شهدت محافظات عدة موجة متصاعدة من الاحتجاجات المرتبطة بملفات خدمية وإدارية ومالية، تعكس استمرار التحديات التي تواجه المواطنين في مجالات الكهرباء والإسكان والتعليم والإدارة المحلية؛ ففي الوقت الذي أضرب فيه أصحاب المولدات الأهلية في خانقين اعتراضاً على تسعيرة شهر تموز، قطع أهالي أحد أحياء كركوك الطريق الرابط بين أربيل وبغداد احتجاجاً على قرارات هدم منازلهم. بينما طالب مشرفون تربويون في واسط بصرف مستحقاتهم المالية المتأخرة منذ سنوات.
وفي بغداد، جدد متضررو مشروع سكني احتجاجاتهم للمطالبة بتسليم وحداتهم بعد سنوات من التعثر، في حين شهدت البصرة مؤتمراً صحفياً دعا إلى وقف ملاحقة الناشطين وتنفيذ قرار إقالة مدير عام دائرة الصحة.
البصرة
وشهدت محافظة البصرة، السبت، تصاعداً في الجدل بشأن ملف الحريات العامة والإدارة الصحية، عقب تنظيم مؤتمر صحفي دعت خلاله فعاليات مدنية ووجهاء عشائريون إلى وقف ملاحقة الناشطين وتنفيذ قرار إقالة مدير عام دائرة صحة البصرة.
وجاءت هذه المطالب على خلفية شكوى قضائية رفعتها دائرة صحة البصرة ضد رئيس مركز العراق لحقوق الإنسان، علي العبادي، وهو ما اعتبره المشاركون في المؤتمر تضييقاً على حرية التعبير وحق المواطنين في انتقاد أداء المؤسسات الخدمية.
وعُقد المؤتمر في ديوان قبيلة عبادة بقضاء الزبير، حيث أكد المشاركون رفضهم استخدام الإجراءات القضائية أو الأمنية بحق الناشطين والصحفيين، داعين إلى ضمان حق المواطنين في التعبير عن آرائهم بحرية.
كما تناول المؤتمر واقع القطاع الصحي في المحافظة، مشيراً إلى استمرار تعطل عدد من المشاريع الصحية، ومطالباً بتفعيل قرار مجلس محافظة البصرة القاضي بإقالة مدير عام دائرة الصحة، والذي قال المشاركون إنه لم يُنفذ حتى الآن.
وفي ختام المؤتمر، وجه المشاركون نداءً إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير الصحة، مطالبين بالتدخل لوقف ملاحقة الناشطين، وتنفيذ قرار الإقالة، وإجراء مراجعة إدارية تشمل المدراء العامين الذين أمضوا سنوات طويلة في مناصبهم.
واسط
نظم العشرات من المشرفين التربويين في محافظة واسط وقفة احتجاجية أمام مبنى مديرية التربية، للمطالبة بصرف مستحقاتهم المالية المتراكمة منذ سنوات، مؤكدين استمرار احتجاجاتهم حتى نيل حقوقهم المشروعة.
وطالب المشرفون التربويون الجهات الحكومية بالتدخل لإنهاء معاناتهم المستمرة منذ عام 2016، والمتمثلة بعدم صرف مستحقاتهم المالية المتراكمة، بما في ذلك أجور السفر والمراقبة والزيارات الإشرافية الميدانية المخصصة لهم.
وأوضحت إيمان القريشي، وهي مشرفة تربوية، أن حقوق المشرفين معطلة منذ سنوات طويلة من دون أسباب مقنعة، مشيرة إلى الصعوبات والمخاطر التي يواجهها المشرفون أثناء التنقل بين المدارس الواقعة في المناطق النائية، مستشهدة بتعرض العديد منهم لحوادث سير مرورية أثناء أداء واجباتهم الرسمية.
من جانبه، أكد سعيد شبر، وهو مشرف تربوي، أن الكوادر الإشرافية نفذت جميع المهام الموكلة إليها ولم تقصر في أداء واجباتها، بما في ذلك المشاركة في حملة "العودة إلى التعليم" والامتحانات التمهيدية، إلا أنهم لم يتسلموا مستحقاتهم المالية المترتبة على هذه المهام منذ عدة سنوات.
وفي السياق ذاته، حمّل مهدي الحاج حسون، وهو مشرف تربوي، قسم الحسابات في مديرية تربية واسط المسؤولية المباشرة عن هذا التأخير الإداري، مؤكداً أن التقصير يكمن في الإجراءات الداخلية للمديرية وليس في وزارة المالية، مبيناً أن المديرية لم ترفع الكتب والمخاطبات الرسمية الخاصة بحقوقهم إلى الوزارة إلا مؤخراً.
وأعلن المحتجون أن هذه الوقفة تمثل الخطوة الأولى، مؤكدين أنها ستتبع بوقفة احتجاجية أوسع مطلع الأسبوع المقبل، في حال عدم صدور استجابة رسمية تضمن إنصافهم وصرف مستحقاتهم المالية المتأخرة.
