يعيش مرضى السيلياك (حساسية الحنطة المناعية) مع حالة صحية مزمنة تفرض عليهم تغييرا كاملا في نمط غذائهم. إذ لا يقتصر التعامل مع المرض على تناول دواء لفترة محددة، إنما يتطلب الامتناع التام والدائم عن مركّب الغلوتين الموجود في الحنطة والشعير ومشتقاتهما، لتجنب الأعراض والمضاعفات التي قد تنتج عن استمرار تعرض الأمعاء لهذه المادة.
ويُسبب الغلوتين لهؤلاء المرضى أعراضا مختلفة من بينها آلام وانتفاخ البطن والإسهال أو الإمساك. فيما قد يؤدي عدم الالتزام بالغذاء الخالي من الغلوتين إلى مشكلات مرتبطة بسوء امتصاص العناصر الغذائية، مثل فقر الدم وهشاشة العظام، فضلا عن مضاعفات أخرى.
وتزداد معاناة المصابين بهذا المرض في العراق مع ارتفاع كلفة الأغذية الخالية من الغلوتين وغياب الدعم الصحي. إذ أصبح تأمين الغذاء الآمن عبئا إضافيا على عائلات تعاني أصلا ارتفاع تكاليف المعيشة وتنامي نسب الفقر.
ويصل سعر كيلوغرام الطحين الخالي من الغلوتين إلى نحو 13 أو 14 ألف دينار، مقابل أسعار أقل بكثير للطحين الاعتيادي. فيما ترتفع الكلفة أكثر عند شراء الأغذية المصنعة والمعجنات والمنتجات المخصصة لمرضى السيلياك، ما يجعل الالتزام بالنظام الغذائي العلاجي أمرا شاقا على الأسر محدودة الدخل.
ولا تتوقف المشكلة عند الأسعار. فالمريض يواجه صعوبة في العثور على خيارات غذائية آمنة خارج المنزل، سواء في المطاعم أم المناسبات الاجتماعية، فضلا عن الحاجة إلى التأكد من مكونات المنتجات وطريقة إعدادها لمنع انتقال الغلوتين إليها. وهذا يجعل المرض حاضرا في تفاصيل الحياة اليومية للمصاب، من التسوق وإعداد الطعام إلى الزيارات والمناسبات والسفر، فيما تكون معاناة الأطفال أكثر تعقيدا بسبب حاجتهم إلى غذاء متوازن وآمن خلال مراحل النمو.
وبحسب تقديرات عالمية، يُصيب مرض السيلياك نحو 1 في المائة من السكان، ما يعني، إذا انطبقت النسبة على العراق، أن عدد المصابين قد يصل إلى نحو 460 ألف شخص من أصل 46 مليون نسمة، مع عدم توفر إحصاء وطني دقيق لعدد المصابين في البلاد. ويضع هذا التقدير حجم المشكلة في سياق أوسع. إذ إن الحديث لا يتعلق بفئة محدودة من المرضى، إنما بشريحة كبيرة تحتاج إلى تشخيص ومتابعة وتوفير غذاء مناسب بأسعار يمكن تحملها.
ومع تزايد أعباء المعيشة، يطالب المصابون وعائلاتهم بأن تتعامل الجهات الحكومية مع الأغذية الخالية من الغلوتين بوصفها جزءا من احتياجاتهم العلاجية وليس مجرد منتجات غذائية اختيارية، عبر دعمها أو إدراجها ضمن برامج الرعاية الاجتماعية والصحية، إلى جانب زيادة التوعية بالمرض وتوفير المنتجات الآمنة ومراقبة جودتها، بما يساعد المرضى، لا سيما الأطفال وذوو الدخل المحدود، على الالتزام بنظامهم الغذائي من دون أن يتحوّل المرض إلى عبء اقتصادي واجتماعي إضافي.
تشكيل تجمّع لمرضى السيلياك في بغداد
في خطوة تعد الأولى من نوعها في العراق، شهدت بغداد الشهر الماضي انطلاق أول تجمع لمرضى السيلياك، بمشاركة أطباء ومرضى، وذلك بهدف التعريف بالمرض وتسليط الضوء على معاناة المصابين به، كارتفاع أسعار الأغذية الخالية من الغلوتين، وغياب الدعم الحكومي.
وبينما حدد التجمّع أبرز هموم المرضى، طالب الجهات الحكومية بتوفير دعم رسمي لسلتهم الغذائية.
في حديث صحفي، تقول مريضة السيلياك مريم الطيار، وهي إحدى المشاركات في التجمّع، أن أسعار الأغذية الخالية من الغلوتين غالية ومبالغ في أسعارها مقارنة بالمواد الأخرى، مبيّنة أن "سعر الطحين الخالي من الغلوتين يبلغ 13 إلى 14 ألف دينار للكيلوغرام الواحد، في حين يبلغ سعر الطحين العادي بين ألف و3 آلاف دينار".
