في بداية كل شهر، تبدو معادلة العيش واضحة بالنسبة للعائلة العراقية، راتب ثابت يقابله إنفاق متزايد. لكن مع مرور الأيام، سرعان ما تختل هذه المعادلة، لتتحول إلى سباق غير متكافئ بين دخل محدود وأسعار لا تعرف الثبات، حيث يجد كثير من الأسر أنفسهم أمام خيار واحد: التنازل المستمر عن جزء من احتياجاتهم.
تغيّر جذري في سلوك الإنفاق
هذا التحول لم يعد مجرد انطباع عام، بل يصفه الباحث الاقتصادي أحمد عيد تغييرا جذريا في سلوك الإنفاق، إذ يقول إن "تآكل القوة الشرائية للراتب الشهري دفع العائلة العراقية إلى تغيير سلوكها في الإنفاق بشكل جذري، فالتركيز أصبح على الضروريات فقط بعد تراجع القدرة على تغطية احتياجات الشهر".
ومع هذا التراجع، لم تعد الأولويات كما كانت، حيث يشير عيد لـ"طريق الشعب"، إلى أن "الأسر اتجهت إلى تقليل الكماليات، تخفيض كميات الغذاء، وشراء السلع الأرخص، مع تأجيل العديد من النفقات الأساسية"، في محاولة واضحة للتكيّف مع محدودية الدخل.
في المقابل، يستمر السوق في التحرك بوتيرة مختلفة، إذ يوضح أن "ارتفاع الأسعار وثبات الأجور وضعف الرقابة على الأسواق أسهمت في تعميق فجوة الدخل والإنفاق"، لافتاً إلى أن الراتب الشهري "لم يعد يغطي سوى أيام قليلة"، في ظل غياب إجراءات فعّالة لضبط السوق ومنع الاستغلال.
هذا الواقع دفع كثيراً من العائلات إلى الاعتماد على حلول مؤقتة، لكنها تحمل مخاطر طويلة الأمد، حيث يؤكد عيد أن "الديون الصغيرة والشراء الآجل تحول إلى جزء من الاقتصاد اليومي للعائلة العراقية، من ديون الدكاكين إلى الأقساط والقروض الصغيرة"، ما خلق حالة من الهشاشة الاجتماعية التي قد تتفاقم مع أي تعثر مالي.
وبشأن الحلول، يشدد على أن تخفيف العبء يتطلب "سياسات عاجلة تشمل ضبط أسعار السلع الأساسية، وتفعيل الرقابة على الأسواق، وإعادة النظر بسلم الرواتب بما ينسجم مع مستوى الأسعار"، إلى جانب "توسيع شبكات الحماية الاجتماعية وتوفير فرص عمل منتجة تضمن دخلاً مستقراً".
القوة الشرائية تنهار تدريجياً
من جانبه، قال رئيس المركز العراقي لحقوق الإنسان، علي العبادي، أن المشهد الاقتصادي الحالي يشهد فجوة متزايدة وخطيرة بين مستويات الرواتب الثابتة والتكاليف المعيشية المتصاعدة، معتبراً أن الحروب والتوترات التي تشهدها المنطقة تمثل المحرك الأساسي لهذا التراجع في القوة الشرائية، نظراً لارتباط عمليات البيع والشراء داخلياً بسعر صرف الدولار الذي يخضع بدوره للسياسات الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة، ما يؤشر غيابا للسيادة الحقيقية للاقتصاد العراقي وتأثره المباشر بالهزات الخارجية.
وشدد العبادي خلال حديثه لـ"طريق الشعب"، على أن هذا الواقع يضع الدولة أمام مسؤولياتها القانونية، حيث يلزم الدستور العراقي في بابه الثاني المتعلق بالحقوق والحريات، الجهات المعنية بتوفير البيئة المناسبة لضمان دخل كريم للمواطن، فضلاً عن الالتزامات الأخلاقية التي يفرضها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته الخامسة والعشرين، والتي توجب على الدول الأعضاء، ومن بينها العراق، تأمين متطلبات العيش الأساسية من غذاء ودواء ومسكن لجميع أفراد المجتمع دون استثناء.
وفي قراءته للآثار الاجتماعية، أوضح العبادي أن شريحة ذوي الاحتياجات الخاصة والمتقاعدين بشتى صنوفهم، بالإضافة إلى الكسبة، هم الفئات الأكثر تضرراً من غياب الدور الرقابي الذي لم يصل إلى المستوى المطلوب، مشيراً إلى أن الساعات الماضية شهدت قفزات كبيرة في أسعار السلع الغذائية نتيجة التدهور الأمني وضرب بعض المنافذ، وهو ما يعكس ترابطاً وثيقاً بين الاستقرار الأمني والوضع المعيشي اليومي للمواطنين.
واختتم العبادي بالمطالبة بضرورة إطلاق حزمة إجراءات حكومية عاجلة تتزامن مع متابعة دقيقة من أعضاء مجلس النواب ومجالس المحافظات، وتفعيل دور الأجهزة الأمنية المختصة بمكافحة الجريمة الاقتصادية، وذلك لدعم أصحاب الدخل المحدود والرواتب المتدنية وضمان تجاوز الأزمة الحالية بأقل الخسائر الممكنة على المستوى المعيشي.
الفئات الهشة في الواجهة
أما المراقب للشأن الاقتصادي عبد السلام حسن، فيرى ان المواطن الفقير والمعدم والعاطل عن العمل "الخاسر الأول في معادلة العيش".
ويؤكد حسن أن الاعتماد على الأقارب أصبح بالنسبة للكثيرين وسيلة أساسية للبقاء على قيد الحياة، في حين تظل نسب البطالة والفقر عند مستويات مرتفعة تقارب الثلاثين بالمئة.
واشار عبد السلام لـ"طريق الشعب"، إلى التناقض الواضح بين الواقع المعيشي وتصريحات بعض السياسيين، حيث يستمر البعض في إنكار وجود الفقر في العراق.
ويرى أن الرواتب بحاجة إلى تثبيت وتعديل، مشيراً إلى أن بعض المواطنين يتقاضون مبالغ متدنية تتراوح بين 120 و170 ألف دينار فقط، رغم أن الدستور العراقي نص على رفع المستوى المعيشي منذ عام 2005.
ويؤكد أن أي خلل في الرواتب ينعكس مباشرة على استقرار البلد، فغياب الدخل يؤدي إلى توقف الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، ما يضطر المواطنين لدفعها مرتين، مرة للدولة ومرة لأهاليهم، وفق وصفه.
أما بالنسبة لارتفاع الأسعار، فيصف عبد السلام الظاهرة بأنها "استفحال اقتصادي"، حيث تتحمل العبء الأكبر الأسر الفقيرة المستهلكة، دون مراعاة تأثير الحروب والضرائب والرسوم على القدرة الشرائية.
ويقترح الباحث حلولاً عملية لدعم المواطن، مثل تسعير المواد الأساسية السبعة عبر منافذ حكومية مخصصة للفقراء، مع توزيع الحصص شهرياً أو كل شهرين، لتجنب أي خلل في التوزيع والحد من الفساد.
كما يشدد على أهمية دعم القطاع الخاص وتمكين المواطنين من فتح مشاريع صغيرة بأسعار رمزية للإيجار، لتوفير فرص عمل للخريجين وتقليل البطالة.
ويختتم عبد السلام بالقول: "العراق مليء بالخيرات، ولا داعي لأن يكون الفقير ضحية النظام الاقتصادي الحالي، الحلول موجودة، ولكن تحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية لتطبيقها".