اخر الاخبار

خلال الشهور الأخيرة بدأت الأسواق العراقية تشهد اختفاء تدريجيا لعدد من العلامات التجارية المعروفة للأجهزة الكهربائية، إضافة إلى المواد الإنشائية والغذائية ومنتجات استهلاكية أخرى، في ظل اضطراب حركة الاستيراد وارتفاع كلف النقل والشحن. وأمام هذا الواقع، بات المستهلك يواجه خيارات أقل من السابق، فيما يحاول التجار التكيف مع سوق تتسم بتقلبات الأسعار وضعف القدرة الشرائية للمواطنين.

ومع اشتداد حرارة الصيف، لم تعد الأزمة مقتصرة على تردي التيار الكهربائي، إنما امتدت إلى الأسواق التي باتت تعاني نقصا واضحا في أجهزة التبريد الجيدة، وفي مقدمتها أجهزة السبلت ذات الماركات العالمية، إلى جانب الشاشات والمجمدات وغيرها، وسط ارتفاع غير مسبوق في أسعار المتوفرة منها.

وتنقل وكالات أنباء عن تجار ومواطنين قولهم، أن الأجهزة الجيدة أصبحت نادرة في الأسواق، فيما ارتفعت أسعار المتوافر منها إلى الضعف في بعض الأحيان، في وقت يؤكد فيه مستوردون أن سبب الأزمة هو ارتفاع أجور الشحن، وتفعيل قانون التعرفة الكمركية، فضلا عن اضطراب حركة الاستيراد بعد التطورات الأخيرة في مضيق هرمز. وبينما يتحدث أصحاب محال عن تراجع الاستيراد وخشية التجار من تكبد خسائر كبيرة، يجد المستهلك نفسه أمام خيارين أحلاهما مر: إما شراء أجهزة منخفضة الجودة لا تعمّر طويلا، أو دفع مبالغ مضاعفة للحصول على جهاز من علامة تجارية معروفة إن وجد في الأسواق.

وكان مجلس الوزراء قد أصدر في 28 تشرين الأول 2025، القرار رقم 957، القاضي بتفعيل قانون التعرفة الكمركية المعطل منذ عام 2010. ويفرض القانون رسوما تتراوح بين 5 و30 في المائة على البضائع والسلع، حسب أنواعها وقيمها، بعد أن كانت الرسوم تُستوفى سابقا بمبلغ مقطوع يتراوح بين 3 و4 ملايين دينار للحاوية، بغض النظر عن نوع البضائع أو قيمها.

كلف الشحن

في حديث صحفي، يقول أحمد مظفر، وهو صاحب محل لبيع الأجهزة الكهربائية في منطقة الكرادة، أن "أكبر مشكلة تواجه التجار حاليا هي كلفة الشحن، التي لم تعد مستقرة. حيث تختلف بين شحنة وأخرى".

ويوضح أن "أسعار الشحن ارتفعت بشكل كبير، ما انعكس على أسعار الأجهزة الكهربائية. إذ لا تقل الزيادة في بعض الأحيان عن 50 في المائة"، مشيرا إلى أن "الجهاز الذي كان يُباع بأقل من مليون دينار خلال الفترة الماضية، أصبح سعره اليوم يصل إلى مليون ونصف المليون دينار".

وبحسب مظفر فإن "المشكلة لا تقتصر على ارتفاع الأسعار فقط، بل تشمل أيضا قلة البضائع. إذ أصبح استيراد الأجهزة الكهربائية مكلفا للغاية، ما يدفع بعض التجار إلى تجنب الاستيراد خشية التعرض للخسائر".

ويلفت إلى أن "ارتفاع الأسعار يجعل تسويق الأجهزة أكثر صعوبة، لأن القدرة الشرائية للمواطنين تراجعت أكثر. لذلك يفضل بعض التجار تأجيل الاستيراد حتى تستقر الأوضاع، إلا أن المتضرر الأول هو المواطن الذي لم يعد يجد الأجهزة الرصينة في الأسواق، وإن وجدها سيرى ان أسعارها أصبحت مرتفعة جداً".

