تشهد عدة محافظات موجة احتجاجات متزامنة تعكس تصاعد حالة التوتر الشعبي، في ظل تداخل ملفات أمنية وخدمية واقتصادية باتت تضغط على حياة المواطنين اليومية. فمن تداعيات محاولة اغتيال الناشط المدني في بابل وما رافقها من مطالبات بالكشف عن الجناة، إلى احتجاجات السكن العشوائي في البصرة، وأزمات النقل والعمل في ميسان وواسط والديوانية، تتسع رقعة الغضب الشعبي وسط اتهامات بالتقصير الحكومي وبطء الاستجابة. وفي وقت تتزايد فيه الدعوات لتحقيق العدالة وتوفير الحلول، تجد السلطات نفسها أمام اختبار حقيقي لاحتواء الأزمات المتراكمة واستعادة ثقة الشارع.
محاولة اغتيال ضرغام تتفاعل
شهدت محافظة بابل، تظاهرة نظمها عدد كبير من المواطنين أمام مبنى المحافظة في مركز مدينة الحلة، وذلك تنديداً بمحاولة اغتيال الناشط المدني ضرغام ماجد، وللمطالبة بالكشف عن الجهات المتورطة في الحادث وإعلان نتائج التحقيقات بشكل رسمي وشفاف.
ورفع المتظاهرون شعارات تؤكد استمرار تحركاتهم الاحتجاجية، مشددين على أنهم “لن يتراجعوا تحت أي ظرف” ما لم يتم الإعلان عن نتائج اللجنة التحقيقية المشكلة بشأن الحادث، والكشف عن جميع المتورطين ومحاسبتهم وفق القانون.
وتعود تفاصيل الحادثة إلى يوم الثلاثاء الموافق 21 نيسان 2026، عندما تعرض الناشط ضرغام ماجد إلى إطلاق نار في ناحية المدحتية، جنوب محافظة بابل، أثناء وجوده في أحد المحال الخاصة ببيع المواد الغذائية.
وبحسب إفادات شهود عيان، فإن مسلحين ملثمين كانا يستقلان دراجة نارية أطلقا رصاصتين باتجاهه، ما أدى إلى إصابته بإطلاقة في ساقه، قبل أن يلوذا بالفرار إلى جهة مجهولة.
وفي تطور لاحق، اتهم الناشط ضرغام ماجد جهة مسلحة بالوقوف وراء محاولة اغتياله.
اتهامات بالتغاضي عن التحقيق
من جانبه، قال الناشط المدني ياسين العبادي، في تصريحات صحفية، إن هذه التظاهرات جاءت نتيجة ما وصفه بـ”تغاضي قيادة شرطة بابل عن إجراء تحقيق دقيق في حادثة محاولة الاغتيال”، مشيراً إلى أن أكثر من عشرة أيام مضت على الحادثة دون صدور أي توضيح رسمي، رغم وقوعها في وضح النهار، ورغم تشكيل لجنة أمنية عليا للتحقيق فيها.
وأضاف العبادي أن مطالب المحتجين تتركز في “الكشف السريع والعلني للجهات المتورطة”، مؤكداً رفضهم لأي تسويف أو مماطلة في هذا الملف، ومقارنةً ذلك بسرعة كشف ملابسات جرائم أخرى في المحافظة، الأمر الذي أثار تساؤلات بشأن أسباب التأخير في هذه القضية تحديداً.
وكان ناشطون من بابل ومحافظات أخرى قد تجمعوا، في وقت سابق، في ساحة الساعة بناحية الحمزة الغربي، معبرين عن غضبهم من محاولة الاغتيال، ومعلنين نيتهم التصعيد في حال عدم الكشف عن الجناة خلال مهلة محددة.
كما حمّل بيان صادر عن المحتجين محافظ بابل علي تركي وقائد شرطة بابل اللواء عباس الزركاني المسؤولية القانونية والتنفيذية عما وصفوه بـ”الخرق الأمني”، مطالبين بإجراءات حازمة لضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث.
