لم تعد أزمة نهر ديالى مجرد مشكلة بيئية عابرة بل تحولت إلى دليل واضح على خلل عميق في إدارة الموارد المائية، خاصة مع تداخل عوامل التغير المناخي وسوء التخطيط وتراكم التجاوزات. وبين موجات جفاف متكررة وارتفاع مفاجئ في الإطلاقات المائية بعد الأمطار، برزت أزمة تلوث حادة كشفت هشاشة البنى التحتية وضعف الرقابة، لتضع الزراعة والثروة السمكية وصحة السكان أمام تحديات متصاعدة، في ظل غياب حلول مستدامة قادرة على احتواء الأزمة ومنع تكرارها.
مجرى لتصريف المياه الثقيلة!!
يقول صالح المصرفي، مراقب للشأن المحلي من محافظة ديالى، إن ارتفاع الإطلاقات المائية بعد تساقط الأمطار أدى إلى زيادة منسوب النهر بشكل مفاجئ، في وقت لم تكن فيه الجهات المعنية مستعدة للتعامل مع هذا التحول.
ويضيف المصرفي في حديث لـ"طريق الشعب" أن نهر ديالى، الذي عانى سابقاً من الجفاف حتى بات أقرب إلى مجرى لتصريف المياه الثقيلة، لم يحتمل هذا التغير السريع، خاصة مع استمرار التجاوزات عليه.
ويشير إلى أن هذه التجاوزات لم تقتصر على الاستخدام غير المنظم للمياه، بل شملت تحويل مياه المجاري إلى مجرى النهر، فضلاً عن طرح مخلفات بعض المؤسسات، بما فيها الصحية، الأمر الذي أدى إلى تدهور نوعية المياه بشكل خطير.
هذا التلوث، بحسب حديثه، انعكس بشكل مباشر على البيئة المحيطة، حيث تضررت البساتين والمزارع، إضافة إلى نفوق أعداد كبيرة من الأسماك في الأقفاص النهرية، نتيجة تراكم المواد السامة.
ولم تتوقف التداعيات عند حدود ديالى، إذ ينبه إلى أن استمرار تدفق هذه المياه الملوثة نحو نهر دجلة تسبب بتوسيع دائرة التأثير، ما يهدد مصادر المياه في مناطق أخرى.
كما أن تلوث المياه جعل استخدامها للأغراض الزراعية أمراً محفوفاً بالمخاطر، في ظل غياب إجراءات رقابية حقيقية.
ويرى أن ما حدث يكشف عن غياب واضح للتخطيط المسبق، وعدم وجود خلية أزمة قادرة على التعامل مع الطوارئ البيئية، محملاً المسؤولية لعدد من الجهات المعنية، من بينها وزارات الموارد المائية والزراعة والبيئة والصحة، التي لم تتخذ إجراءات استباقية للحد من الأضرار أو إدارة الفيضانات بشكل فعال.
وفي ظل هذه الظروف، يلفت إلى أن القطاع الزراعي في ديالى تلقى ضربة جديدة، إذ تراجعت القدرة الإنتاجية للمزارعين، ما قد يؤدي إلى انخفاض المعروض من المحاصيل والخضروات والفواكه، وزيادة الاعتماد على الاستيراد. ويشدد على أن المرحلة المقبلة تتطلب وضع خطة مائية واضحة لموسم الصيف، تضمن إدارة الموارد بشكل أفضل، وتقلل من آثار التغيرات المناخية، إلى جانب دعم الفلاحين وتعويضهم عن الخسائر التي لحقت بهم. كما يؤكد أهمية تحرك الحكومة على المستوى الدولي لضمان حصة العراق المائية، خاصة من دول المنبع، مشيراً إلى أن الأمطار تبقى عاملاً غير مضمون، في حين أن الحقوق المائية تستند إلى اتفاقيات دولية يجب العمل على تفعيلها.