فيما يقول حيدر عبد كاظم، وهو صاحب متجر لبيع الأجهزة الكهربائية في بغداد، أن بعض الشركات المستوردة خفّضت كميات الاستيراد إلى الحد الأدنى بسبب حالة عدم الاستقرار في السوق، مؤكدا أن "التاجر بات يتردد في جلب كميات كبيرة، لأنه لا يضمن قدرة المواطن على الشراء، كما لا يضمن استقرار كلف الشحن والرسوم. لذلك اختفت ماركات كانت متوفرة بشكل دائم في السابق".

إبقاء البضاعة في المنافذ

يلفت تجار إلى مشكلة أخرى تتمثل في إبقاء بعض الحاويات في المنافذ الحدودية، بسبب رسوم وكلف مترتبة عليها.

وفي هذا الصدد يذكر التاجر سلمان ذياب، أن الضرائب والتعرفة الكمركية المرتفعة دفعت عدداً من أصحاب الشركات إلى تأجيل إخراج حاوياتهم من الموانئ أو المنافذ الحدودية.

فيما يقول التاجر علي عبد عون، أن "الأجهزة الكهربائية الرصينة كانت متوفرة سابقاً في معظم المحال، أما اليوم فلم يعد يوفرها سوى عدد محدود من الشركات".

ويبيّن في حديث صحفي أن "أسعار هذه الأجهزة تضاعفت تقريبا نتيجة قلة المعروض وارتفاع الطلب. فعلى سبيل المثال ارتفع سعر أحد أنواع السبالت من نحو 750 ألف دينار إلى مليون ونصف المليون دينار".

المستهلك أمام خيارين

يشكو مواطنون من غياب الكثير من الأجهزة الكهربائية التابعة لشركات معروفة، مقابل انتشار أجهزة منخفضة الجودة وسريعة التعطل، ما يجعلهم أمام خيارين: إما شراء الأجهزة منخفضة الجودة، او دفع مبالغ طائلة لشراء أجهزة جيدة فيما إذا كانت متوفرة.

تقول المواطنة وسن علي انها بحثت طويلاً عن جهاز تكييف ذي كفاءة عالية من إنتاج شركة عالمية معروفة، لكنها لم تجده في الأسواق.

وتضيف في حديث صحفي قولها أن الأجهزة المتوفرة حالياً أقل سعراً، وأقل جودة، وتتعرض للأعطال بسرعة، الأمر الذي يضطر المواطنين إلى شرائها لعدم توفر بدائل أفضل.

أما المواطن حسين العبادي، فيقول أن "معظم الأجهزة الكهربائية المتوفرة في الأسواق حالياً ذات جودة متدنية"، مشيرا في حديث صحفي إلى أنه اشترى قبل شهور عددا من الأجهزة، جميعها تعطلت بعد فترة قصيرة من استخدامها.

في السياق، يذكر المواطن مصطفى سعدي أنه اضطر إلى تأجيل شراء جهاز تكييف جديد بعد أن اكتشف اختفاء الماركة التي كان ينوي شراءها، موضحا في حديث صحفي أن "الموجود حاليا في الأسواق إما أجهزة مجهولة المنشأ أو ماركات معروفة باتت تُباع بأسعار مضاعفة. ونحن نخشى شراء جهاز غير معروف قد يتعطل بعد شهور قليلة من الاستخدام". 

لا تكدّسَ للبضائع في الموانئ

في الوقت الذي يرى فيه اختصاصيون أن الأزمة ترتبط بعوامل عدة، من بينها ارتفاع كلف الاستيراد والتعرفة الكمركية، وتقلبات أسعار الشحن، فضلاً عن تحديات تتعلق بحركة التجارة، تنقل وكالة أنباء "شفق نيوز" عن مصدر في ميناء أم قصر رواية مختلفة. إذ يقول أن "الميناء يخلو حالياً من أي تكدّس للحاويات الخاصة بالسوق العراقية، وأن السفن تفرغ حمولاتها مباشرة بعد رسوها، لتجنب الغرامات".

ويضيف المصدر الذي حجبت وكالة الانباء اسمه، قائلا أن "الحاويات الموجودة حالياً هي حاويات ترانزيت متجهة إلى تركيا، وليست مخصصة للسوق العراقية"، مشيراً إلى أن "عدداً من السفن ينتظر خارج الميناء للحصول على إذن الدخول، في ظل التطورات المرتبطة بأزمة مضيق هرمز".