اخر الاخبار

لم تعد العشوائيات مجرد تجمعات سكنية مؤقتة، بل تحولت إلى واقع حضري دائم، أنتج أجيالا متعاقبة نشأت خارج إطار التخطيط الرسمي والخدمات الأساسية، ما يطرح تساؤلات جدية حول قدرة المدينة على استيعاب هذا الامتداد غير المنظم.

ويقترب عدد التجمعات العشوائية في العراق من 4 الاف تجمع، ويشير تقرير وزارة التخطيط إلى أن نسبة السكان في هذه المناطق تصل إلى نحو 5 في المائة من إجمالي تعداد السكان، أي ما يعادل نحو 9 ملايين و223 ألف نسمة. وتتصدر العاصمة بغداد قائمة المحافظات من حيث عدد العشوائيات، حيث سجلت 1022 مجمعاً عشوائياً حتى عام 2017.

خطوات اعادة الدمج

في هذا السياق، تقول المعمارية هدى سعد أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بغياب السكن المنظم، بل بطبيعة التكوين العمراني لهذه المناطق، موضحة أن "العشوائيات تبنى غالبا دون أي اعتبارات تصميمية، سواء من حيث عرض الشوارع، أو التهوية، أو الإضاءة الطبيعية، أو حتى اتجاهات البناء، ما ينتج بيئة سكنية مكتظة تفتقر لأبسط مقومات الراحة والسلامة".

وتضيف سعد في حديث لـ"طريق الشعب"، أن غياب التخطيط يظهر بوضوح في البنية الفراغية، حيث "تتشابك الكتل البنائية بشكل عشوائي، وتضيق الممرات إلى حد يمنع دخول مركبات الطوارئ أو خدمات الصيانة، و انعدام المساحات العامة مثل الحدائق أو الساحات، وهي عناصر أساسية في أي تصميم حضري متوازن".

وتوضح سعد أن هذه العشوائية لا تؤثر فقط على الشكل، بل على وظائف المدينة نفسها، مبينة أن "عدم الفصل بين الاستخدامات السكنية و التجارية والخدمية يخلق ضغطا إضافيا على البنية التحتية المحدودة أصلاً، ويؤدي إلى تدهور نوعية الحياة داخل هذه المناطق".

أما على مستوى المواد والإنشاء، فتشير إلى أن "الكثير من المباني تشيد بمواد غير ملائمة أو بطرق غير هندسية، ما يجعلها عرضة للتدهور السريع أو المخاطر الإنشائية، خاصة مع غياب الرقابة الفنية".

وبشأن المعالجات، تؤكد أن الحل لا يكمن في الإزالة الشاملة، بل في تدخلات معمارية تدريجية، موضحة أن "إعادة التأهيل يجب أن تبدأ بإعادة تنظيم النسيج العمراني، من خلال فتح محاور حركة وتوسيع الممرات، وتحسين البنية التحتية، مع إدخال عناصر تصميمية تضمن التهوية والإضاءة".

وتضيف أن "الدمج الحضري يتطلب أيضا تصميم وحدات سكنية مرنة وقابلة للتطوير، تراعي الواقع الاقتصادي للسكان، بدلاً من فرض نماذج جاهزة لا تنسجم مع طبيعة استخدامهم للمسكن".

وتختم سعد بالقول إن "التعامل مع العشوائيات كحالة معمارية يتطلب رؤية تتجاوز الهدم والبناء، نحو فهم كيفية إعادة تشكيل الفضاء بما يحفظ استقرار السكان، ويعيد إدماج هذه المناطق ضمن المدينة بشكل وظيفي وإنساني".

عقاب جماعي للفقراء

فيما يرى مصطفى البياتي، ناشط حقوقي، أن "ما يحدث في العشوائيات هو جريمة حقوقية مكتملة الأركان بحق الجيل الثالث"، مؤكداً أن نشوء آلاف المواطنين خارج خارطة الخدمات الرسمية يمثل "إعداما مدنياً يجردهم من حقهم الدستوري في المواطنة والكرامة".

ويقول البياتي في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن الدولة تتبنى سياسة "التغافل العقابي"، حيث يوضح أن "ترك الأطفال يواجهون التجهيل القسري وصعوبة الحصول على الأوراق الثبوتية هو انتهاك صارخ لاتفاقيات حقوق الطفل الدولية"، لافتا إلى أن هذا التهميش المتعمد "يخلق بيئة طاردة تدفع بالشباب نحو مسارات الانحراف رغماً عنهم".

وينتقد البياتي التلويح المستمر بخيار الإزالة القسرية، معتبرا إياها "نوعاً من العقاب الجماعي للفقراء على فشل السياسات الإسكانية المتعاقبة".

ويعتقد انه "لا يمكن الحديث عن سيادة القانون عبر هدم سقف يؤوي عائلة دون توفير بديل إنساني، فالحق في السكن هو التزام أخلاقي وقانوني يسبق منطق الاستثمار العقاري".

ومن جهة أخرى، يسلط البياتي الضوء على "التمييز المؤسساتي" الذي تعاني منه هذه المناطق، مؤكدا أن "حرمان الجيل الثالث من الخدمات الأساسية بحجة عدم قانونية الأرض هو ممارسة طبقية تكرس الانقسام المجتمعي".

ويخلص إلى أن الحل يبدأ من "الاعتراف بالواقع وتمليك الأراضي لشاغليها ضمن خطة تأهيل شاملة، او منحهم مساكن بديلة تتوفر فيها الخدمات"، محذرا من أن استمرار النظرة الدونية لسكان هذه المناطق "سيؤدي بالنتيجة إلى انفجار اجتماعي لا يمكن احتواؤه أمنياً، لأنَّ الحقوق لا تسقط بالتقادم ولا بالتجاهل".

اغتراب نفسي حاد تجاه الدولة

ويقول د. علي عبد الصمد، مختص في علم الاجتماع ان "العشوائيات تمثل اليوم التحدي السوسيولوجي الأكبر في تاريخ التخطيط الحضري الحديث"، مشدداً في الوقت ذاته على أن "هذه المجتمعات لم تعد مجرد تجمعات سكنية عارضة، بل تحولت إلى بنى اجتماعية متجذرة تمتلك الياتها الخاصة للبقاء بعيداً عن الرعاية الرسمية".

ويوضح عبد الصمد في حديث لـ"طريق الشعب"، أن انقطاع هذا الجيل عن خارطة الخدمات لم يؤد إلى حرمان مادي فحسب، بل "أنتج اغترابا نفسيا حادا تجاه الدولة"، لافتاً إلى أن "الشاب الذي يولد في بيئة لا تعترف بها الخارطة، لن يجد غضاضة في عدم الاعتراف بالقانون الذي يراه أداة للإقصاء لا للحماية".

ويحذر من خطورة "الوصمة المكانية"، معتبرا إياها جدارا نفسيا عازلا يمنع اندماج الاف الشباب في سوق العمل أو النسيج الاجتماعي العام، الأمر الذي يؤدي بالنتيجة إلى حصر طموحات هذا الجيل في إطار الأنشطة غير المهيكلة.

ويرى عبد الصمد أن أي حل لا يضع الأنسنة والاعتراف القانوني في مقدمة أولوياته سيبوء بالفشل، مؤكدا أن "التعامل مع ملف العشوائيات من منظور أمني أو جراحي هو هروب للأمام"، بينما يتطلب الواقع "سياسات احتوائية تعيد صياغة العقد الاجتماعي بين المدينة الرسمية وهوامشها" قبل أن تذوب هوية المركز تماماً تحت وطأة الزحف العشوائي المنظم.