق عيش عائلاتهم أمام الرواتب الشحيحة. غير أن هذا السلوك الذي بدأ كحالة عوز فردية، شهد بعد عام 2003 تحولا دراماتيكيا خطيراً. إذ لم تعد الرشوة مجرد مبلغ مالي يُدفع خلف الستار، إنما تطورت اليوم لتصبح شبكة منظمة تشترك فيها أيادٍ مسؤولة، وبعضها يمتد إلى مستويات رفيعة داخل هرم السلطة والمؤسسات، ما حوّل الفساد الإداري من ظاهرة مجتمعية إلى منظومة ممأسسة تُدار عبر شبكات نفوذ تحمي الفاسدين وتتقاسم أموال المواطنين علنا!
وفي ظل هذه المنظومة المستشرية، يدفع المواطن البسيط الفاتورة الأكبر من كرامته وقوته اليومي. إذ تحولت أروقة الدوائر الحكومية إلى ساحة ابتزاز علني تُثقل كاهل المراجعين، خصوصاً أبناء الطبقات الفقيرة ومحدودي الدخل. فبينما يمتلك الميسورون وأصحاب النفوذ القدرة على دفع الإتاوات لتسهيل معاملاتهم بلمح البصر، يقف الفقير عاجزا ومحاصرا بين مطرقة الروتين المتعمد وسندان المساومة الفجة. لذلك يجد نفسه مجبرا على دفع مبالغ تقتطع من قوت عياله اليومي لمجرد الحصول على وثيقة رسمية أو إتمام معاملة هي في الأصل حق مكفول له قانونا، ما يحول أبسط الإجراءات الإدارية إلى رحلة تعذيب مالي ونفسي تنتهي بسحق الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع وتعميق شعورهم بالظلم والاقصاء.
وتكشف الأرقام عن حجم المشكلة على المستوى العام. ففي مؤشر مدركات الفساد الخاص بعام 2025، والذي تصدره منظمة الشفافية الدولية لقياس الفساد في القطاع العام، حصل العراق على 28 نقطة من أصل 100 نقطة، وحلّ في المرتبة 136 عالميا بين 182 دولة. وقالت المنظمة ان "العراق يواجه عقبات مؤسسية وهيكلية كبيرة رغم وجود بعض التطورات الإيجابية"!
ابتزاز صريح
في حديث صحفي، يقول المواطن محمد الزوبعي، الذي تضرر منزله وممتلكاته خلال الحرب على تنظيم داعش الإرهابي، أن رحلة حصوله على التعويض كانت طويلة ومرهقة.
ويوضح أنه "راجعت جهات عدة وانتظرت فترات طويلة، ثم استطعت الحصول على مبلغ مالي لم يشكل سوى نحو نصف قيمة ما خسرته خلال رحلة المراجعة"، مضيفا أنه "اضطررت كذلك إلى دفع ما يصل إلى 5 في المائة من قيمة التعويض، رشوة، كي أستكمل الإجراءات وأحصل على حقي"!
ويشير إلى أن ما واجهه في هذه العملية، وما يواجهه كثيرون غيره، ما هو إلا ابتزاز صريح وعلني تُستغل فيه حاجات الناس.
وتكشف شهادة الزوبعي جانباً آخر من المشكلة يتمثل في أن الفساد يظهر في حالات كثيرة عندما يحاول شخص الحصول على حق أصلي، فيتحوّل الحق نفسه إلى فرصة للابتزاز.
نظرة فَرشوة!
في تجربة أخرى مماثلة لتجربة الزوبعي، يقول المواطن فارس الخزرجي: "أردت أن أسرّع إنجاز معاملتي كي أستطيع البدء ببناء منزلي. وبعد أن اصطدمت بتأخير ومراجعات دفعت مبالغ مالية لجهات عدة كي لا تبقى معاملتي عالقة"، مبيّنا في حديث صحفي أن "ما دفعته لم يكن في نظري استثناءً عن القاعدة التي أراها حولي. فالكثير من المراجعين يسلكون الطريق نفسه للتخلص من المماطلة وانتظار المعاملة بين مكتب وآخر".
ويلفت إلى انه "من خلال مراجعاتي الكثيرة للدوائر الرسمية، أصبحت أفهم نظرات الموظفين وتلميحاتهم وإشاراتهم التي تعني أن عليّ أن أدفع لإنجاز معاملة. لذلك اخترت مثل غيري أن أدفع كي أكسب الوقت وراحة البال"!
طريق الرشوة يبدأ من الرصيف!
في السياق، يتحدث المواطن أحمد حسن عن تجربة مريرة خاضها خلال إحدى مراجعاته لإنجاز معاملة رسمية.
ويقول في حديث صحفي، أن "شباك الرشوة يبدأ بنصب حبائله من خارج أسوار الدائرة الحكومية وقبل الدخول إليها"، مبيّنا أن "كل شيء يبدأ من الرصيف، وتحديدا عند بعض العرضحالجية الذين يبيعون أضابير المعاملات. فبمجرد وقوفك أمامهم، يبادرونك بالسؤال بطريقة مبطنة: (تحتاج شيئا؟ معاملتك قد تطول ويتأخر إنجازها إذا سرت على السياق الإداري الرسمي"!