اجراءات "البيئة" و"الموارد المائية"
وبعد أسبوع من أزمة بيئية حادة أدت إلى قطع المياه عن مناطق جنوب شرق بغداد، أعلنت وزارة البيئة عن إجراءات وصفتها بـ"العاجلة" لمعالجة تلوث نهر ديالى، في محاولة لاحتواء تداعيات واحدة من أبرز أزمات التلوث المائي في البلاد.
وذكرت الوزارة في بيان صدر في 8 آذار، أن وزير البيئة ههلو العسكري ترأس اجتماع هيئة الرأي لمتابعة أزمة المياه، بحضور عدد من القيادات الإدارية والفنية، حيث جرى استعراض مستويات التلوث في نهر ديالى والآثار البيئية الناجمة عنه، إلى جانب التحديات التي تواجه جهود المعالجة.
وخلال الاجتماع، عرضت بيانات فنية تشير إلى ارتفاع نسب الملوثات وتأثيرها على المناطق المحيطة بالنهر، فيما شدد الوزير على ضرورة تعزيز التنسيق مع الجهات المعنية، لا سيما وزارة الموارد المائية وأمانة بغداد ومحافظة بغداد، للوصول إلى حلول سريعة تسهم في تقليل نسب التلوث والحفاظ على الواقع البيئي.
في المقابل، أصدرت وزارة الموارد المائية، في اليوم التالي، توضيحاً بشأن ما يُتداول حول أسباب تلوث نهر ديالى، مؤكدة أن المشكلة لا ترتبط بالإطلاقات المائية، بل تعود بشكل رئيسي إلى استمرار تصريف مياه المجاري والنفايات غير المعالجة إلى مجرى النهر. وأوضحت الوزارة أن بعض المقاطع النهرية، خاصة في نهر ديالى، تتعرض لمصادر تلوث مباشرة، أبرزها محطات المجاري الرئيسية، مشيرة إلى أن هذه العوامل تمثل السبب الأساسي في تدهور نوعية المياه.
الحل يبدأ بتفعيل الرقابة البيئية
وأضافت أن زيادة الإطلاقات المائية من سد حمرين ونهر دجلة جاءت ضمن إجراءات مدروسة تهدف إلى تحسين جودة المياه وتقليل تركيز الملوثات، عبر تعزيز التدفق ورفع نسب الخلط بمياه أفضل نوعية، الأمر الذي ساهم، بحسب البيان، في تسجيل تحسن أولي في المؤشرات البيئية.
ورغم هذه الإجراءات، أقرت الوزارة بأن الحل الجذري للأزمة لا يمكن تحقيقه دون إيقاف مصادر التلوث بشكل كامل، ومعالجة المياه قبل تصريفها إلى الأنهار وفق معايير صحية معتمدة، مؤكدة أهمية تفعيل الرقابة البيئية والتوسع في إنشاء وتشغيل محطات المعالجة.
مزيج معقد من الملوثات
من جانبها، قالت مديرة الدائرة الفنية في وزارة البيئة، د. نجلة الوائلي، أن "النهر فقد خلال السنوات الأخيرة جزءا كبيرا من قدرته الطبيعية على التخفيف الذاتي"، وعزت الأسباب الى انخفاض الإطلاقات المائية بفعل خمسة مواسم جفاف متتالية، الأمر الذي أدى إلى تراكم الملوّثات وتحول النهر إلى بؤرة رئيسة لها.
واشارت الوائلي في حديث لـ"طريق الشعب"، الى ان "الزيادة الحاصلة في الإطلاقات المائية من بحيرة سدة حمرين بسبب الأمطار الأخيرة، أسهمت في دفع كميات كبيرة من الملوثات المتراكمة في مجرى نهر ديالى نحو دجلة، ما أدى إلى تسريع انتقال موجة التلوث إلى مناطق أوسع".
