اخر الاخبار

كشفت إحصائية حديثة أجرتها شركة "Statista" الألمانية، المتخصصة في بيانات السوق والمستهلكين عالمياً، والتي تعد مرجعاً دولياً موثوقاً في تحليل الاتجاهات الاقتصادية، عن تسجيل ارتفاع طفيف في معدلات البطالة في العراق خلال العام 2025، ما يعكس استمرار الضغوط الهيكلية التي يواجهها سوق العمل العراقي في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة.
ووفقاً للبيانات التي أصدرتها الشركة، فقد صعد معدل البطالة في العراق ليصل إلى 15.49 في المائة خلال عام 2025، مقارنة بنسبة 15.28 في المائة المسجلة في عام 2024. 
ويرى مراقبون أن هذا الارتفاع يعود إلى عدة عوامل متداخلة، أبرزها، تشبع القطاع العام ووصول القدرة الاستيعابية للتوظيف الحكومي إلى مستويات حرجة، ما قلل من قدرة الدولة على امتصاص الخريجين الجدد.
اضافة لضعف القطاع الخاص، والذي مايزال يواجه عقبات تمويلية وتشريعية تمنعه من لعب دور المحرك الأساسي للتشغيل، ناهيك عن النمو السكاني وتزايد أعداد الداخلين الجدد إلى سوق العمل سنوياً بمعدلات عالية.

تصاعد البطالة المستمر

في هذا الجانب، قال الخبير المالي والاقتصادي باسم جميل أنطوان أن البطالة تمثل عبئاً كبيراً على الدولة، ليس فقط من الناحية الاقتصادية

، وكذلك الاجتماعية، مبينًا أن الاعتماد على العمالة الأجنبية بدلًا من تشغيل الأيدي العاملة المحلية بات يزيد من تعقيد الأزمة، وادى الى استنزاف الموارد المالية، بدل توجيهها لدعم الاقتصاد الوطني.
وفي تعليقه على بيانات الشركة بشأن ارتفاع معدلات البطالة، أشار إلى أن هذه التقديرات تستند إلى بيانات رسمية صادرة عن وزارة التخطيط، والتي تعد قريبة من الواقع، وإن كانت تميل أحياناً إلى التحفظ أو الإيجابية. 
وأضاف أنطوان في حديثه مع "طريق الشعب"، أن ارتفاع البطالة، حتى وإن كان طفيفاً، يمثل مؤشراً مقلقاً، في ظل استمرار تخرج ما بين 200 إلى 250 ألف شاب سنويًا دون توفر فرص عمل كافية، ما يفاقم من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
وانتقد المتحدث أداء المبادرات الحكومية، مثل مبادرات ريادة وغيرها، مؤكداً أنها لم تحقق الطموح المطلوب، رغم إسهامها الجزئي في توفير فرص عمل. وشدد على ضرورة أن تكون هذه المبادرات أكثر فاعلية، من خلال توفير برامج تدريب وتأهيل حقيقية، تضمن خلق فرص عمل مستدامة وليست مؤقتة.
كما لفت إلى وجود خلل هيكلي واضح في العلاقة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، موضحًا أن غياب التنسيق بين المؤسسات التعليمية والجهات التخطيطية يؤدي إلى تخريج أعداد لا تتناسب مع الطلب الفعلي في السوق، ما يفاقم من أزمة البطالة.
وأكد أنطوان أن معالجة البطالة لا يمكن أن تتم عبر إجراءات آنية، بل تتطلب خططًا متكاملة قصيرة ومتوسطة وطويلة الأمد، مع التركيز على التدريب المهني وتطوير المهارات، مشيرًا إلى أن وجود أكثر من مليون عامل أجنبي في العراق يعكس خللًا واضحًا في إدارة سوق العمل.
ودعا إلى تفعيل دور القطاع الخاص، إلى جانب النقابات والجمعيات المهنية، للمساهمة في خلق فرص العمل، مشددًا على أن التدريب المهني يمثل حجر الأساس في بناء سوق عمل فعّال، خاصة في المجالات الفنية مثل الميكانيك، والنجارة، والخياطة، والحدادة، وهي تخصصات يعاني السوق من نقص واضح فيها.
وخلص الى التأكيد على أن ضعف مخرجات التعليم المهني والتقني، وعدم تأهيل العمالة المحلية بشكل كافٍ، يمثلان أحد أبرز التحديات التي تعيق معالجة أزمة البطالة في العراق.