بغداد
تجمع عدد من المواطنين في العاصمة بغداد احتجاجاً على عدم تسلم وحداتهم السكنية التي اشتروها ضمن مشاريع تابعة لـ"مجموعة شركات نزار"، مؤكدين أن معاناتهم مستمرة منذ سنوات رغم تسديدهم كامل المبالغ المستحقة.
وطبقا لمصادر صحفية، فأن المتضررين اشتروا وحداتهم السكنية قبل نحو سبع سنوات، إلا أن المشروع لا يزال غير مكتمل، ولم تُسلَّم الشقق إلى أصحابها حتى الآن.
وقال أحد المتضررين إن أكثر من 350 عائلة اشترت شققاً في المشروع وسددت قيمتها بالكامل، إلا أن المشروع تُرك من دون إكمال، مشيراً إلى عدم وجود أي متابعة من الجهات المعنية لمعالجة المشكلة.
وأضاف أن عدداً من المتضررين أقاموا دعاوى قضائية ضد مالك الشركة، إلا أنهم يؤكدون أن الشركة المنفذة لم تلتزم بقرارات المحكمة.
وبحسب المتضررين، فإن الشركة تعود إلى نزار عبد الواحد، شقيق وزير البيئة العراقي سروه عبد الواحد، مطالبين مجلس الوزراء بالتدخل العاجل لإنهاء الأزمة وضمان حقوقهم وتسليم وحداتهم السكنية.
وفي السياق ذاته، تظاهر العشرات من المواطنين في بغداد احتجاجاً على عدم تسلم وحداتهم السكنية ضمن مشروع "محبة" الذي تنفذه شركة "خيرات دور"، مؤكدين أن أكثر من 350 عائلة لا تزال تنتظر استلام شققها منذ عام 2019، رغم تسديد معظمهم كامل المستحقات المالية.
وقال عدد من المتضررين، إنهم وقعوا عقود شراء الشقق قبل سبع سنوات، ودفعوا كامل قيمة الوحدات أو الجزء الأكبر منها، إلا أن المشروع لم يُنجز حتى الآن، متهمين الجهات المعنية بالتقصير في متابعة تنفيذه.
وأوضح أحد المحتجين أن هيئة استثمار بغداد لم تمارس رقابة كافية على المشروع، فيما لم تلتزم الشركة المنفذة بإكمال الأعمال أو تنفيذ القرارات القضائية الصادرة بحقها، رغم لجوء عدد من المشترين إلى القضاء للمطالبة بحقوقهم.
وأشار إلى أن الشركة المنفذة تحمل اسم "خيرات دور"، وتعود ملكيتها إلى نزار عبد الواحد، شقيق وزير البيئة العراقي سروه عبد الواحد، لافتاً إلى أن الأخير كان حاضراً في بعض اجتماعات توقيع العقود إلى جانب شقيقه، بحسب قوله.
وقال متضرر آخر إن القضية تمثل "كارثة" لأكثر من 350 عائلة، مبيناً أنهم دفعوا جزءاً من المبالغ نقداً إلى نزار عبد الواحد، فيما سددوا بقية الأقساط إلى شركة "خيرات دور"، إلا أن المشروع لا يزال متوقفاً منذ ست سنوات من دون أي تقدم يُذكر.
وأضاف محتج آخر متسائلاً: "هل المستثمر أقوى من الدولة؟"، مشيراً إلى أن الشركة باعت الوحدات السكنية منذ عام 2018، إلا أن موقع المشروع لا يزال أرضاً خالية حتى عام 2026، محملاً ثلاث جهات مسؤولية ما جرى، وهي الشركة المنفذة، وهيئة استثمار بغداد، وأمانة بغداد.
وأكد المحتجون أن نزار عبد الواحد لا يحضر إلى مقر الشركة، وأن الموجودين فيها هم موظفون إداريون فقط، الأمر الذي يزيد من صعوبة التواصل معه أو الحصول على تعهدات مباشرة.
وقال أحد المتضررين إنه دفع 48 مليون دينار عراقي مقابل شقته، مؤكداً أن مطلبهم الوحيد هو استلام وحداتهم السكنية، مضيفاً أن أربعة رؤساء وزراء تعاقبوا على الحكم منذ بدء الأزمة، في حين لا يزال المشروع متعثراً، رغم إمكانية حل القضية بقرار من هيئة استثمار بغداد وأمانة بغداد، بحسب تعبيره.
ويطالب المحتجون الحكومة بالتدخل العاجل لإنهاء الأزمة، وإلزام الشركة بإكمال المشروع وتسليم الوحدات السكنية إلى أصحابها، بعد سنوات من الانتظار والإجراءات القضائية التي يقولون إنها لم تحقق أي نتائج حتى الآن.
