اخر الاخبار

وسط دخان حرق النفايات الخانق في مواقع الطمر الصحي المتزايدة في العراق، ينحني أطفال صغار باحثين عن بقايا لعبٍ حلموا بها، عن حاجيات طفولية بسيطة.. وبينما تواصل أيديهم العارية النبش، تبرز أحياناً كتب مدرسية أو دفاتر مهملة، يلتقطها أحدهم بفضولٍ خجول، يقلب صفحاتها سريعاً، متوقفاً عند الصور التي تختصر له عالماً لم يُتح له أن يدخله يوماً!

الأحلام هنا لا تبدو كبيرة أو بعيدة، فحلم أحدهم لا يتجاوز غرفة هادئة وكتاباً يستطيع قراءته دون خوف أو خجل. لكن في هذا المكان تتحول الكتب من وسيلة للتعلم إلى شاهدٍ صامت على أطفالٍ انتشلتهم الحاجة من مقاعد الدراسة ورمت بهم في مكبّات النفايات!

وبينما ينشغل الأطفال في البحث عن ألعابٍ مكسورة أو بقايا دمى متهرئة، ينكبّ آباؤهم وأمهاتهم على فرز ما يمكن تحويله إلى مصدر دخل بائس، من علبٍ معدنية وبلاستيك وقطع حديد، يجمعونها بصمتٍ مثقلٍ بالتعب. تتداخل حركات الأيدي الصغيرة مع أيادي الكبار في مشهدٍ واحد. حيث تتحول مكبّات النفايات إلى مساحة عملٍ قاسية للعائلات بأكملها، لا تفصل بين الطفولة ولقمة العيش. بعض هؤلاء الصغار لا يعرفون طريق المدرسة، أو تركوها مبكرا، ليجدوا أنفسهم في مواجهة يومية مع بيئة ملوثة ومخاطر صحية، فيما تراقبهم أمهاتهم عن قرب، بين الخوف عليهم والحاجة إلى ما يجمعونه من أشياء بالكاد تسدّ رمق العيش!

وتكشف هذه المشاهد عن اتساع ظاهرة "النبّاشة". وهي مهنة نشأت وتوسعت على هامش الأزمات الاقتصادية وتراجع فرص العمل، حتى باتت وسيلة عيش رئيسة لآلاف العائلات. ورغم أن البلاد تُصنّف ضمن الدول الغنية بالثروات الطبيعية، إلا أن هذا الغنى لا ينعكس على شرائح واسعة من المجتمع، التي اضطرت للبحث عن لقمة عيشها في النفايات. وبين مفارقة الوفرة في الموارد وشحّ الفرص، تتكرّس هذه المهنة كأحد وجوه الفقر الخفي، حيث يُعاد تدوير ما يُرمى، ليس من باب الاقتصاد البيئي، إنما كخيار أخير للبقاء!

أحلام بسيطة

يقول الفتى باسم صباح، الذي يعمل نباشا مع عائلته: "أكثر ما يؤلمني ليس التعب ولا الغبار ولا الدخان، بل اللحظة التي أعثر فيها أثناء النبش على كتبٍ مدرسية. أفتحها بحذر، أتأمل الكتابة، ثم أسرع في تقليب الصفحات التي لا تحتوي صوراً.. لا أريد أن أُحرج نفسي لأنني لا أفهم ما كُتب فيها. أتوقف طويلاً عند الصفحات الملوّنة، حيث تخبرني الصور بما عجزت الكلمات عن قوله". 

ويضيف قائلا في حديث صحفي: "أحلامي بسيطة جداً، مجرد طفل يجلس في غرفة هادئة يقرأ كتاباً وتحيط به وسائل الراحة التي لم أعرفها يوماً"، موضحا أن "العمل في الطمر الصحي لم يكن خياراً شخصياً، بل نتيجة ظروف معيشية صعبة".

ويشير صباح إلى أن والده لم يعد قادراً على تحمّل أعباء الحياة وحده "فهو يتألم على مستقبلنا، والدليل أنه يسلك بنا طريقاً بعيداً عن طرق الطلبة إلى المدرسة حتى لا نتألم عندما نرى أقراننا وهم ذاهبون للدراسة".

أما الطفل جمال محسن، فلم تكن أحلامه معقدة أو بعيدة المنال. إذ يتمنى فقط أن يستيقظ صباحاً، يحمل حقيبته المدرسية ويسير مع أصدقائه نحو المدرسة. حلمٌ بسيط لطفلٍ أراد أن يكمل دراسته ليصبح يوماً شخصاً نافعاً يخدم بلده وأهله، بدلاً من أن تبدأ أيامه بين النفايات بحثاً عمّا يسدّ رمق العيش. يقول محسن في حديث صحفي، أن "عملنا صعب وخطير، نجمع ما يمكن الاستفادة منه من النفايات، ونبيعه بالكيلو للمستفيدين".

