اخر الاخبار

أعلنت وزارة التربية تقليص الموضوعات الدراسية المشمولة في الامتحانات الوزارية للمراحل المنتهية للعام الدراسي الجاري، استجابة لمطالبات متكرّرة من جهات تربوية وبرلمانية رأت أنّ المناهج الحالية تفوق قدرة الطلبة والمدارس على استيعابها ضمن عام دراسي مضطرب. ويشمل القرار الصادر الاثنين الماضي - وفق بيان للوزارة - طلبة المراحل المنتهية السادس الابتدائي، والثالث متوسط، والسادس الثانوي، فضلاً عن مدارس المتميّزين، في خطوة تعكس حجم التحديات التي تواجه العملية التعليمية في العراق.

ويهدف القرار، الذي أقرته هيئة الرأي برئاسة وزير التربية أحمد الأسدي، إلى "دعم الطلبة وتحسين أدائهم الدراسي، مع تأكيد أنّ المواد المحذوفة من الامتحانات ستبقى ضمن المنهج الدراسي وتدرس خلال الاختبارات الشهرية، لتفادي حدوث فجوة معرفية". ويسلّط القرار الضوء على أزمة أعمق تتعلق ببنية الدراسة في العراق، التي تواجه تحديات متراكمة تتراوح بين كثافة المناهج وكثرة العطل الرسمية، وصولاً إلى ظروف أمنية تؤثر مباشرةً على انتظام الدوام في عدد من المناطق.

وتعود جذور أزمة التعليم في البلاد إلى تحديات بنيوية متراكمة على مدى سنوات، تبدأ من ضعف البنى التحتية للمدارس واكتظاظ الصفوف، ولا تنتهي عند نقص الكوادر التعليمية وتراجع مستوى التدريب، مروراً بعدم استقرار العام الدراسي نتيجة كثرة العطل والانقطاعات الطارئة. كما تعاني المنظومة التعليمية غياب التخطيط طويل الأمد، وعدم مواءمة المناهج مع الواقع الزمني والإمكانات المتاحة، فضلا عن تأثير الأوضاع الأمنية والاقتصادية التي انعكست بشكل مباشر على انتظام الدوام وجودة التعليم - حسب اختصاصيين يرون أيضا أن هذه العوامل مجتمعة جعلت من العملية التعليمية بيئة مضطربة، يصعب فيها تحقيق التوازن بين حجم المناهج وقدرة المدارس والطلبة على استيعابها، ما يفسر اللجوء المتكرر إلى حلول مؤقتة، كتقليص المواد الدراسية، دون معالجة حقيقية لجذور الأزمة!

قرار ضروري!

في حديث صحفي، يصف جاسم الشجيري، وهو مدير إحدى المدارس الثانوية في بغداد، القرار بأنه "ضروري وليس خياراً"، موضحاً أنّ "العام الدراسي في العراق لا يستكمل فعلياً بسبب كثرة العطل والمناسبات، فضلاً عن الانقطاعات المفاجئة التي تعطل الخطة التدريسية".

ويضيف القول أنّ "إدارات المدارس غالباً ما تجد نفسها أمام ضغط زمني كبير يدفعها إلى تسريع الخطط الدراسية أو تجاوز بعض التفاصيل، ما يؤثر على جودة التحصيل العلمي للطلبة".

فيما يؤكد عضو نقابة المعلمين العراقيين زيد الجميلي، أن المشكلة لا تكمن في كثافة المناهج الدراسية، بل في "غياب التوازن بين المحتوى الدراسي والوقت المتاح"، مشيراً في حديث صحفي إلى أنّ "السنوات الأخيرة شهدت تزايداً في عدد أيام العطل الرسمية أو غير رسمية، وهو ما يجعل من الصعب إكمال المناهج بالشكل المطلوب".

ويرى أنّ تقليص المواد في الامتحانات يمثل "إجراءً إسعافياً"، لكنه لا يعالج جذور المشكلة.

مناهج موسّعة تُقدّم في فترة غير مستقرة

يلفت تربويون إلى أنّ المناهج العراقية، رغم تطويرها خلال السنوات الماضية، لا تزال موسعة جداً مقارنة بالوقت الفعلي للتدريس، ما يضع الطلبة أمام تحدٍ يتمثل في إمكانية استيعاب محتوى مكثف خلال فترة زمنية غير مستقرة، مشيرين إلى تداخل العوامل الأمنية مع الواقع التعليمي. إذ تعرضت مدارس عديدة، خصوصاً في مناطق قريبة من مواقع عسكرية أو مؤسسات حساسة، إلى تعطيل مكرر هذا العام نتيجة التوترات والهجمات التي شهدتها بعض المحافظات في ظل الظروف الحالية، ما ساهم في تقليص الأيام الدراسية الفعلية، وبالتالي انعكس سلباً على قدرة المدارس في إكمال المناهج وفق الخطة المقررة.