ديالى
وشهد قضاء خانقين، في محافظة ديالى، نهاية الأسبوع الماضي، إضراباً نفذه عدد من أصحاب المولدات الأهلية، وذلك بعد أقل من ساعة على إعلان قائمقام القضاء التسعيرة الجديدة لاشتراكات المولدات. وأدى الإضراب إلى إطفاء المولدات وامتناع أصحابها عن تشغيلها، احتجاجاً على التسعيرة التي وصفوها بأنها غير منصفة.
وقال راژان ماجد، وهو أحد سكان القضاء، إن "الحكومة المحلية تركتنا نواجه حرارة الصيف القاسية بلا كهرباء، ولدي أطفال وعائلة لا يستطيعون الجلوس داخل المنزل من شدة الحر، والمواطن يدفع ثمن الخلافات بينهم، ونحن لا نجد ساعة كهرباء تحمي عوائلنا من هذا الحر الخانق، بعد أن أصبح المواطن المتضرر الوحيد فور إعلان التسعيرة وإطفاء المحركات".
وكانت الجهات المعنية في محافظة ديالى قد حددت أوقات تشغيل المولدات الأهلية لشهر تموز الجاري من الساعة التاسعة صباحاً وحتى الساعة السادسة فجراً من اليوم التالي، فيما أقرت تسعيرة الأمبير بـ(7000) دينار للمولدات المجازة و(10000) دينار للمولدات غير المجازة، وذلك وفق قرار ديوان المحافظة.
وذكر بيان، أنه "بحضور لجنة الطاقة في ديوان القائمقامية ومسؤول محطات كهرباء خانقين، جرى احتساب ساعات التشغيل بالاعتماد على قراءات العدادات في محطات الكهرباء والعدادات المنصوبة في المناطق والأسواق، لتحديد تسعيرة شهر تموز".
ودعت الجهات المعنية المواطنين إلى الإبلاغ عن أي مخالفات تتعلق بعمل المولدات الأهلية، عبر مختار المنطقة أو من خلال تقديم شكوى مباشرة إلى لجنة الطاقة في ديوان القائمقامية، لاتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.
كركوك
وشهد حي "بارودخانة" في مدينة كركوك موجة احتجاجات غاضبة، تنديداً بصدور قرارات تقضي بهدم منازل السكان، حيث أقدم المحتجون على قطع الطريق الرئيس الرابط بين أربيل وبغداد، تعبيراً عن رفضهم لهذه الإجراءات وما قد تسببه من تشريد لعائلاتهم.
وقال أحد المتظاهرين، "نتعرض لضغوط وتهديدات مستمرة بهدم منازلنا، وقد أمهلونا حتى يوم الأحد المقبل لإخلائها بشكل كامل.
والغريب في الأمر أننا عندما راجعنا المسؤولين في المدينة ادعوا عدم علمهم بالقرار، حتى إن مدير الاستثمار نفسه أظهر عدم معرفته، مشيراً إلى أن الإدارة العامة هي من تسعى لسلب حقوق الناس".
وأضاف أن الحي يضم نحو 330 عائلة، وأن الإدارة تطالب بمساحة 64 دونماً من الأرض، متسائلاً: "أين يذهب هؤلاء الفقراء؟ وكيف يُسمح بهدم بيوتهم؟ نأمل من السلطات مراجعة قراراتها والاعتذار الفوري لهذا الشعب".
وفي مشهد مؤثر، قال متظاهر آخر: "لقد بنيت منزلي بدموع العين والديون والمشقة، لكنهم قاموا بهدمه، والآن يريدون هدم بقية المنازل لتحويلها إلى مشاريع استثمارية، ويقال إن القرار صدر بتوجيه من ريبوار طه".
وأشار متظاهرون آخرون إلى أن القوات الأمنية التي نفذت عمليات الهدم والتهديد جاءت، بحسب قولهم، بأوامر من جهة سياسية وبإشراف شخص يُدعى "آسو ألماني"، مؤكدين أن هذه الإجراءات أدت إلى تشريد النساء والأطفال.
ووجه المحتجون نداءً إلى رئيس الوزراء للتدخل الفوري ووقف هذه الإجراءات، وقال أحدهم: "نطالب رئيس الوزراء بالتدخل، لأن إدارة هذه المدينة تسعى لممارسة سياسة التعريب بحقنا، ولا نعرف إلى أين نلجأ".
كما كشف أحد المتظاهرين عن تعرضه للاعتقال والتقييد بالأصفاد، يوم أمس، من قبل القوات الأمنية، التي أبلغته بأنها تتحرك بأوامر من "آسو ألماني".
واختتم المحتجون احتجاجهم بالتأكيد على أن طريق أربيل – بغداد سيبقى مغلقاً، ولن يُعاد فتحه حتى حضور الجهات المعنية وتقديم حلول جذرية تنهي أزمة هدم المنازل التي تهدد عائلاتهم.