ويضيف قائلا أن "هناك تنسيقا واضحا وشبكة مصالح تجمع بعض هؤلاء العرضحالجية مع موظفين فاسدين في الداخل، لتوجيه المراجعين وصيدهم".
ويستذكر حسن محاولته التمسك بالسياق الرسمي: "رفضت في البداية هذا الأسلوب وقررت الاعتماد على القانون والسياق الأصولي، ودخلت لإتمام معاملتي بنفسي. لكنني صدمت بجدار تعجيزي من الروتين المفتعل. فالأوراق تُرفض لأسباب واهية، والموظف يتحجج بغياب المسؤول أو نقص في المستمسكات، لأدور في حلقة مفرغة أياما عدة. وفي النهاية، وأمام هذا التعنت والتعطيل المتعمد، وجدت نفسي مكسورا ومضطرا للعودة إلى العرضحالجي، فدخل هو إلى الدائرة، وبلمح البصر خرج بالمعاملة منجزة كاملة بعد أن دفعت له المبلغ المطلوب ليتقاسمه مع حلفائه في الداخل"!
بين الراشي والمرتشي وسيط!
بينما ترتبط الرشوة في بعض الدوائر بمعاملة فردية، يكشف عالم الأعمال وجها آخر لها. إذ يقول إحسان عدنان، وهو مستثمر يعمل في السياحة، أن "جزءا كبيرا من أعمالي يرتبط بدفع مبالغ غير قانونية لتسهيل الإجراءات، خصوصا عندما يتعلق الأمر بإنجاز معاملات عدة وفتح مشروع جديد"، مبيّنا في حديث صحفي أنه "عندما قررت افتتاح مطعم سياحي استعنت بمعقّب معاملات تولى المراجعات الرسمية بدلاً مني، وهو كان يعرف الجهات التي يجب مراجعتها والموظفين الذين يمكن التعامل معهم، فتولى دفع المبالغ المطلوبة لتسهيل الإجراءات، وهي غير قانونية".
ويُنعش انتشار الرشاوى عمل وسطاء يطلق عليهم مُعقّبي المعاملات، الذين يملكون علاقات واسعة داخل الدوائر الحكومية تسمح لهم بإنجاز المعاملات بسهولة مقابل مبالغ محددة.
وفي هذا الصدد، يقول المُعقّب جاسم البياتي: "أصبح الاعتماد على معقّب بالنسبة إلى كثيرين وسيلة لتجنّب الاحتكاك المباشر بالدوائر الرسمية، لأن المعقّب يعرف كيف يسيّر الأمور من خلال دفع أموال لا تظهر في أي إيصال رسمي".
ماذا عن الرادع القانوني؟!
من جانبه، يتحدث المحامي عمر شمخي عن أحكام قانون العقوبات العراقي المتعلقة بجريمة الرشوة.
ويقول في حديث صحفي: "تكمن خطورة الرشوة في أنها تمثل استغلال الموظف لوظيفته من أجل كسب غير شرعي"، موضحا أن "المادة 307 من قانون العقوبات تتناول حالة الموظف أو المكلف بتوفير خدمة عامة ويفرض على مراجع دفع مبلغ مالي لأداء الوظيفة المكلف بتنفيذها". ويضيف قائلا: "لا تعني الرشوة بالضرورة دفع المبلغ المالي المطلوب فعلاً، فمجرد الطلب قد يكون له أثر قانوني إذا توفرت بقية عناصر الجريمة. ويعلم جميع الموظفين بالقانون الذي يجرّم من يتعاطى الرشوة".
وتُعاقب المادة 307 من قانون العقوبات، الموظف أو المكلف بخدمة عامة الذي يطلب أو يقبل لنفسه أو لغيره عطية أو منفعة أو ميزة أو وعدا، قبل اداء العمل، بالسجن مدة لا تزيد على عشر سنوات، أو الحبس والغرامة.
ملاحقات أمنية
شهدت السنوات الأخيرة إجراءات وملاحقات ضد متهمين بتقاضي رشاوى. إذ أعلنت جهات رسمية في حالات مختلفة توقيف أو معاقبة موظفين ومسؤولين بسبب طلبهم أو قبولهم مبالغ مالية، ما يؤكد أن الظاهرة ليست خارج نطاق الرقابة والمساءلة.
وكان أحدث هذه القضايا إعلان هيئة النزاهة الاتحادية هذا العام قضايا رشوة شملت مسؤولين إداريين وأمنيين.
ولا تقتصر المواجهة على العقوبات. ففي عام 2023 أعلنت هيئة النزاهة قرارا يقضي بمنح أشخاص أبلغوا عن جرائم فساد واختلاس مالي نسبة 3 في المائة من الأموال المستردة، مع الحفاظ على سرية هوياتهم، وذلك لمحاولة تشجيع المواطنين على الإبلاغ. وأكدت هذه الخطوة من جهة الانتشار الواسع لتعاطي الرشاوى، ومن جهة أخرى تشديد الجهات الرسمية قبضتها في ملاحقة المرتشين ومحاربتها الظاهرة.