اخر الاخبار

لا تبدو الأزمات في العراق حلقات منفصلة يمكن التعامل مع كل واحدة منها على حدة، بل هي عناصر مرتبطة ببعضها سياسيا واقتصاديا وامنيا ومعيشيا وبيئيا.

وفي كل مرة يظن فيها العراقيون أن أزمة تردي خدمة أو قطاع ما، أو موجة غلاء أو نقص سلعة أساسية، قد انتهت، تظهر أزمة جديدة تعيد تثبيت حقيقة باتت راسخة، مفادها أن الأزمات لا تأتي فرادى على هذا الشعب!

في الأسابيع الأخيرة، عادت الأسواق إلى واجهة المشهد، مع ارتفاع حاد في أسعار المواد الغذائية، لا سيما الخضراوات والفواكه وصولا إلى المواد الأساسية، وسط تزايد المخاوف من اتساع رقعة الغلاء لتشمل مجمل الغذاء والطاقة والدخل. في حين يتصاعد القلق مما إذا كانت الحكومة قادرة على تأمين الرواتب للشهور المقبلة، بسبب العجز الاقتصادي ونقص السيولة. 

يأتي ذلك في وقت تتزامن فيه أزمات غاز الطبخ والرواتب والاستيراد، مع اضطرابات سياسية وأمنية في ظل الحرب الإقليمية وارتداداتها.

ولا تقف هذه الموجة عند حدود تداعيات الحرب. إذ تتكئ على واقع مثقل بأزمات مزمنة لم تُحلّ منذ سنوات، طالت قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والخدمات الأساسية، إلى جانب تفاقم الفقر والبطالة واتساع رقعة التلوث البيئي، فضلا عن ضعف القطاعات الانتاجية. هذا التراكم البنيوي جعل المجتمع أكثر هشاشة، بحيث تتحول أي أزمة طارئة إلى عامل مضاعِف لمعاناة قائمة أصلا، لا إلى ظرف عابر يمكن احتواؤه.

وفوق هذا التعقيد، تمضي الحكومة في معالجة اختلالاتها المالية عبر تعظيم الإيرادات غير النفطية، من خلال التوسع في فرض الضرائب والرسوم، ورفع التعرفة الكمركية، في محاولة لسد العجز. غير أن هذا المسار يُواجَه بانتقادات متصاعدة، كونه يحمّل المواطن كلفة أزمات لم يكن طرفا في صنعها، ويعمّق الضغوط المعيشية في وقت تتآكل فيه القدرة الشرائية وتتسع فجوة الدخل.

هل ستقترض الحكومة لتأمين الرواتب؟!

يحذّر الخبير المالي محمود داغر، من تداعيات تراجع الإيرادات النفطية في العراق، معتبراً أن اقتصاد البلاد بات أقرب إلى "اقتصاد رواتب"، ما يضع المالية العامة أمام ضغوط متزايدة قد تدفع الحكومة إلى الاقتراض لتأمين النفقات الأساسية.

ويقول في حديث صحفي أن "الاقتصاد العراقي اليوم قائم بشكل رئيس على تمويل الرواتب والنفقات التشغيلية، ما يجعله اقتصادا استهلاكيا أكثر من كونه منتجا"، مشيراً إلى أن هذا النمط يعكس "خللاً هيكلياً عميقاً".

ويضيف داغر القول أن إيرادات صادرات النفط لشهر آذار، البالغة نحو ملياري دولار، "لا تكفي لتغطية بند الرواتب"، في ظل حاجة تُقدّر بنحو 8 تريليونات دينار، ما يخلق فجوة مالية تدفع الحكومة إلى "اللجوء للاقتراض أو الإصدار النقدي".

ويوضح أن الحكومة تعتمد على الاقتراض الداخلي خلال فترات تراجع أو توقف الصادرات، محذراً من أن استمرار هذا النهج "قد يؤدي إلى ضغوط تضخمية وتآكل الاستقرار النقدي".

ويلفت إلى أن الاعتماد شبه الكلي على النفط يجعل المالية العامة عرضة للصدمات، سواء من تقلب الأسعار أم تعطل الصادرات، ما يهدد قدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها، خصوصاً رواتب الموظفين.

