اخر الاخبار

مع دخول العراق ذروة الصيف، اتسعت فجوة الكهرباء بين الإنتاج والطلب إلى مستويات غير مسبوقة. فيما تتصاعد الاحتجاجات في عدد من المحافظات وسط اعتماد متزايد على المولدات الأهلية التي تحولت من حل مؤقت إلى ركيزة أساسية لتأمين الطاقة لملايين المواطنين.

وتشير بيانات وزارة الكهرباء إلى أن الإنتاج الحالي يتراوح بين 20 و22 ألف ميغاواط، في وقت يتجاوز فيه الطلب الفعلي 60 ألف ميغاواط خلال فترات الذروة، ما يخلّف عجزاً يناهز 40 ألف ميغاواط.

وكان الاختصاصي في شؤون الكهرباء والطاقة والمتحدث السابق باسم وزارة الكهرباء، أحمد موسى العبادي، قد ذكر في تصريح صحفي أن "الوزارة حذرت منذ وقت مبكر من أن الصيف الحالي سيكون من الأصعب على المنظومة الكهربائية، بسبب نقص الوقود والغاز المغذي للمحطات"، مضيفا قوله أن "شح الغاز المحلي والمستورد انعكس بصورة مباشرة على إنتاج الطاقة، فيما تعثرت مشاريع بديلة مثل منصات الغاز المسال وخطوط الربط الكهربائي بسبب الظروف الإقليمية والأزمة المالية".

وتتكشف أبعاد أزمة الطاقة في العراق عند النظر إلى حجم الإنفاق الفلكي الذي التهمه هذا القطاع منذ عام 2003. إذ تشير تقارير وبيانات رسمية صادرة عن لجان برلمانية ووزارية، إلى أن الموازنات الاستثمارية والتشغيلية المباشرة التي خصصت للكهرباء تراوحت بين 81 إلى 84 مليار دولار. ومع ذلك، يؤكد خبراء ومؤسسات اقتصادية مستقلة، من بينها معهد الطاقة العراقي، أن الكلفة الحقيقية الإجمالية تجاوزت حاجز الـ 120 مليار دولار، عند احتساب مبالغ شراء الوقود والغاز المستورد، والتعاقدات الإضافية مع المحطات الاستثمارية الخاصة، فضلا عن الخسائر غير المباشرة التي يتكبدها الاقتصاد الوطني سنويا جراء الانقطاعات المستمرة، والتي تُقدر بنحو 40 مليار دولار، ما يجعلها واحدة من أكبر ملفات الهدر المالي في تاريخ البلاد الحديث.

المعاناة تشتد وغضب الناس يتصاعد

تأتي هذه التحديات في وقت تشهد فيه جميع المحافظات تراجعاً كبيرا في ساعات تجهيز الطاقة الكهربائية. ففي الأنبار، أعلنت الحكومة المحلية أن المحافظة تتلقى بين 600 و650 ميغاواط فقط، رغم أن حاجتها الفعلية تتراوح بين 2700 و3000 ميغاواط، ما يتيح ساعات تجهيز لا تتجاوز 6 إلى 8 ساعات يومياً.

أما البصرة، فقد دخلت للمرة الأولى منذ سنوات، نظام القطع المبرمج بواقع أربع ساعات تجهيز مقابل ساعتين قطع، بعد تراجع إنتاجها إلى نحو 3150 ميغاواط، مقابل حاجة تتجاوز 5500 ميغاواط خلال الصيف الحالي.

وبحسب بيانات التشغيل في مركز السيطرة الجنوبي، انخفضت إمدادات الغاز المغذية لمحطات البصرة من نحو 28 مليون متر مكعب يومياً خلال صيف 2025 إلى قرابة 9 ملايين متر مكعب حالياً، بالتزامن مع توقف بعض خطوط الاستيراد.

وأثار تراجع ساعات التجهيز موجة احتجاجات في عدد من المحافظات. حيث خرج الكثيرون من المواطنين في تظاهرات غاضبة مطالبين الحكومة بتحمّل مسؤوليتها في إيجاد حلول طارئة لهذه الأزمة. وقد اتجه بعض الاحتجاجات إلى التصعيد، ومثال ذلك ما حصل في قضاء غماس بمحافظة الديوانية. إذ قطع متظاهرون الطريق الرابط بين الديوانية والنجف مطالبين بزيادة حصة محافظتهم من الطاقة الكهربائية، ومؤكدين أن ساعات الانقطاع تجاوزت خمس ساعات مقابل ساعة تجهيز واحدة فقط.

كما شهد قضاء الدير شمالي البصرة وقفات احتجاجية طالبت بإلغاء البرمجة الكهربائية وإعادة النظر بأجور الجباية، في وقت تشكو فيه مناطق عدة من زيادة الاعتماد على المولدات الأهلية وارتفاع كلفة الأمبير.

الكهرباء الوطنية ضيف عابر!

تؤكد وزارة الكهرباء أن توزيع الطاقة يتم وفق نسب معتمدة من اللجنة العليا للتنسيق بين المحافظات، مشيرة إلى أن بغداد تحصل على 27.07 في المائة من الطاقة المخصصة للمحافظات، تليها ذي قار بنسبة 9.02 في المائة، ثم نينوى بنسبة 8.47 في المائة.

