اخر الاخبار

صُدم مربو الأسماك في محافظة واسط الأيام الأخيرة، بنفوق واسع النطاق في الثروة السمكية داخل أقفاص التربية العائمة على ضفاف نهر دجلة.

وتؤكد المعطيات الأولية وشهادات عاملين في هذا القطاع أن الحادثة تعود لتدهور نوعية المياه في النهر نتيجة عوامل متعددة، أبرزها تصريف مياه الصرف الصحي غير المعالجة، وارتفاع معدلات التلوث العضوي والكيميائي القادم عبر نهر ديالى، أحد روافد دجلة. إذ تحمل مياه النهر منذ نحو أسبوع مناسيب كبيرة من تصريفات مجار غير معالجة، امتدت من جنوبي العاصمة مرورا بواسط، ولا تزال تأخذ طريقها نحو الجنوب.

ولم تقتصر تداعيات هذا التلوث على نفوق الأسماك وحسب، بل امتدت لتسبب أزمة مائية لسكان المدن التي تتغذى من دجلة، بعد اضطرار جميع محطات معالجة المياه إلى التوقف عن العمل أياما عدة نتيجة تردي نوعية المياه الخام الواردة إليها، الأمر الذي انعكس مباشرة على تزويد المواطنين بالماء الصالح للاستخدام.

وتتقاطع التصريحات الرسمية حول طبيعة ما جرى، بين أمانة بغداد التي تشير إلى أن زيادة الإطلاقات المائية من بحيرة حمرين التي ينبع منها نهر ديالى، أدت إلى تحرّك الرواسب في النهر في منطقة الرستمية - حيث تقع محطة مجارٍ تصب مخلفاتها فيه دون معالجة -  وبين وزارة الموارد المائية التي تؤكد أن جوهر المشكلة يعود إلى استمرار تصريف مياه المجاري غير المعالجة، معتبرة أن الإطلاقات المائية تهدف أساسا إلى تحسين نوعية المياه وليس العكس. وبين هذا التضارب في التفسيرات، تبقى النتيجة النهائية واحدة. إذ يتحمل المواطن تبعات أزمة تتكرر آثارها البيئية والصحية والخدمية دون حلول جذرية حتى الآن.

وفي ظل اتساع نطاق الأضرار، باشرت الجهات المتخصصة تشكيل لجان تحقيق وتقييم ميداني لحصر الخسائر وتحديد أسباب النفوق، بالتوازي مع مطالبات من العاملين في مجال تربية الأسماك وخبراء البيئة بضرورة معالجة مصادر التلوث بشكل جذري.

كارثة لا توصف

شهدت أقضية الصويرة والعزيزية والنعمانية والكوت، التي تنتشر فيها أعداد كبيرة من أقفاص تربية الاسماك، نفوقا لمئات الأطنان، ما عرّض المربين إلى خسائر فادحة، هذا بالإضافة إلى خسائر الثروة السمكية في النهر.

في حديث صحفي، يصف المدير التنفيذي لمشروع "البركة" لتربية الأسماك في واسط، رسول كريم علي، ما حدث بأنه "مشهد لا يُحتمل".

ويقول: "انها فاجعة تكسر القلب. في صباح كان من المفترض أن يكون كبقية الصباحات، استيقظنا على كارثة لا توصف، رأينا ثروتنا التي بنيناها في سنوات من الجهد والسهر تموت أمام أعيننا"!

ويتابع علي حديثه قائلا: "نحن لم نكن نطلب إلا لقمة العيش، لكن في لحظة، وبسبب إهمال قاتل، تحول كل شيء إلى موت جماعي. مياه ملوثة وراكدة محملة بالسموم تركت دون معالجة في نهر ديالى، ثم فتحت لتنساب إلى دجلة، لتكون النتيجة كارثة تقضي على آلاف الأطنان من الأسماك".

ما أصل الأزمة؟!

إجابة على هذا السؤال، يقول رئيس الجمعية العراقية لمنتجي الأسماك إياد الطالبي، أنه "قبل أيام حدث تسرب مياه آسنة من نهر ديالى إلى نهر دجلة، كانت متراكمة فيه منذ سنوات عدة"، مشيرا إلى أنه بسبب السيول وارتفاع مناسيب المياه في بحيرة حمرين، تسارع سريان الماء في نهر ديالى، وبالتالي تسبب في تحرك الترسبات الموجودة فيه لتأخذ طريقها إلى دجلة.

