اخر الاخبار

تتجه أزمة غاز الطهي في العراق نحو مستوى أكثر تعقيدا، مع اتساع الفجوة بين الرواية الرسمية التي تنفي وجود أي مشكلات في تجهيز المواطنين، والمشهد اليومي الذي يعكس اختناقا حقيقيا في الإمدادات.

وخلال الأسبوعين الأخيرين، تفاقمت طوابير انتظار الغاز أمام محطات التوزيع وفي الأزقة السكنية، ليتحوّل المشهد إلى علامة بارزة على عمق الأزمة. فيما بدأت التداعيات تتجاوز البعد الخدمي لتلامس الاستقرار الاجتماعي، مع تسجيل احتجاجات متفرقة في عدد من مناطق البلاد.

وفي بغداد وبقية المحافظات، يقف المواطنون ساعات طويلة، تتجاوز أحياناً ست ساعات، على أمل الحصول على أسطوانة غاز واحدة، في مشهد بات يتكرر يومياً. 

الانتظار وخطره

وفي حديث صحفي، يقول المواطن أحمد العلي، وهو من أهالي بغداد، أن "الانتظار لم يعد يضمن الحصول على أسطوانة غاز، بل أصبح مغامرة قد تنتهي بخسارة يوم عمل كامل بلا نتيجة".

ويعكس تعبير المواطن حجم الإرهاق الذي تفرضه الأزمة على الحياة اليومية، في ظل الاحتياج المتزايد للغاز. بينما اضطرت مشاريع صغيرة عديدة تعتمد على الغاز، إلى إيقاف العمل، كالمطاعم والمخابز. الأمر الذي انسحب أيضا على مصادر عيش المواطنين. 

ومع تصاعد الأزمة، وضعت وزارة النفط آلية توزيع تمنح كل عائلة أسطوانتي غاز شهرياً، تُسلّم عبر "كوبون". غير أن هذه الخطوة لم تنجح ولم يحصل المواطنون حتى على هذه الكمية المحددة، بسبب عدم توفر الغاز في المحطات أو بسبب الطوابير المرهقة.

ويكشف عدد من أصحاب المحطات جانباً من الأزمة، إذ يؤكد أحدهم، ويدعى حيدر الفتلي، أن "المحطات لم تعد تتلقى حصصها بشكل منتظم، ولا يوجد تجهيز كافٍ من الحكومة"، مضيفاً في حديث صحفي قوله، أن "المواطنين يقفون ساعات طويلة، لكن الكميات لا تصل، ما يدفعهم إلى الانصراف من دون الحصول على شيء".

وينعكس هذا الخلل في الإمدادات بشكل مباشر على الشارع، حيث يتحول النقص إلى ضغط يومي متصاعد يرهق المواطنين.

ومع تفاقم الأزمة، لم تعد التداعيات مقتصرة على الطوابير فقط، بل امتدت إلى الشارع الغاضب. فقد شهدت الأيام الأخيرة احتجاجات في محافظات عدة، بينها كربلاء وبابل. إذ خرج مواطنون وعمال مطاعم للتعبير عن استيائهم من شح الغاز وارتفاع أسعاره.

وفي بابل، أقدم محتجون على إحراق إطارات في الطرق، في مؤشر على تصاعد حدة الغضب الشعبي واتساع دائرة التأثر بالأزمة. 

إجراءات غير مجدية

في محاولة لاحتواء الوضع، أصدرت شركة توزيع المنتجات النفطية الاحد الماضي، توجيهاً بتخصيص 10 أسطوانات غاز لكل بائع جوال في النقلة الواحدة، خارج نظام البطاقة الوقودية، بهدف توفير نحو 20 ألف اسطوانة يومياً للمطاعم. كما دعت الوكلاء الجوالين إلى تكثيف التوزيع، ملوحة بإجراءات قانونية بحق المخالفين، وأرسلت فرقاً ميدانية لمرافقة عمليات التوزيع داخل الأحياء السكنية. غير أن هذه الإجراءات - بحسب مراقبين - تبدو أقرب إلى حلول مؤقتة لا تعالج جذور الأزمة، خصوصاً مع استمرار الخطاب الرسمي الذي يقلل من حجم المشكلة ولا يقدم رؤية واضحة لمعالجتها، مشيرين إلى ان غياب الاعتراف الحكومي بوجود الأزمة يعيق وضع سياسات فعالة لاحتوائها. 

مطاعم ومخابز تتجه للإغلاق

ألقت الأزمة بظلالها أيضاً على القطاع الخدمي والمشاريع الصغيرة. إذ يؤكد أصحاب مطاعم ومخابز في بغداد ومحافظات أخرى أنهم اضطروا الى إغلاق محالهم، أو تقليل ساعات العمل، نتيجة شح الغاز وارتفاع سعره في السوق الموازية، ما تسبب في خسائر اقتصادية وتراجع فرص العمل.