احتجاجات موازية في محافظات أخرى
وفي محافظة البصرة، نظم أصحاب السكن العشوائي وقفة احتجاجية أمام مبنى الحكومة المحلية، احتجاجاً على استمرار عمليات هدم منازلهم دون توفير بدائل سكنية مناسبة.
وأكد المحتجون أن إجراءات الهدم تجري دون مراعاة للظروف الاجتماعية والاقتصادية، مطالبين بتدخل عاجل من الحكومة المركزية لإيقاف تلك الإجراءات وتوفير حلول عادلة تضمن لهم السكن.
وفي محافظة ميسان، نظم عدد من أصحاب باصات نقل الحجاج وقفة احتجاجية اعتراضاً على قرار هيئة الحج والعمرة نقل الحجاج جواً بدلاً من النقل البري، مؤكدين أنهم أتموا جميع الاستعدادات والتعاقدات اللازمة لنقل الحجاج براً، ما تسبب لهم بخسائر مالية كبيرة بعد تغيير القرار بشكل مفاجئ.
وأشار المحتجون إلى أن الهيئة كانت قد أبلغتهم سابقاً بضرورة الاستعداد للنقل البري، بل وفرضت غرامات على من يتخلف عن تنفيذ التزاماته، إلا أنها تراجعت عن الاتفاق دون تعويض، مطالبين بإعادة جزء من خطة النقل البري أو تعويضهم عن الخسائر.
مشروع استثماري يبتلع ارزاق الناس
وفي مدينة العمارة، نظم أصحاب المحال داخل علوة الطحين وقفة احتجاجية داخل الموقع، رفضاً لقرار إلغاء تعاقداتهم وإزالة العلوة لصالح مشروع استثماري.
وأكد المحتجون أن عقودهم سارية المفعول حتى عام 2028، وأنهم تفاجأوا بقرار الإزالة دون تقديم بدائل، مشددين على أن هذه المحال تمثل مصدر رزقهم الوحيد.
موظفون يشكون الاستقطاعات
أما في محافظة الديوانية، فقد جدد العشرات من موظفي دائرة الماء إضرابهم عن العمل احتجاجاً على استقطاعات من رواتبهم، مؤكدين استمرار الإضراب ومهددين بالتصعيد، الذي قد يصل إلى إيقاف عمل المحطات والمجمعات المائية في عموم المحافظة.
وفي محافظة واسط، نظم العشرات من خريجي المهن الصحية والطبية، تظاهرة واسعة، احتجاجاً على عدم تعيينهم مركزياً، رغم حاجة المؤسسات الصحية إلى كوادر متخصصة.
ورفع المحتجون لافتات تطالب بتطبيق قانون التدرج الطبي رقم (6) لسنة 2000، الذي يكفل تعيينهم. كما أعرب المتظاهرون عن رفضهم لما وصفوه بـ”الحلول الترقيعية”، وعلى رأسها برنامج التدريب الوطني، معتبرين أنه لا يوفر فرص عمل حقيقية، ولا ينسجم مع واقع القطاع الخاص الذي يعاني من ضعف الاستيعاب. من جهتها، دعمت نقابة المهن الصحية مطالب المحتجين، مشيرة إلى وجود مماطلة من قبل الجهات الحكومية في تنفيذ الالتزامات القانونية، في حين شارك أولياء أمور الخريجين في التظاهرة، مطالبين بتوفير فرص عمل لأبنائهم وضمان مستقبلهم. واختتم المحتجون تحركاتهم بالتلويح بتصعيد أكبر في حال استمرار تجاهل مطالبهم، مؤكدين أن التعيين حق دستوري لا يمكن التنازل عنه. وتعكس هذه التطورات المتزامنة في عدة محافظات عراقية حالة من التوتر والاحتقان الشعبي، في ظل تداخل ملفات أمنية وخدمية واقتصادية، وسط مطالب متزايدة بالكشف عن الحقائق، وتحقيق العدالة، وتوفير فرص العمل، وضمان الحقوق الأساسية للمواطنين، في وقت تواجه فيه السلطات تحديات متزايدة في احتواء هذه الأزمات والاستجابة لمطالب الشارع.