ويضيف الطالبي في حديث صحفي أن "المياه الملوثة بعد ان انتقلت إلى دجلة، أدت إلى تدمير الأحياء المائية، وإصابة 95 في المائة من الأقفاص العائمة"، لافتا إلى أن أرقام الخسائر ليست بسيطة فهناك نحو 1000 إلى 1200 طن من الخسائر في الثروة السمكية، الأمر الذي يُعتبر انهيارا شبكه كامل لهذا القطاع في المحافظة.

 ويتابع قوله أن "الأسماك التي نفقت كانت من صنفي الكارب والكراص، فضلا عن بقية الأسماك النهرية"، مبيّنا أن "التلوث كان ساماً بنسبة كبيرة".

لكن الأخطر من الخسائر في الثروة السمكية – وفقا للطالبي – هي الأضرار التي قد تلحق بالإنسان والقطاع الزراعي. 

مخاطر صحية كبيرة

في الجانب الآخر من الأزمة، يقدم نائب نقيب الأطباء البيطريين في العراق، عامر شفيق الحمداني، قراءة أكثر خطورة للمشهد، تربط بين التلوث البيئي والصحة العامة.

إذ يقول في حديث صحفي أن "التلوث الذي حصل سببه مياه المجاري الثقيلة، إضافة إلى معادن من مخلفات المصانع والسكراب"، موضحا أنه "بعد الأمطار حدث ذوبان للعناصر الثقيلة مثل الرصاص والكادميوم، وامتصتها التربة ثم إعادتها إلى الأنهار".

ويلفت إلى ان "هذه العناصر لا يمتصها جسم السمكة بشكل صحيح، وعند تناولها تنتقل إلى الإنسان، ولا تظهر آثارها بسرعة، إنما بعد شهور أو سنوات".

ويحذر الحمداني من أنه "إذا ثبت أن التلوث بسبب مياه المجاري، ينبغي عدم تناول هذه الأسماك لأنها خطرة على الصحة العامة"، مبيّنا أن مصادر التلوث تشمل إضافة إلى الصرف الصحي والمعادن الثقيلة، مخلفات طبية.

ويؤكد أنه "في الرستمية يتم رمي مخلفات محطة المجاري في نهر ديالى مباشرة دون أي معالجة، وان إطلاقات المياه التي أطلقتها وزارة الموارد المائية ساهمت في دفع هذه المخلفات إلى مدينة الكوت".

وبالعودة إلى الطالبي، فإنه يؤكد أن "95 في المائة من الأقفاص العائمة في الكوت تضررت، وبعض المناطق مثل العزيزية والنعمانية والأحرار وصلت نسب الخسائر فيها إلى 100 في المائة"، مطالبا بمحاسبة المقصرين وتعويض المربين.

مطالبات بتعويض الخسائر

أصحاب مشاريع تربية الأسماك في واسط، طالبوا الجهات الحكومية بالتدخل العاجل لتعويض خسائرهم الكبيرة.

وفي هذا الشأن، يقول طالب كريم، وهو صاحب بحيرات ومشاريع لتربية الأسماك في قضاء الزبيدية، أن "جميع المشاريع المتضررة حاصلة على الموافقات الرسمية وتعمل بشكل قانوني، إلا أنها تعرضت لخسائر فادحة دون أي إجراء يُذكر من الجهات المعنية".

ويوضح في حديث صحفي أن "كل مشروع يضم نحو 45 قفصاً لتربية الأسماك"، مؤكدا أن "أصحاب المشاريع يعانون حالياً أعباء مالية كبيرة، نتيجة الديون المتراكمة عليهم، والمتعلقة بالأعلاف والصكوك، الأمر الذي زاد من حجم الأزمة".

ويضيف كريم أن أصحاب المشاريع يطالبون الجهات المتخصصة، لا سيما دائرتي البيئة والزراعة، بتحمل المسؤولية، وتعويض المتضررين، واتخاذ إجراءات سريعة لمنع تكرار مثل هذه الخسائر مستقبلاً.

ويؤكد أن هذه المشاريع تمثل مصدر عيش لعشرات العائلات، وأن استمرار الإهمال قد يؤدي إلى انهيار هذا القطاع الحيوي في المنطقة.