اخر الاخبار

رغم الأهمية التربوية والنفسية التي تمثلها رياض الأطفال في تنمية شخصية الطفل وتهيئته للانتقال إلى المرحلة الابتدائية، إلا أن الحضور الحكومي لهذه المؤسسات تراجع بشكل ملحوظ خلال العقود الماضية، بعد أن كانت منتشرة في مختلف المدن، الأمر الذي فتح المجال أمام التوسع الكبير لرياض الأطفال الأهلية - شأن المدارس والجامعات - التي تستوفي أجورا متفاوتة تثقل كواهل الأسر.

ويؤكد اختصاصيون في التربية أن السنوات الأولى من عمر الطفل تعد الأكثر حساسية في بناء شخصيته وتنمية مهاراته اللغوية والاجتماعية. في حين تساهم رياض الأطفال في تقليل تعلق الصغير بالهواتف الذكية والأجهزة الالكترونية التي أصبحت تستحوذ على جزء كبير من وقته، فضلا عن تعويده على الانضباط والتفاعل مع أقرانه واكتساب المهارات الأساسية التي تسهل انتقاله إلى المرحلة الابتدائية.

وفي العراق، عند بلوغ الطفل عامه الثاني، تبدأ رحلة البحث عن روضة مناسبة توفر بيئة آمنة تجمع بين الرعاية والتعليم والترفيه. وغالبا ما يجري تفضيل الرياض الأهلية التي تتفوق في أحيان كثيرة على الحكومية من حيث المناهج والخدمات. 

وفي ظل تعدد الخيارات، تواجه الأسر تحديا آخر يتمثل في ارتفاع الأجور. إذ لا تقل الرسوم في الرياض متوسطة الخدمة عن 200 ألف دينار شهريا للطفل الواحد، وتتجاوز ذلك في الرياض النموذجية إلى 550 ألف دينار، هذا عدا أجور النقل التي تبدأ من 75 إلى 150 ألف دينار، حسب بُعد المنطقة ونوع وسيلة النقل – وفقا لمراقبين.

وتجد العائلات في رياض الأطفال فرصة لإكساب أطفالها المهارات والخبرات وتكوين الصداقات. كما يرى الأبوان العاملان في القطاعين العام والخاص أنها توفر مكانا آمنا لأطفالهما خلال ساعات الدوام.

وكان الجهاز المركزي للإحصاء قد أعلن عام 2019 أن رياض الأطفال الحكومية تشكل ما نسبته 58.7 في المائة من مجموع الرياض في البلاد، مقابل 41.3 في المائة للأهلية. إلا أن هذا التفوق العددي لم يتحول إلى أفضلية فعلية في استقطاب الأطفال. إذ يرى تربويون أن الكثير من العائلات تتجه إلى الرياض الأهلية للأسباب نفسها التي تدفع أعدادا متزايدة من الطلبة إلى المدارس والجامعات الأهلية، وفي مقدمتها تراجع مستوى الخدمات التعليمية وضعف البنى التحتية، والاكتظاظ، وقصر ساعات الدوام. وهي تحديات جعلت القطاع الأهلي، رغم كلفته المرتفعة، خيارا مفضلا لدى شريحة واسعة من الأسر.

أجور مبالغ فيها

في بغداد، تشهد أجور رياض الأطفال الأهلية تفاوتا كبيرا بين جانبي الكرخ والرصافة. إذ تبدأ الاشتراكات الشهرية في بعض رياض الرصافة من 50 ألف دينار، بينما ترتفع إلى أضعاف هذا المبلغ في عدد من رياض الكرخ، فضلا عن أجور النقل والزي المدرسي التي يفرضها بعض الرياض، الأمر الذي يرهق ميزانية الأسر، وقد يحول دون قدرة بعضها على تسجيل أطفالها. إذ يصل مجموع الاشتراك الشهري مع النقل والطعام إلى أكثر من 600 ألف دينار.

في حديث صحفي، تقول المواطنة أم نور، ان إدارة إحدى الرياض أوهمتها بأن الأجور الشهرية للطفل الواحد تبلغ 200 ألف دينار، وبما أن لديها طفلين، فإنها توقعت أن تدفع 400 ألف دينار.

وتضيف قائلة أنها أصبحت تدفع أكثر من 800 ألف دينار شهريا، بسبب مشاركات طفليها في المناسبات والاحتفالات التي تفرضها إدارة الروضة على أولياء الأمور، مشيرة إلى أن الطفل يُحرم من الدوام في يوم السفرة أو المناسبة، أو يُستبعد من النشاط إذا لم يتم دفع تلك المبالغ.

وتلفت الموطنة إلى أن الروضة تفرض مبالغ إضافية، من بينها أجور المنهج الدراسي والزي المدرسي الذي يجب شراؤه من إدارة الروضة نفسها بسعر 250 ألف دينار للزي الواحد، فضلاً عن أجور الاشتراك والنقل.

وتشكل هذه الأسعار المرتفعة، إلى جانب الفعاليات الأخرى التي تفرضها بعض رياض الأطفال، عبئاً كبيراً على العائلات، إلا أن كثيراً منها لا يجد بداً من الالتزام بما تطلبه الإدارات.

اشتراك يستنزف الراتب بكامله!

من جانبها، تقول الموظفة سارة حسن، إنها اضطرت إلى تسجيل طفلها الوحيد في إحدى الرياض القريبة، لأن دوامها في الدائرة الحكومية يبدأ عند الساعة الثامنة والنصف صباحاً، وهو التوقيت ذاته الذي يلتزم به زوجها الموظف في إحدى دوائر الدولة، فيما يقيم أهلها وأهل زوجها في مناطق بعيدة، ولا يمكنهما ترك الطفل بمفرده في المنزل.

