اخر الاخبار

لم يعد التسوق الإلكتروني في العراق خياراً هامشياً، إنما تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز أنماط التجارة الحديثة، مدفوعاً بانتشار الهواتف الذكية، وتوسع استخدام الانترنيت، واعتماد مواقع التواصل الاجتماعي منصاتٍ للبيع والشراء.

ورغم ما وفّره هذا التحول من خيارات واسعة للمستهلكين، وساهم في خلق فرص عمل جديدة لشركات التوصيل، إلا انه في المقابل برزت تحديات تتعلق بمدى ضمان جودة المنتجات، وانتشار الصفحات الوهمية، وضعف الضمانات القانونية، الأمر الذي جعل ثقة المستهلك على المحك.

وخلال السنوات الأخيرة ظهرت مئات الصفحات والمتاجر الإلكترونية التي تعرض مختلف السلع، ويعتمد معظمها على نظام "الدفع عند الاستلام"، وهو ما شجع شريحة واسعة من المواطنين على خوض تجربة الشراء الإلكتروني دون الحاجة إلى بطاقات مصرفية أو وسائل دفع إلكترونية.

ورغم الإقبال المتزايد على الشراء من تلك المتاجر، إلا أن كثيرين من المتسوقين يؤكدون أن التجربة لا تخلو من المخاطر. إذ يصل المنتج في أحيان كثيرة مختلفاً عمّا في الصور أو عن المواصفات التي تم الاتفاق عليها، فيما يختفي بعض صفحات البيع بعد إتمام عملية التسليم، لتبقى الخسارة على عاتق المشتري، أو عامل التوصيل.

وبين وقوع الزبون ضحية الصفحات الوهمية، تبرز معاناة أصحاب التوصيل الذين لا حول لهم ولا قوة، بسبب رفض الزبائن استلام الطلب وعدم منحهم أجور النقل، فيما إذا كان غير متطابق مع ما جرى الاتفاق عليه.

يُشار إلى ان مجلس الوزراء وافق في كانون الثاني العام الماضي، على مشروع نظام لتنظيم التجارة الإلكترونية في البلاد، في محاولة لتطوير هذا القطاع وتبسيط إجراءاته من خلال ضبط عمليات البيع والشراء عبر الانترنيت. ويتيح هذا النظام إنشاء وحدات متخصصة داخل وزارة التجارة لمتابعة ومراقبة التجارة الالكترونية. فيما يتعيّن على العاملين في هذا القطاع الحصول على إجازات رسمية عبر منصة الكترونية خاصة، بعد تقديم معلومات دقيقة وشفافة عن منتجاتهم وخدماتهم.

لكن هذه الرقابة الرسمية لا يبدو انها تشمل الصفحات التي تنشط على الانترنيت فقط، إنما تشمل المتاجر التقليدية الموجودة على الأرض والتي تمتلك صفحات الكترونية – وفقا لمراقبين. 

صفحات تُغلق بعد البيع!

في حديث صحفي، تقول الموظفة الحكومية أسماء علي أنها باتت تعتمد في غالب الأحيان على التسوق الإلكتروني لتوفير الوقت والجهد، لكنها لا تتعامل إلا مع الصفحات التي تمتلك سمعة جيدة وتقييماً مرتفعاً من الزبائن.

وتوضح أن تجربتها السابقة مع استلام منتج أقل جودة من المعلن عنه دفعتها إلى توخي الحذر قبل إتمام أي عملية شراء، مشيرة إلى أن غياب آليات واضحة لاسترجاع المنتجات غير المتطابقة مع المتفق عليها، يقلل من ثقة المواطنين في هذا النوع من التجارة.

أما الطالبة الجامعية براء الحسان، فتقول ان هناك صفحات تعرض منتجات بصور احترافية وأسعار مغرية، وبعد الاتفاق على السعر والحجم والجودة، يُطلب من المشتري إرسال الاسم والمحافظة ورقم الهاتف، ليتم إرسال الطلب عبر إحدى شركات التوصيل.

وتستدرك في حديث صحفي "لكن عند استلام البضاعة نكتشف أحيانا أنها تختلف تماماً عن المواصفات التي تم الاتفاق عليها، وعندما نطلب إعادتها يرفض موظف التوصيل كونه غير مخول بذلك، وعند العودة إلى الصفحة التي باعت المنتج نجد أنها أغلقت أو توقفت عن الرد، فتكون الخسارة من نصيب المشتري".

وتصف براء هذه الممارسات بأنها "تمثل نوعاً من النصب والاحتيال الإلكتروني الذي يستوجب رقابة حكومية وتشريعات أكثر صرامة".

شركات التوصيل غير مسؤولة

عمال شركات التوصيل (الديليفري)، ليسوا أطرافا في عملية البيع، ولا يتحملون مسؤولية جودة المنتجات أو مطابقتها للمواصفات - حسب ما يؤكده العامل في توصيل الطلبات خالد محمود، مبينا أن المتاجر الالكترونية تتعامل مع شركات التوصيل من أجل إيصال مبيعاتها إلى الزبائن، وأحيانا تتعامل مع مركبات لنقل البضائع بين المحافظات أو سيارات أجرة صغيرة، فترسل معها المبيعات مقابل أجور.

ويشير إلى ان عمله يبدأ بعد استلام الطرود من إحدى شركات التوصيل، التي تستلمها بدورها من صفحات البيع أو المتاجر الإلكترونية، ثم يقوم بإيصالها إلى الزبائن واستيفاء أجورها وإيصالها بالتالي إلى الشركة، مقابل أجور النقل.