وتضيف قائلة، انها اكتشفت إصابتها بالمرض قبل نحو 3 سنوات، ومع مرور الوقت ازدادت معاناتها، مشيرة إلى أن كل المرضى الذين تعرفهم يُعانون المعاناة ذاتها، في الوقت الذي لا يجدون فيه أي دعم صحي رسمي.
وتلفت إلى أنها تواجه صعوبة كبيرة حينما تخرج من المنزل لتزور أقارب أو تأكل في مطعم. حيث لا تستطيع تناول الطعام إلا بعد التأكد من خلوّه من الغلوتين.
وتطالب الطيار بالتفاتة من الدولة لدعم حاملي هذا المرض، أسوة ببقية دول العالم.
من جانبها، تتحدث نهى حامد، وهي صاحبة مشروع "غلوتين فري عراق"، عن غياب الاهتمام من الدولة والمجتمع بهذه الفئة من المرضى، الأمر الذي دفعها لتأسيس التجمّع المذكور.
وتقول في حديث صحفي، أن "دول العالم تضم مؤسسات معنية بحاجات مرضى السيلياك، وهو ما يغيب في بلادنا"، معربة عن أملها في تكون هناك مؤسسة عراقية تساعد مرضى السيلياك على مواجهة مرضهم، وتسهّل حصولهم على المنتجات الغذائية والدوائية بدعم من الدولة أو من شركات خاصة.
كما تُطالب الجهات الحكومية بالاهتمام بهذه الفئة، أسوة ببقية دول العالم، من خلال تخصيص سلات غذائية شهرية لحاملي المرض، مع تعريف المجتمع بحالاتهم الصحية ومتطلباتهم الغذائية.
أعباء مالية لا تُحتمل
في السياق، يقول علي غدير، وهو عامل بأجر يومي مُصاب بمرض السيلياك، أن التعايش مع المرض صعب للغاية في ظل ارتفاع أسعار الأغذية الخاصة بحامليه، موضحا في حديث صحفي أن الالتزام بالغذاء الخالي من الغلوتين يفرض عليه أعباء مالية تفوق قدرته، وهذا ما يُعانيه معظم أقرانه.
ويضيف قائلا: "نحن الفقراء لا نستطيع التخلي عن الخبز. فهو المادة الأساسية التي تشبعنا وتسندنا في يومنا، لكن الخبز والطحين الخاليين من الغلوتين أغلى بكثير من المواد الاعتيادية. ولا يمكنني أن أعتمد على اللحوم كبديل، فهي أيضا مكلفة ولا أستطيع شراءها بشكل مستمر".
ويتابع غدير قوله: "المشكلة أن الدولة لا تقدم لنا دعما حقيقيا يساعدنا على شراء غذائنا الخاص، رغم أن هذه المواد بالنسبة إلينا ليست رفاهية، إنما ضرورة حتى نحافظ على صحتنا. نحن ندفع ثمن المرض من جيوبنا، ونواجه أسعارا مرتفعة لا تتناسب مع دخولنا".
ويشير إلى أن غياب الدعم الحكومي يجعل كثيرين من المرضى، لا سيما الفقراء وذوو الدخل المحدود، أمام خيارات صعبة.
ويؤكد في قوله: "نحن لا نطلب شيئا مستحيلا، إنما نريد أن تلتفت الحكومة إلينا، وتوفر المواد الخالية من الغلوتين بأسعار مدعومة أو تجعل لنا حصة غذائية، حتى لا يكون العلاج عبئا آخر فوق الفقر وغلاء المعيشة".
الجسم يُحارب نفسه!
الطبيب الجرّاح عقيل الأسدي، يقول في حديث صحفي أن "السيلياك مرض مناعي، ما يعني أن مناعة الجسم تقوم بمحاربة الجسم نفسه. فالمريض عندما يأكل أي شيء يحتوي على الغلوتين (وهو بروتين موجود في الحنطة والشعير)، سيلتصق بجدران الأمعاء، وسيستشعر الجسم أن هذا البروتين كالبكتيريا الضارة، ويبدأ بمهاجمته".
وينوه إلى أن "أعراض المرض تنقسم إلى قسمين: أعراض في البطن، كالشعور بانتفاخ والإصابة بآلام، إلى جانب الإمساك أو الإسهال. أما القسم الآخر، فيتمثل في حصول مضاعفات، إذا لم تُعالج سيحدث فقر دم حاد، أو هشاشة عظام حادة، وأحياناً يتطور الأمر إلى فشل الغدة الدرقية أو الغدة الكظرية".