مخرجات التعليم وسوق العمل

من جهته، يرى الخبير الاقتصادي صالح الهماشي أن ملف البطالة في العراق لا يزال لم يجد من يعالجه بشكل ناجع وجاد، مؤكدًا أن الحكومات العراقية المتعاقبة لم تضع حتى الآن خطة استراتيجية واضحة للقضاء عليها، بل اكتفت باتباع إجراءات آنية وتكتيكية، تمثلت في التوظيف الحكومي ومحاولات امتصاص جزء من العاطلين عن العمل.
وقال الهماشي لـ"طريق الشعب"، أن البطالة تشهد تزايداً مستمراً، في ظل نمو سكاني متصاعد، حيث يدخل سنوياً أكثر بين 400- 600 الف شاب الى سوق العمل من خريجي الجامعات والمعاهد والمدارس، وهو رقم يفوق قدرة الاقتصاد العراقي على الاستيعاب، كما يتجاوز إمكانيات الحكومة في توفير فرص عمل سنوية بهذا الحجم.
وأشار إلى أن من أبرز أسباب تفاقم الأزمة هو ضعف اهتمام الدولة بالقطاع الخاص، لافتاً إلى أن الدعم الحكومي لا يزال محدودًا وغير فعّال، وغالبًا ما يتعرض للهدر وسوء الإدارة. وضرب مثالاً ببرامج القروض الممنوحة للعاطلين، والتي تصل الى نحو 30 مليون دينار، إلا أن جزءاً كبيراً منها يُهدر دون تحقيق نتائج مستدامة، نتيجة ضعف المتابعة والفساد الإداري.
وبيّن أن الفساد يمثل أحد أبرز المعوقات أمام معالجة البطالة، إلى جانب غياب رؤية اقتصادية واضحة، حيث تركز الحكومة على التعاقد مع شركات كبيرة لا تستوعب أعدادًا كبيرة من العمالة المحلية، وغالبًا ما تعتمد على كوادر فنية أجنبية.
وشدد الهماشي على أن الحل يكمن في دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، كونها الأكثر قدرة على خلق فرص العمل، منتقدًا فشل السياسات الحكومية في بناء قطاع خاص فاعل قادر على تحريك الاقتصاد واستيعاب الأيدي العاملة.
وأضاف أن بعض القطاعات، مثل الاستثمارات السياحية، وفرت فرص عمل، لكنها لم تذهب في معظمها إلى العراقيين، إذ تتركز العمالة في المطاعم والمقاهي والمراكز التجارية بيد عمالة أجنبية، سواء آسيوية أو عربية.
كما لفت إلى أن غياب قاعدة بيانات دقيقة يمثل مشكلة جوهرية، حيث تفتقر الحكومة إلى معلومات رصينة تساعدها في اتخاذ قرارات اقتصادية فعالة أو وضع خطط مدروسة، ما ينعكس سلبًا على معالجة ملف البطالة.
وختم الهماشي بالتحذير من استمرار تفاقم الأزمة، في ظل دخول دفعات جديدة من الخريجين إلى سوق العمل، مقابل تراجع دور القطاع الخاص وركود الأسواق، وإغلاق عدد من المحال والشركات، مؤكدًا أن الحكومة تكتفي في المقابل بتوسيع برامج الرعاية الاجتماعية، دون معالجة جذرية لأسباب البطالة.

"مدن تعج بالخريجين"

في سياق متصل، قال الخبير الاقتصادي دريد العنزي أن كثيرا من القرى هجرها قاطنوها بسبب التصحر ونقص المياه، ما دفعهم للاتجاه إلى المدن القريبة، خاصة بغداد، بحثًا عن فرص عمل التي بالأساس لا تكفي لسكان المدينة نفسهم".
وأضاف العنزي "إذا أردنا معرفة حجم البطالة الحقيقي، يكفي أن ننظر إلى الأسواق الرئيسية والمناطق المحيطة، حيث تعج بالمتخرجين بلا وظائف والتي يعود سببها إلى هشاشة الاقتصاد، غياب المشاريع والمصانع، والانفجار السكاني السنوي الذي يضخ أكثر من مليون شخص إلى سوق العمل بلا قدرة استيعاب".