ويبيّن محمود أن دخله يتراوح بين 50 و100 ألف دينار عن كل رحلة توصيل، بحسب عدد الطلبات والمسافات، وأن عمله ليس يوميا إنما بمعدل ثلاثة أيام في الأسبوع. لكنه يلفت إلى ان حالات اعتراض الزبائن على جودة المنتجات تتكرر باستمرار، في وقت لا يمتلك فيه عامل التوصيل صلاحية إرجاع البضاعة أو استبدالها.

في السياق، يقول علي حسين، وهو أحد العاملين في التوسط بين البائع والمشتري، أن أكثر المشكلات التي تواجه العاملين في هذا القطاع تعود إلى عدم التزام بعض صفحات البيع بالمواصفات التي تعلن عنها.

ويوضح في حديث صحفي أن الوسيط يحاول تقريب وجهات النظر بين الطرفين، إلا أن اختفاء بعض الصفحات بعد البيع يجعل حل المشكلة أمراً شبه مستحيل، مضيفا قوله أن اعتماد صفحات موثقة وسياسات واضحة للاستبدال والإرجاع سيساهم في تقليل المشكلات بين البائع والمشتري، ويزيد ثقة المواطنين في التجارة الإلكترونية.

صاحب متجر: لا يجب تعميم حالات الغش

يرى بعض أصحاب الصفحات والمتاجر الإلكترونية أن من غير المنصف تعميم حالات الغش على جميع العاملين في هذا المجال، مؤكدين أن هناك متاجر موثوقة بنت سمعتها على الالتزام بجودة المنتجات ووضوح الأسعار وتوفير سياسات للاستبدال والاسترجاع وخدمة الزبائن. ويشيرون إلى أن التمييز بين المتاجر الموثوقة وغير الموثوقة يعتمد على عوامل عدة، منها سجل المتجر، وتقييمات العملاء، ووضوح بيانات التواصل، والالتزام بتنفيذ الطلبات كما هو معلن.

في هذا السياق، يقول عمار جميل، وهو صاحب متجر الكتروني لبيع العطور، أن "تعميم الاتهامات على جميع المتاجر غير منصف. فالسوق يضم متاجر ملتزمة بمعايير واضحة في عرض المنتجات وخدمة الزبائن، إلى جانب وجود جهات غير ملتزمة، كما هو الحال في أي نشاط تجاري".

ويضيف في حديث صحفي قوله أن المستهلك يستطيع تقليل احتمالات التعرض للغش من خلال التعامل مع المتاجر ذات السمعة الجيدة، وقراءة تقييمات العملاء، والاطلاع على سياسة الاسترجاع والاستبدال قبل إتمام عملية الشراء، داعيا الجهات الرقابية إلى ملاحقة المخالفين.

التجارة الأسرع نمواً

إلى ذلك، يرى المحلل الاقتصادي علي خليل، أن التجارة الإلكترونية في العراق أصبحت واحدة من أسرع القطاعات نمواً خلال السنوات الأخيرة، مستفيدة من التحول الرقمي واتساع استخدام الهواتف الذكية والإنترنيت.

ويقول في حديث صحفي أن "التقديرات الاقتصادية تشير إلى أن عشرات آلاف عمليات الشراء الإلكترونية تُنفذ يومياً في البلاد، بينما تنمو أعداد صفحات البيع وشركات التوصيل بصورة مستمرة".

ويضيف قائلا أن هذا القطاع يوفر آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، سواء في التوصيل أم التخزين أم التسويق الإلكتروني أم خدمة الزبائن.

ويلفت خليل إلى ان "نسبة كبيرة من عمليات البيع تعتمد على الدفع عند الاستلام، وهو ما ساعد على توسع السوق، لكنه في الوقت نفسه زاد من فرص الاحتيال بسبب غياب التحقق المسبق من هوية البائع أو جودة المنتج".

ويشدد على أهمية سن تشريعات تنظم التجارة الإلكترونية، وتلزم المتاجر بسياسات واضحة للاستبدال والإرجاع، فضلا عن ضرورة إنشاء منصات رسمية لتسجيل المتاجر الإلكترونية، بما يساهم في الحد من الصفحات الوهمية وحماية حقوق المستهلكين.

إيرادات ضخمة

وفقا للمحلل الاقتصادي خليل، فإن "تقديرات السوق تفيد بأن إيرادات التجارة الإلكترونية في العراق تجاوزت 700 مليون دولار خلال عام 2024، مع استمرار وتيرة النمو خلال عامي 2025 و2026"، متوقعا أن "يتجاوز حجم السوق مليار دولار خلال السنوات القليلة المقبلة إذا استمرت عملية التحول الرقمي بالمعدلات الحالية".

ويتابع قوله أن "ما بين 60 و70 في المائة من عمليات الشراء الإلكترونية في العراق لا تزال تعتمد على الدفع عند الاستلام، وهو ما يعكس استمرار تفضيل المستهلك العراقي معاينة المنتج قبل دفع ثمنه، رغم التوسع التدريجي في خدمات الدفع الإلكتروني".

ويشير خليل إلى أن استمرار نمو السوق الالكتروني يتطلب سن تشريعات عصرية تنظم عمله، وتعزز حماية المستهلك من الغش والاحتيال، وتلزم المتاجر والصفحات بسياسات واضحة للاستبدال والإرجاع، بما يساهم في ترسيخ ثقة المواطنين وتشجيع الاستثمارات في الاقتصاد الرقمي.