في المقابل، ازدهرت السوق السوداء. حيث وصل سعر الأسطوانة إلى نحو 20 ألف دينار، وهو ما يزيد العبء على العائلات محدودة الدخل.

وتنقل وكالات أنباء عن جمال شهاب، وهو صاحب مطعم في بغداد، قوله أن أزمة الغاز باتت تشكل ضغطا كبيرا على عملهم، رغم قرار تخصيص حصص محددة للقطاع التجاري، موضحا أن الكميات المخصصة، إن وصلت لصاحب العمل، لا تغطي الحاجة الفعلية.

ويؤكد أن "بعض المطاعم الكبيرة تحتاج إلى ما بين 15 و20 اسطوانة يوميا، بينما ما يتم تجهيزه لا يتجاوز جزءا بسيطا من هذا الاستهلاك"، مشيرا إلى ان هذا العجز ينعكس مباشرة على سير العمل اليومي، ويدفع بعض المطاعم إلى تقليص ساعات العمل أو إيقاف جزء من الخدمات لتقليل الاستهلاك.

وينوّه شهاب إلى أن "الاعتماد على السوق السوداء أو الشراء بأسعار مرتفعة أصبح خيارا اضطراريا في بعض الحالات، ما يرفع كلفة التشغيل وبالتالي يزيد أسعار الوجبات"، لافتا إلى أن استمرار الوضع الحالي دون معالجة سيؤثر على استقرار هذا القطاع الحيوي.

ويخلص إلى ان أصحاب المطاعم يطالبون بإيجاد آلية توزيع خاصة بالأنشطة التجارية تضمن استمرارية العمل. 

اللجوء إلى بدائل بدائية

مع اشتداد الأزمة، بدأت بعض العائلات تلجأ إلى بدائل بدائية للطهي، مثل الوقود السائل والحطب، في خطوة تعكس تراجع مستوى الخدمات الأساسية، وتحمل في الوقت ذاته مخاطر صحية وبيئية. فيما اتجه بعض آخر إلى أجهزة الطهي الكهربائية، غير أن تردي الكهرباء أعاق الاستمرار في هذا الخيار، لا سيما أن هذه الأجهزة تحتاج إلى طاقة كهربائية عالية ومستقرة.

تقول المواطنة أم علياء، أنها اضطرت للجوء إلى بديل مؤقت. حيث استخدمت موقدا نفطيا، مشيرة إلى أن إعداد الطعام على الموقد النفطي يأخذ وقتا طويلا، وأن هذه الوسيلة تُخلف أدخنة خانقة.

وتضيف قائلة أنها تمتلك جهاز طبخ كهربائي، لكنها لم تتمكن من الاعتماد عليه بسبب تردي الكهرباء، وعدم إمكانية تشغيله على خط المولدة، كونه يسحب طاقة عالية.

 

وكلاء يتعاملون بمحسوبية

يؤكد مواطنون في منشورات على مواقع التواصل وأحاديث عبر وسائل إعلام، أن بعض وكلاء الغاز يتعاملون بمحسوبية. حيث يركزون على توفير الغاز لمعارفهم أو بيع كميات محددة لتجار يقومون بدورهم بإعادة بيعها بأسعار أعلى في السوق.

ويضيفون القول أن غياب الرقابة الفعلية سمح للبعض بالاستحواذ على أعداد كبيرة من أسطوانات الغاز، ما حرم العديد من العائلات من حصصها، خاصة في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية.

ويشير مواطنون آخرون إلى أن توزيع الغاز يجري في بعض الأحيان دون اعتماد البطاقات المخصصة، الأمر الذي فتح الباب أمام التلاعب بالكميات وخلق سوق موازية، ما زاد من معاناة المواطنين وأطال أمد الأزمة.

ويبيّنون أن هذه الممارسات أدت إلى تصاعد الازدحامات اليومية أمام نقاط البيع، مطالبين بتشديد الإجراءات الرقابية ومحاسبة المتلاعبين لضمان وصول الغاز إلى مستحقيه بالسعر الرسمي.

 

الوضع تحت السيطرة!

إلى ذلك، تؤكد الجهات الرسمية أن الوضع "تحت السيطرة"، مرجحة أسباب التراجع إلى انخفاض الإنتاج المحلي وتأثيرات اضطرابات إقليمية على الإمدادات، مع الإشارة إلى العمل على تعزيز الاستيراد وتنظيم التوزيع.

إلا أن هذه الطمأنة لم تنعكس على أرض الواقع حتى الآن، في ظل استمرار الطوابير وتصاعد الاحتجاجات. وبين إنكار رسمي ومؤشرات ميدانية متفاقمة، تتحول أزمة الغاز إلى اختبار جديد لقدرة الحكومة على إدارة الأزمات الخدمية. ومع دخول الشارع على خط الاحتجاج أحيانا، تبدو الحاجة ملحة لحلول سريعة وفعالة.