في هذا السياق، يرى الاختصاصي في الشأن التعليمي مازن عبد الجليل، أن معالجة المشكلة تتطلب إعادة نظر شاملة في هيكلية العام الدراسي، بما يشمل تنظيم العطل الرسمية وتوزيعها على نحوٍ يتلاءم مع متطلبات العملية التعليمية، فضلاً عن اعتماد مناهج أكثر مرونة تراعي خصوصية الواقع التعليمي.

ويضيف قائلا في حديث صحفي أنّ "هناك حاجة إلى تطوير آليات بديلة، مثل التعليم الإلكتروني أو الدروس التعويضية، لتعويض الخلل التعليمي خلال فترات الانقطاع"، مؤكداً أنّ "الاقتصار على تقليص المناهج في الامتحانات قد يؤدي إلى تراكم فجوات معرفية على المدى البعيد، إذا لم يرافق بإصلاحات أوسع".

في المقابل، رأت لجنة التربية البرلمانية أن خطوة الوزارة تمثل استجابة ضرورية للضغوط التي يواجهها الطلبة، لا سيّما مع اقتراب الامتحانات النهائية. لكنها شدّدت على أهمية أن تكون هذه الإجراءات جزءاً من خطة إصلاحية متكاملة، لا مجرد حلول مؤقتة تتكرر مع كل عام دراسي. 

المشكلة ليست في حجم المناهج

التربوي تحرير غازي، يذكر في حديث صحفي أن "تقليص المناهج قد يخفف الضغط عن الطلبة في الامتحانات، لكن المشكلة الحقيقية ليست في حجم المادة الدراسية بقدر ما هي في ضيق الوقت وكثرة الانقطاعات"، مبينا أن "هذه المشكلة تدفع بعض المدارس إلى الإسراع على حساب الفهم".

ويقترح غازي معالجات يراها تساهم في تخفيف حجم المشكلة بدلا من تقليص المناهج فقط "فالمطلوب هو إعادة هيكلة العام الدراسي بشكل كامل، ومراجعة فلسفة المناهج لتكون قائمة على الفهم لا الحفظ، مع إدخال أدوات تعليم مرنة كالتعليم المدمج، لتعويض الفاقد التعليمي"، محذراً من أن "الاستمرار في المعالجات الجزئية سيؤدي إلى تراكم فجوات معرفية لدى الأجيال القادمة".

ويتفق المعلم علي مختار، مع ما ذهب إليه غازي. ويرى أن "المفترض أن تتجه وزارة التربية إلى معالجة الأسباب التي دفعتها لتقليص المناهج، لا الاكتفاء بهذا الإجراء المؤقت"، موضحا أن "كثرة العطل والانقطاعات واضطراب العام الدراسي، مشكلات ليست جديدة. فهي أزمات مزمنة تتكرر سنويا، وكان من الأجدر وضع حلول جذرية لها بدل ترحيلها عبر تقليص المواد". ويضيف في حديث صحفي قوله، أن "تقليص المناهج قد يخفف الضغط آنيا، لكنه لا يعالج الخلل الحقيقي في بنية النظام التعليمي، بل قد يؤدي إلى إضعاف المخرجات التعليمية على المدى البعيد إذا لم يُرافق بإصلاحات شاملة".

إلى ذلك، يُعبّر سعد حيدر، أحد أولياء الأمور، عن قلقه من قرار التقليص. ويقول: "نحن لا نعرف كيف سيتخرج أبناؤنا وهم يدرسون مناهج ناقصة أو مضغوطة. صحيح أن القرار يخفف عنهم الضغط حاليا، لكنه يثير مخاوفنا بشأن مستواهم الحقيقي في المستقبل"، مشيرا إلى أن "الطالب هو المتضرر الأول من غياب الاستقرار في العملية التعليمية".

وبينما يخفف القرار الحالي من عبء الامتحانات على الطلبة، فإنه يفتح في الوقت ذاته باباً أوسع للنقاش حول مستقبل التعليم في العراق، والحاجة إلى تكييف المناهج والنظم الدراسية مع واقع يتسم بعدم الاستقرار، بما يضمن تحقيق توازن بين جودة التعليم وإمكانية تطبيقه على الأرض.