موجة الغلاء

وتشهد الأسواق المحلية ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار الخضراوات والفواكه، لا سيما المستوردة منها، وهو ما انعكس مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين، الذين وجدوا أنفسهم أمام أسعار تتغير بوتيرة سريعة.

يقول أحمد علي، وهو صاحب محل خضراوات في بغداد، أن الارتفاع شمل أغلب أنواع الخضار، سواء المستوردة أم المحلية، مبيناً أن أسعار الطماطم وصلت إلى نحو ثلاثة آلاف دينار للكيلوغرام بعد أن كانت تتراوح بين 750 وألف دينار.

ويضيف في حديث صحفي قائلا أن الارتفاع لم يقتصر على الطماطم، بل شمل أيضاً البصل الذي بلغ نحو ألف دينار للكيلوغرام بعد أن كان لا يتجاوز 250 ديناراً، إلى جانب الخيار والباذنجان، فيما وصلت أسعار البامية إلى نحو 10 آلاف دينار للكيلوغرام.

اقتصاد مضطرب

وبعيداً عن السوق الزراعي، يرى خبراء اقتصاد أن ما يجري أعمق من مجرد نقص موسمي في الخضار، بل يرتبط باضطرابات هيكلية في الاقتصاد.

وعن ذلك يقول الخبير الاقتصادي ضياء المحسن، ان "موجة الغلاء الحالية ليست صدفة عابرة، بل نتاج ترابط بين عوامل جيوسياسية ونقدية وسياسية داخلية"، مضيفا في حديث صحفي أن "أزمة مضيق هرمز وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين أجبر التجار على استخدام منافذ بديلة عبر الأردن وتركيا، وهي أعلى كلفة".

ويلفت إلى أن "تذبذب سعر الصرف في السوق الموازية يضغط على أسعار السلع المستوردة التي تشكل النسبة الأكبر من الاستهلاك المحلي".

ويربط المحسن بين الأزمة الاقتصادية والأزمة السياسية، قائلاً ان "تأخر تشكيل الحكومة يعطل الموازنة العامة ويحد من قدرة الدولة على تنفيذ استيراد مباشر أو ضبط الأسواق، ما يفتح المجال للمضاربات وارتفاع الأسعار".

هذا وترجع وزارة الزراعة جزءاً كبيراً من هذا الارتفاع في أسعار الفاكهة والخضار، إلى عوامل إنتاجية ومناخية وتجارية، مرتبطة بدورة الزراعة الداخلية واعتماد السوق على الاستيراد.

غاز الطبخ يؤرق المواطنين

لا تتوقف الأزمة العراقية الحالية عند الغذاء، بل تظهر جلياً في غاز الطبخ. إذ يشير الواقع الميداني إلى حالات ازدحام شديد أمام محطات التعبئة، فضلا عن وقوف طوابير من المواطنين في الشوارع منتظرين تسلم حصص من الغاز وفق إجراءات روتينية مُتعبة.

وحسب الباحث في الشأن الاقتصادي أحمد عيد، فإن هذه الأزمة تنبع من "هشاشة منظومة توزيع الوقود السائل والغازي في العراق، والتي تعتمد جزئياً على الاستيراد والتوازن الدقيق بين الإنتاج المحلي والطلب المتزايد".

ويشير في حديث صحفي إلى أن "اضطراب طرق النقل وارتفاع تكاليف الشحن، إلى جانب الضغوط على قطاع الطاقة بشكل عام، كل ذلك ساهم في تفاقم الأزمة، ما انعكس مباشرة على معيشة المواطنين".

أزمة السيادة

منذ نشوب الحرب الإقليمية في 28 شباط الماضي، تصاعدت الهجمات داخل عدد من مدن البلاد، ما أعاد طرح ملف السيادة إلى الواجهة، وسط تساؤلات بشأن قدرة الدولة على ضبط السلاح خارج مؤسساتها الرسمية.

وأدت تلك الهجمات إلى ألحاق أضرار كبيرة بممتلكات رسمية وشعبية، فضلا عن وقوع ضحايا بين المواطنين، تُقابلها هجمات أخرى من الجانب الأمريكي ألحقت بالبلاد أضرارا مماثلة.

هذا المشهد يؤشر غيابا واضحا لضمان أمن المواطن، ويدلل على أن الدولة عاجزة عن فرض سيادتها، وهو ما يشكّل أزمة أمنية عميقة – وفقا لمراقبين.