مع ارتفاع درجات الحرارة، يبدأ آلاف عمال النظافة يومهم قبل شروق الشمس، حاملين المكانس ويجرون عربات جمع النفايات، في محاولة لإنجاز أكبر قدر ممكن من أعمالهم قبل اشتداد القيظ.
إلا أن موجات الحر المتصاعدة لم تعد تمنحهم فرصة للإفلات من قسوة الطقس، فيما تبقى الأجور المتدنية، وضعف إجراءات السلامة، وغياب الضمانات الاجتماعية، أبرز التحديات التي تواجه هذه الشريحة التي تؤدي واحدة من أكثر المهن مشقة وخطورة.
ويؤكد عدد من العمال أن ارتفاع درجات الحرارة ضاعف من المخاطر الصحية التي يتعرضون لها، إذ يواجهون يومياً خطر ضربات الشمس والإجهاد الحراري، فضلاً عن التعامل مع مختلف أنواع النفايات التي قد تحتوي على مواد خطرة أو مخلفات طبية، في وقت لا يحصل فيه كثير منهم على مخصصات خطورة أو تجهيزات وقائية كافية.
"نعمل تحت الشمس"
يقول عامل النظافة رضا مجيد، الذي يعمل منذ أكثر من عشرة أعوام في إحدى بلديات بغداد، إن حرارة الصيف حولت يوم العمل إلى معركة يومية. ويضيف: "نبدأ العمل فجراً، لكننا نبقى في الشوارع حتى ساعات الظهيرة، ولا تتوفر لدينا متطلبات سلامة تقينا من ارتفاع درجات الحرارة". ويشير إلى أن راتبه 275 الف دينار شهريا، وهو مبلغ لا يكفي لتغطية احتياجات أسرته، قائلا: "نعمل في أصعب الظروف، لكن أجورنا لا تعكس حجم التعب الذي نبذله".
العمل الليلي خيار فرضته الحرارة
وفي الشركات الأهلية، دفعت موجات الحر إدارات عدد من شركات التنظيف إلى تغيير ساعات العمل لتجنب تعريض العمال لأشعة الشمس المباشرة.
ويقول عامل النظافة في إحدى شركات التنظيف الأهلية، محمد جبار، إن الشركة اضطرت خلال الأسابيع الأخيرة إلى نقل أغلب أعمالها إلى ساعات الليل حفاظا على سلامة العاملين.
ويضيف: "كنا نبدأ العمل صباحاً، لكن مع ارتفاع درجات الحرارة قررت الشركة نقل أغلب أعمال التنظيف إلى ساعات الليل. نبدأ دوامنا بعد غروب الشمس ونستمر حتى ساعات الفجر".
ويشير إلى أن العمل الليلي خفف من مخاطر التعرض المباشر للشمس، لكنه خلق تحديات جديدة، موضحاً: "العمل في الليل مرهق أيضا، فنحن ننام نهاراً وسط انقطاع الكهرباء وارتفاع الحرارة، كما أن العمل في الشوارع ليلاً لا يخلو من المخاطر، خاصة مع ضعف الإنارة في بعض المناطق".
ويؤكد أن تغيير ساعات الدوام لم ينعكس على الأجور، قائلا: "نعمل الساعات نفسها، لكن من دون أي مخصصات إضافية أو بدل للعمل الليلي. نتمنى أن يكون هناك تقدير أكبر لجهود عمال النظافة، سواء في الشركات الأهلية أو في البلديات.
مخاطر صحية تتفاقم مع ارتفاع الحرارة
ولا تقتصر معاناة عمال النظافة على درجات الحرارة المرتفعة فحسب، إذ يؤكد العامل قسور فهد أن المهنة تعرضهم يومياً للإصابات والأمراض. ويقول: "نتعامل مع مختلف أنواع النفايات، وأحيانا نجد مخلفات طبية أو أدوات حادة من دون أي تحذير. كما أن الحرارة الشديدة تضاعف الارهاق، وبعض زملائنا نقلوا إلى المستشفى بسبب ضربات الشمس". ويضيف أن كثيرا من العمال يشترون القفازات أو الأحذية الواقية من جيوبهم الخاصة، لأن التجهيزات التي يحصلون عليها لا تكفي أو يتأخر وصولها.
أجور لا توازي حجم التضحيات
بدوره يرى العامل أحمد جاسم أن أكثر ما يثقل كاهلهم هو تدني الأجور مقارنة بطبيعة العمل الشاقة. ويؤكد أن ما يتقاضاه شهريا ينتهي خلال الاسبوع الاول من الشهر بسبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية والإيجارات ويقول: "نحن لا نطلب المستحيل، وإنما أجراً يحفظ كرامتنا ويكفي أسرنا. لا يمكن أن يبقى عامل النظافة عاجزاً عن توفير احتياجات أطفاله".
الضمن الاجتماعي حق ما زال بعيد المنال
ولا تتوقف معاناة عمال النظافة في الشركات الأهلية عند انخفاض الأجور والعمل في ظروف مناخية قاسية، بل تمتد إلى القلق المستمر بشأن حقوقهم الاجتماعية ومستقبلهم الوظيفي. ويقول عامل النظافة طارق رعد: "نعمل لساعات طويلة وفي ظروف صعبة، لكن كثيرين منا لا يعرفون إن كانوا مشمولين بالضمان الاجتماعي أم لا. وإذا تعرض أحدنا لإصابة ما أثناء العمل، فإنه يخشى أن يفقد مصدر رزقه من دون أي تعويض أو رعاية".
ويضيف أن عدداً من العمال يطالبون إدارات الشركات بتوضيح موقفهم من الضمان الاجتماعي، إلا أن الإجابات غير واضحة، الأمر الذي يضاعف شعورهم بعدم الاستقرار الوظيفي، خصوصا في ظل غياب عقود عمل ثابتة لدى بعض الشركات.
ورغم المشقة، يواصل عمال النظافة أداء واجبهم بصمت، بينما يلوذ معظم المواطنين بمنازلهم هربا من لهيب الصيف. فهم أول من يبدأ يومه في الشوارع، وآخر من يغادرها. غير أن هذا الجهد الكبير، بحسب العمال، يحتاج إلى اعتراف عملي لا يقتصر على كلمات الشكر، بل يترجم إلى تحسين الأجور، وتأمين الشمول بالضمان الاجتماعي، وتوفير بيئة عمل آمنة، واحترام الحقوق العمالية. فالمهنة التي تحفظ نظافة المدن تستحق أن يحظى أصحابها بحياة كريمة، بعيداً عن معادلة العمل الشاق مقابل الأجر الزهيد، وبما ينسجم مع قيمة الدور الذي يؤدونه في خدمة المجتمع.