وتوضح في حديث صحفي، أنها تدفع راتبها كله تقريباً لتغطية أجور الاشتراك الشهري، والنقل، والطعام، والفعاليات التي تفرضها إدارة الروضة بشكل متواصل، مبيّنة أن "الزي الذي تبيعه إدارة الروضة للأطفال بسعر 100 ألف دينار، لا يتجاوز ثمنه 50 ألف دينار في الأسواق، إلا أن الإدارة ترفض أي زي يتم شراؤه من خارج الروضة، حتى وإن كان مطابقاً للمواصفات". 

تفاوت في الخدمات والأسعار

يرى بعض أولياء الأمور أن رياض الأطفال الواقعة في المناطق الراقية تقدم مناهج جيدة، يتعلم فيها الطفل كتابة الحروف ولفظها، إلى جانب أساسيات اللغتين الإنكليزية والفرنسية وبعض المهارات الفنية، بما يساهم في بناء شخصيته وتنمية سلوكه.

ويقول المواطن عبد الرضا حميد، أنه سجل طفله في إحدى الرياض بمنطقة المنصور، مشيرا في حديث صحفي إلى أن الطفل اكتسب بعد عام واحد، مهارات ملحوظة، من بينها نطق الحروف وكتابتها بشكل صحيح، إضافة إلى ترديد كلمات انكليزية وفرنسية، فضلاً عن تحسن سلوكه، ومنها عدم رمي النفايات إلا في الأماكن المخصصة لها.

ويضيف قوله أن الروضة توفر لطفله سيارة نقل مكيفة، إضافة إلى وجبتي إفطار وغداء متنوعتين، لافتاً إلى أن المبلغ الذي يدفعه، رغم ارتفاعه، يسد فراغاً كبيراً في حياة الطفل، ويساهم في تنمية شخصيته.

وعلى النقيض من ذلك، يرى بعض أولياء الأمور أن رياض الأطفال في المناطق الشعبية لا تقدم إضافة حقيقية للطفل، سوى قضاء الوقت خارج المنزل.

وفي هذا الصدد تقول المواطنة دريا صادق، من منطقة الزعفرانية، أن طفلتها لم تتعلم شيئاً طوال عام كامل من انتظامها في إحدى الرياض "إذ لم تكتسب أي مهارات، بل عادت إلى المنزل بمفردات وتصرفات غير معتادة داخل الأسرة"، مشيرة إلى أنها راجعت إدارة الروضة أكثر من مرة لمعرفة الأسباب، إلا أن ذلك لم يسفر عن أي نتيجة.

وتوضح المواطنة أنها وجدت الحل في ترك طفلتها لدى جارتها التربوية، مقابل مبلغ شهري مناسب، لرعاية الطفلة حتى عودتها من الدوام، لافتة إلى أن سلوك طفلتها تحسّن بشكل ملحوظ، وتعلمت هجاء الحروف، واختفت المفردات غير اللائقة التي كانت قد اكتسبتها في الروضة.

ماذا عن الرياض الحكومية؟!

بين ارتفاع أجور رياض الأطفال الأهلية ذات المستوى الجيد، وضعف الخدمات التي تقدمها بعض الرياض منخفضة الكلفة، يرى كثيرون أن الحل يكمن في رياض الأطفال الحكومية، إلا أن ذلك يصطدم بعقبات عدة.

يقول المواطن عماد سعيد، وهو أب لطفلين، أن "رياض الأطفال الحكومية محدودة العدد، ولا تتناسب مع الكثافة السكانية. إذ توجد في بعض المناطق روضة حكومية واحدة فقط، تخدم ثلاث مناطق أخرى".

ويضيف في حديث صحفي قائلا أن "رياض الأطفال الحكومية لا تستقبل الأطفال الذين تقل أعمارهم عن أربع سنوات. كما ينتهي الدوام فيها عند الساعة الواحدة ظهراً، بينما ينتهي دوام الموظفين في الدوائر الحكومية بعد الساعة الثانية ظهراً، وهو ما يسبب إرباكاً للأبوين إذا كانا موظفين".

ويتابع القول أن "رياض الأطفال الحكومية تتمتع، أسوة بالمدارس، بعطلة صيفية تمتد أربعة شهور، وهو ما لا يتناسب مع ظروف الموظفين".

ويشير سعيد إلى أن هذه الأسباب تدفع معظم الموظفين إلى تسجيل أطفالهم في الرياض الأهلية، لما توفره من تعليم ورعاية وأنشطة تمتد طوال العام.

لماذا لم تحدد الحكومة أجور الرياض الأهلية؟

كانت وزارة التربية قد حددت أجور رياض الأطفال الحكومية بمبلغ 50 ألف دينار تُدفع مرة واحدة عند التسجيل، إضافة إلى اشتراك شهري قدره 25 ألف دينار لكل طفل في الحضانة، فيما لم تحدد أجور الاشتراك في رياض الأطفال الأهلية.

وفي حديث صحفي، يذكر المتحدث باسم وزارة التربية كريم السيد، ان الوزارة لم تحدد أجور رياض الأطفال الأهلية لأن ذلك يقع خارج مسؤوليتها، مشيراً إلى أن الأجور تختلف من مكان إلى آخر.

ويضيف القول أن "وزارة التربية تركت لأولياء الأمور حرية اختيار رياض الأطفال المناسبة لأبنائهم".