ظروف معيشية قاهرة

من جانبه، يقول الفتى النبّاش كاظم ناجي، انه أكمل دراسته حتى الصف الخامس الابتدائي قبل أن يتركها بسبب ظروف معيشية قاهرة اضطرته للعمل.

ويضيف قوله أن "عائلتي تحتاج إلى المال لتأمين قوتنا اليومي"، مشيرا في حديث صحفي إلى انه يجيد القراءة والكتابة، وحلمه ما زال قائماً بالعودة إلى الدراسة إذا تحسن وضعهم المادي.

فيما يقول أبو سيف، الذي يعيل عائلة مكوّنة من 11 فرداً، انه يعمل مع بعض أبنائه في الطمر الصحي منذ أكثر من عشر سنوات، مبينا أنه "نصحت أولادي بترك الدراسة والعمل لكي نعيش بشكل أفضل. فالمصاريف كبيرة والالتزامات كثيرة".

ويؤكد أبو سيف، أن الظروف المعيشية أجبرته على هذا القرار رغم قلقه على مستقبل أبنائه، منوّها إلى انه حاول تعليم أبنائه أساسيات القراءة والكتابة في المنزل بعد أن عثر على سبورة بين النفايات وأخذها إلى البيت ليبدأ بتعليمهم الحروف العربية.

ويتألم أبو يوسف كثيرا عندما يفكر في مستقبل أولاده وعدم إكمالهم الدراسة "لكن الظروف أقوى منا. لدينا 11 فرداً وكلهم يحتاجون إلى متطلبات يومية لا يمكن تأمينها دون عمل". 

مخاطر صحية

يحذّر اختصاصيون من المخاطر الصحية الكبيرة التي تحيط بهذه المهنة، لا سيما على الأطفال. وفي هذا السياق، يقول الطبيب الاختصاصي في الصحة العامة د. علي ربيع، أن "العمل في مكبّات النفايات يعرّض العاملين، خصوصا الصغار، إلى بيئة ملوّثة مليئة بالبكتيريا والفيروسات، فضلا عن المواد السامة والملوّثات الكيميائية، والأدوات الجارحة".

ويضيف في حديث صحفي قوله أن "الاحتكاك المباشر مع النفايات دون وسائل حماية يزيد من احتمالات الإصابة بالأمراض الجلدية والتهابات الجهاز التنفسي، فضلاً عن مخاطر الجروح والتلوث بالمواد الحادة، والتي قد تنقل أمراضاً خطيرة"، لافتا إلى أن "معظم العاملين في هذه المهنة يجهلون تلك المخاطر، لذلك لا يتسلحون بوسائل السلامة كالأقنعة والقفازات وغيرها".

ويشير ربيع إلى أن "الأطفال هم الأكثر تضرراً، لأن جهازهم المناعي لا يزال في طور النمو، ما يجعلهم أكثر عرضة لمضاعفات صحية قد تستمر معهم لسنوات"، مؤكداً أن استمرار هذه الظاهرة دون رقابة أو إجراءات وقائية يمثل تهديداً حقيقياً للصحة العامة.

تدوير عشوائي

رغم قسوة هذه المهنة، إلا أنها تمثل شكلا غير منظّم من إعادة التدوير. إذ يساهم "النبّاشة" في تقليل حجم النفايات عبر استرجاع مواد قابلة للاستخدام، لكن هذا الدور يجري خارج أي إطار رسمي أو حماية، ما يحرمهم من حقوقهم ويحوّل الجهد إلى عمل محفوف بالمخاطر بدل أن يكون جزءا من منظومة اقتصادية منظّمة لإدارة النفايات.

يقول سلام الربيعي، أحد العاملين في إدارة النفايات، أن "ما يقوم به هؤلاء هو جزء من سلسلة إعادة التدوير، لكنه يتم بطريقة عشوائية تفتقر إلى أبسط شروط السلامة"، مشيرا إلى أن "دمج هذه الفئات ضمن برامج رسمية، وتوفير معدات وقاية وتنظيم عملهم، كل ذلك يمكن أن يحوّل المشكلة إلى مورد اقتصادي ويقلل من المخاطر الصحية والبيئية في آن واحد".

ويستدرك "لكن ذلك لا يُعطي أي شرعية لزج الأطفال في هذه المهنة أو غيرها. وهذا يقع على عاتق الدولة، التي يُفترض بها أن تحمي الصغار وتلزم أهاليهم بإرسالهم إلى المدارس".

وبين الحاجة التي تدفعهم إلى النبش في النفايات، وغياب البدائل التي تضمن لهم عملاً كريماً، تبقى هذه العائلات عالقة في دائرة مغلقة. حيث يتحول المكب إلى مصدر عيش ومصدر خطر في الوقت نفسه، فيما يكبر الأطفال على حافة هذا الواقع، بين ما يعثرون عليه من أشياء مكسورة، وما يفقدونه من فرص حياة مختلفة.