في وقت تتصاعد فيه الأزمة الاقتصادية وتتعمق تداعيات التوترات الإقليمية، يجد آلاف العمال في المعامل والشركات أنفسهم مطرودين من أعمالهم، بعد قرارات متسارعة قضت بتقليص الخطط الإنتاجية وتقليل اليد العاملة، في مشهد يعكس هشاشة السياسة الاقتصادية، وغياب الحماية الحقيقية للطبقة العاملة التي تدفع ثمن الحروب والصراعات وسوء الإدارة الحكومية.
وباتت قرارات تسريح أعداد من العمال تتكرر في أكثر من معمل وشركة تابعة للقطاع الخاص، حيث تتحجج الإدارات بارتفاع تكاليف التشغيل وتقليص الحصص الوقودية وتراجع الإنتاج، بينما يواجه العمال مصيراً قاسياً يتمثل في البطالة والفقر، دون أي ضمانات قانونية أو تعويضات عن بعض من حقوقهم.
الحرب تضرب القطاع الصناعي
لم تكن تداعيات الحرب الأمريكية ضد إيران مجرد أخبار سياسية عابرة، بل تحولت إلى ضغط اقتصادي مباشر على البلاد، خاصة على القطاع الصناعي الذي يعتمد على الوقود والطاقة في تشغيل معامل الإنتاج. ومع تراجع الإمدادات وتقليص الحصص الوقودية، بدأت المعامل تخفض إنتاجها وتقلص عدد عمالها، في وقت تقف فيه الجهات الحكومية عاجزة عن وضع حلول حقيقية تحمي الصناعة الوطنية، وهو ما يراه العمال نتيجة مباشرة لسياسات اقتصادية ضعيفة، فشلت في تحصين الصناعة العراقية من الأزمات الخارجية، ما جعل القطاع الإنتاجي أول المتضررين من أي توتر إقليمي.
تقليص الحصص الوقودية
يقول العامل علي كريم، الذي يعمل في أحد معامل الصناعات الغذائية الخاصة "إدارة المعمل أوضحت أن الوقود لم يعد يصل بالكميات المتفق عليها بعد الأزمة الأخيرة، وأن هناك تراجعاً بالطلب على المواد المنتجة وبذلك باتوا غير قادرين على تشغيل المعمل بالكامل. خلال أيام قليلة تم إيقاف بعض خطوط الانتاج وتسريح عدد كبير من العمال". ويضيف "نحن ضحايا قرارات لا علاقة لنا بها، الحرب والسياسات الاقتصادية أثرت على المعامل، لكن من يدفع الثمن هو العامل البسيط".
تسريح جماعي للعمال
العامل حيدر جاسم، الذي كان يعمل في شركة للمنتجات البلاستيكية تابعة للقطاع الخاص، يؤكد هو الآخر أن التسريح جاء من دون أي مراعاة لظروف العمال، فيقول "تم استدعاؤنا إلى الإدارة وأبلغونا أن الشركة ستقلص الإنتاج بسبب توقف استيراد المواد الاولية، خلال دقائق انتهى كل شيء، وأصبحنا عاطلين عن العمل". ويشير إلى أن أرباب العمل لجأوا إلى الحل الأسهل وهو الاستغناء عن العمال بدلا من البحث عن بدائل أو المطالبة بدعم حكومي، ما يعكس ضعف القوانين التي تحمي الأيدي العاملة.
أول ضحايا الأزمة عمال بلا عقود
العامل سعد محمود يوضح أن المشكلة الأكبر تكمن في غياب العقود الرسمية: "نحن نعمل منذ سنوات في شركات القطاع الخاص، لكن أغلبنا بلا عقود عمل، عند أول أزمة يتم الاستغناء عنا"، ويضيف أن العمال يشعرون بأنهم الحلقة الأضعف في المعادلة الاقتصادية، حيث تتحمل الطبقة العاملة وحدها نتائج الأزمات السياسية والاقتصادية.
فقدان مصدر الدخل يهدد الأسر بالفقر
العامل محمد عبد الله، وهو أب لثلاثة أطفال، يقول لـ "طريق الشعب": "طردت من عملي في نهاية شهر رمضان، والآن لا أستطيع توفير إيجار البيت أو مصاريف أطفالي. الحرب والأزمة الاقتصادية جعلتنا نعيش في خوف مستمر". ويضيف أن "عددا من العمال اضطروا إلى الاقتراض أو العمل في مهن شاقة بأجور زهيدة، فيما يفكر آخرون في ترك البلاد بحثا عن لقمة العيش".
غياب الدعم الحكومي يعمّق الأزمة
خبراء اقتصاديون يرون أن الحكومة تتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية بسبب ضعف الدعم للقطاع الصناعي وتقليص الحصص الوقودية للمصانع، إضافة إلى غياب الرقابة على قرارات التسريح الجماعي. ويؤكدون أن استمرار هذا النهج سيؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة وتفاقم الفقر، ما ينذر بأزمة اجتماعية خطيرة في حال لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة.
تأمين الوقود وحماية الأيدي العاملة
ويطالب العمال اليوم بتدخل حكومي فوري لتأمين الحصص الوقودية للمعامل والشركات، وفرض قوانين صارمة تمنع التسريح التعسفي، وتوفير تعويضات عادلة للمتضررين. ويقول العامل عباس جابر لـ "طريق الشعب" (نريد فقط أن نعمل ونعيش بكرامة. المطلوب من الحكومة أن تحمي المعامل والعمال، لا أن تتركنا نواجه البطالة وحدنا).
الطبقة العاملة تدفع الثمن
في ظل استمرار الحرب والتوترات الإقليمية وتراجع الدعم الحكومي، تبقى الطبقة العاملة الضحية الأولى لسياسات اقتصادية غير قادرة على حماية الإنتاج الوطني أو توفير الأمن الوظيفي للعمال.
وبين تقليص الوقود وتعثر الاستيراد الخارجي وتسريح اليد العاملة وتراجع الصناعة، يتسع شبح البطالة، وتزداد معاناة الأسر التي تعتمد على العمل اليومي في تأمين لقمة العيش. ولهذا، يحذر مراقبون من أن استمرار هذا الواقع سيؤدي إلى تعميق الفجوة الاجتماعية وزيادة الاحتقان الشعبي، مؤكدين أن حماية العمال ودعم الصناعة الوطنية لم تعد خيارا، بل ضرورة ملحة للحفاظ على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في البلاد.