وأضافت الوائلي أن نتائج المراقبة البيئية كشفت عن وجود مزيج معقد من الملوثات، شمل معادن ثقيلة ومركبات عضوية، إلى جانب ملوثات بيولوجية كالبكتيريا والميكروبات الناتجة عن مياه الصرف الصحي، ما يعكس تعدد مصادر التلوث وتشابك تأثيراته. وأشارت إلى أن انخفاض مناسيب المياه ساهم في زيادة تركيز هذه الملوثات، بسبب ضعف قدرة النهر على التخفيف والتشتت، ما أدى إلى تفاقم الأضرار البيئية والصحية، خاصة في المناطق ذات الكثافة السكانية. وبالحديث عن نفوق الأسباب، أكد انه لا علاقة له "بالتلوث فقط، بل يتداخل مع عوامل أخرى، منها انخفاض مستويات الأوكسجين المذاب نتيجة تحلل المواد العضوية، إضافة إلى انتشار الطحالب الضارة التي تستهلك الأوكسجين وتؤدي إلى اختناق الكائنات الحية".
واشارت الوائلي الى إعداد خطة عمل متكاملة لمعالجة تلوث نهر ديالى، تتضمن إجراءات عاجلة تمتد لثلاثة أشهر، في مقدمتها إيقاف مصادر التلوث المباشر ومنع الطرح العشوائي للنفايات، إلى جانب إجراءات متوسطة تمتد حتى عام، وأخرى طويلة الأمد تصل إلى خمسة أعوام، تركز على إنشاء بنى تحتية مستدامة لمعالجة المياه وتحسين إدارتها.
مصدر قلق يومي
ويقول المزارع أحمد سعدي، يعمل في توفير مستلزمات الزراعة في المحافظة، إن تلوث نهر بات اليوم من أخطر التحديات التي تواجه الفلاحين، إذ لم يعد النهر مصدراً آمنا للري كما كان في ، بل تحول إلى مصدر قلق يومي يهدد الأرض والمحصول.
ويضيف سعدي لـ"طريق الشعب"، أن انخفاض مناسيب المياه، نتيجة التغير المناخي وسياسات دول الجوار، فاقم من خطورة التلوث، موضحاً أنه في السابق كانت الإطلاقات المائية القوية لنهر دجلة تسهم في تخفيف تركيز الملوثات، أما اليوم، ومع تراجع هذه الإطلاقات، فإن أية ملوثات تصب في نهر ديالى تصبح أكثر تركيزاً وتأثيراً، لأن النهر فقد جزءاً كبيراً من قدرته على التنظيف الذاتي.
ويشير إلى أن انتشار معامل الإسمنت والورش الصناعية، فضلا عن بعض المستشفيات القريبة من ضفاف النهر، يقابله تصريف مباشر للمخلفات الكيميائية والطبية دون معالجة، الأمر الذي يزيد من تلوث المياه، في ظل غياب واضح للرقابة وضعف تطبيق القوانين البيئية، حيث إن الغرامات المفروضة لا تشكل رادعاً حقيقياً لهذه الجهات.
ويتابع أن الفلاحين يعتمدون بشكل أساسي على مياه نهر ديالى في ري أراضيهم، ما أدى إلى تدهور نوعية التربة وتراجع إنتاجية المحاصيل، فضلاً عن ظهور مؤشرات سلبية على جودة المزروعات، الأمر الذي ينعكس بدوره على السوق وصحة المستهلك.
ويجد سعدي أن حالات نفوق الأسماك التي شهدها النهر تعكس حجم التلوث المتفاقم، إذ إن ارتفاع نسب السموم في المياه وتصريف الملوثات بشكل مستمر أدى لخسائر واضحة في الثروة السمكية، وهو ما أثر على مصادر رزق الكثير من العوائل التي تعتاش على صيد السمك.
ويختتم بالقول إن "استمرار تلوث نهر ديالى بهذا الشكل، من دون حلول حقيقية أو إجراءات رادعة، سيعزلنا عن ممارسة مهن أساسية في العراق، وينذر بتفاقم الأزمة البيئية والزراعية في المحافظة، ويضع مستقبلنا أمام تحديات غير مسبوقة".