لكن هذه الأرقام لا تخفي حقيقة معاناة المواطنين واستيائهم. ففي حي التحدي بمدينة كربلاء، تقول المواطنة أم أحمد أن "الكهرباء الوطنية باتت أشبه بضيف عابر"، مضيفة في حديث صحفي قولها أن "الانقطاع المتكرر أجبر العائلات على الاعتماد على المولدات التي لا تستطيع تشغيل أجهزة التبريد الأساسية بسبب محدودية الأمبيرات وارتفاع أسعارها".

وتتابع قائلة: "نسمع عن مشاريع وعقود وأرقام جديدة، لكن ما نحتاجه هو أن نرى هذه المشاريع تنعكس على ساعات التجهيز داخل منازلنا".

أما في بغداد، فتقول أم مريم أن "حصول العاصمة على الحصة الأكبر من الكهرباء لم ينعكس على واقعها"، مشيرة في حديث صحفي إلى ان "المحولات تختنق باستمرار، والكهرباء تنقطع لساعات طويلة، بينما ترتفع كلفة الاشتراك بالمولدات شهراً بعد آخر".

الأزمة الأسوأ والأقسى

يصف المواطن زيد رياض أزمة الكهرباء هذا العام، بأنها "غير مسبوقة".

ويقول في حديث صحفي: "عشنا أزمات وحروبا كثيرة طوال العقود الماضية، لكن هذا الصيف هو الأقسى والأشد مرارة على الإطلاق. المنظومة الوطنية أصبحت شبه ميتة، والكهرباء تحولت إلى مجرد ومضات تأتي دقائق معدودة ثم تنقطع ساعات طويلة"، مضيفا قوله: "حتى المولدات التي نعتمد عليها كبديل، لم تعد قادرة على إغاثتنا. إذ بدأت تنهار وتتوقف، في وقت يلتهم فيه سعر الاشتراك رواتبنا بالكامل".

ويتابع بمرارة: "نحن لا نواجه نقصا في الخدمات وحسب، إنما نواجه جحيما حقيقيا وعذابا يوميا داخل بيوتنا في ظل درجات حرارة ملتهبة".

دوران عجلة الوعود الكاذبة!

في السياق، يقول المواطن أبو ليث، أنه "في ربيع كل عام وقبل حلول الكارثة، يخرج علينا المسؤولون الحكوميون ببيانات رنانة ووعود وردية، متحدثين بثقة عن إدخال محطات جديدة وصيانة الشبكات وتأمين تجهيز غير مسبوق للطاقة الكهربائية"، مستدركا في حديث صحفي "لكن بمجرد أن تبدأ درجات الحرارة بالارتفاع الفعلي، تتبخر كل هذه التصريحات في الهواء وتنكشف الحقائق الصادمة على أرض الواقع".

ويزيد على قوله: "لقد سئمنا من هذا السيناريو المعاد والمكرر في كل سنة.. وعودهم كاذبة ومستهلكة وهدفها الوحيد هو امتصاص غضب الشارع وتأجيل الاحتجاجات، بينما الحقيقة الثابتة هي أن أموالنا تذهب لعقود الفساد والواقع يزداد قسوة عاما بعد آخر".

الافتقار للتوازن

بدوره، يرى عضو لجنة النفط والغاز والثروات الطبيعية في مجلس النواب، عدي الزاملي، أن المشكلة الأساسية تكمن في عدم التوازن بين قطاعات المنظومة الكهربائية.

ويوضح في حديث صحفي أن "شبكات التوزيع شهدت تحسناً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، لكن قطاع النقل لا يزال بحاجة إلى توسعة كبيرة، نظراً لأن خطوط الضغط العالي والمحطات الثانوية صُممت وفق احتياجات سابقة لا تتناسب مع النمو الحالي في الاستهلاك".

ويتابع قائلاً أن "أحد أبرز الأخطاء الاستراتيجية يتمثل في التوسع بإنشاء محطات غازية دون تطوير مشاريع موازية لاستثمار الغاز المصاحب المنتج مع النفط، الأمر الذي أبقى العراق معتمداً على الغاز المستورد لتشغيل جزء مهم من محطاته".

المولدات بديل عن المنظومة الوطنية!

مع استمرار العجز، تتجه الحكومة إلى تعزيز دور المولدات الأهلية باعتبارها الخيار الأكثر حضوراً خلال الصيف. حيث استقبل رئيس الوزراء وفداً يمثل أصحاب المولدات الأهلية بحضور وزير الكهرباء، فيما أعلنت وزارة النفط تجهيز المولدات بوقود مدعوم لمدة ثلاثة شهور بسعر 200 دينار للتر بدلاً من 400 دينار.

وفي حين، يؤكد المتحدث السابق باسم وزارة الكهرباء أحمد العبادي، أن "القرار يمثل محاولة لتخفيف الضغط على المنظومة الكهربائية ومنع ارتفاع سعر الأمبير"، يلفت إلى أن "نجاحه يتوقف على استمرار تجهيز الوقود ومتابعة تطبيق القرار ميدانياً".

وخلال العقدين الماضيين تطورت المولدات الأهلية من حل طارئ إلى ما يشبه شبكة كهرباء موازية يعتمد عليها ملايين العراقيين.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن اقتصاد الأمبير تحوّل إلى قطاع موازٍ يوفر فرص عمل لآلاف العاملين في مجالات التشغيل والصيانة والنقل وتجارة الوقود وقطع الغيار، في مشهد يعكس استمرار اعتماد العراقيين على حلول بديلة لسد فجوة الكهرباء المزمنة، رغم عقود من الإنفاق الحكومي على هذا الملف الحيوي.