اخر الاخبار

في إشارات المرور المزدحمة، وعلى أرصفة الأسواق الشعبية، تتكرر مشاهد تسلل الأيدي الصغيرة عبر نوافذ السيارات، طلبا للمساعدة، في صورة باتت مألوفة لكنها تخفي وراءها واقعاً أكثر تعقيداً. فالتسوّل في شوارع المدن لم يعد مجرد انعكاس مباشر للفقر، بقدر ما أصبح ظاهرة مركبة تتقاطع فيها الأبعاد الاجتماعية مع المخاوف الأمنية والتداعيات القانونية.

وبين طفل يلاحق المارة بنظرات مرهقة، وشاب يقف عند التقاطعات لساعات طويلة، تتباين التفسيرات بين من يراه سلوكاً اضطرارياً فرضته الظروف الاقتصادية، ومن يحذر من وجود شبكات تستثمر الهشاشة الإنسانية لتحقيق مكاسب خفية. وفي ظل هذا التداخل، تتعقد صورة الظاهرة  لتتحول من حالة فردية عابرة إلى ملف مفتوح يمس بنية المجتمع واستقراره.

ملف امني "معقد"!

وهنا، يحذر الخبير الأمني صفاء الأعسم من التداعيات الخطيرة لهذه الظاهرة، معتبراً أنها لم تعد مجرد سلوك فردي ناتج عن الفقر، بل تحولت إلى ملف أمني معقد تتداخل فيه عدة عوامل وسيناريوهات مقلقة.

ويقول الأعسم في حديث لـ"طريق الشعب"، أن الجانب الأمني لظاهرة التسول يكمن أولا في ارتباطها بعمليات خطف الأطفال، سواء من المستشفيات أو من الشوارع، حيث يتم استغلالهم لاحقا في أعمال التسول.

ويضيف أن هذه الممارسات تشكل تهديدا مباشرا لأمن المجتمع، إذ تزرع الخوف في نفوس المواطنين وتحدّ من شعورهم بالأمان، خصوصاً فيما يتعلق بخروج الأطفال وتحركهم بحرية.

ولا تتوقف المخاطر عند هذا الحد، بل تمتد بحسب الأعسم إلى مستقبل هؤلاء الأطفال، الذين يحرمون من التعليم والتنشئة السليمة، ما يجعلهم عرضة للانخراط في أنشطة إجرامية مستقبلاً، مثل تجارة المخدرات أو السرقة أو العنف.

ويعتقد أن هذا المسار قد يؤدي إلى إنتاج جيل مهمّش وخارج عن المنظومة المجتمعية، بما ينعكس سلباً على بنية المجتمع واستقراره. كما يلفت إلى دور بعض المتسولين، خصوصا من فئة الشباب والبالغين، في شبكات نقل وتوزيع المخدرات، حيث تُستغل عمليات التسوّل كغطاء لتبادل الأموال والمواد المخدرة في الشوارع، وهو ما يزيد من خطورة الظاهرة ويعقّد سبل معالجتها.

ويرى الأعسم أن استمرار هذه الظاهرة دون تدخل حازم قد يسهم في تشكل طبقة اجتماعية جديدة تمثل تهديداً أمنياً مستقبلياً، سواء من خلال الجرائم المنظمة أو الفردية، بما في ذلك السرقة والاعتداء والخطف.

وفي ضوء ذلك، يدعو إلى اتخاذ إجراءات صارمة للحد من التسول، خصوصاً في مراكز المدن والمحافظات، مع التأكيد على ضرورة معالجة حالات الفقر بطرق منظمة من خلال الجهات المختصة والمجتمع المحلي، بدلاً من تركها تتفاقم في الشوارع.

ويختتم بالتأكيد على أن معالجة ظاهرة التسول تتطلب توازناً بين البعد الإنساني والاجتماعي من جهة، والحزم الأمني من جهة أخرى، لضمان حماية المجتمع والحفاظ على مستقبله.

جريمة يُعاقب عليها!

من جهته، يقول الخبير القانوني مصطفى البياتي إن ظاهرة التسول في العراق لا تعد مجرد مسألة اجتماعية مرتبطة بالفقر، بل هي في بعض صورها جريمة يعاقب عليها القانون، خصوصاً عندما ترتبط بالاستغلال أو التنظيم.

ويضيف البياتي في حديث لـ"طريق الشعب" أن القانون العراقي ينظر إلى التسول من زاويتين: الأولى، إنسانية تتعلق بحالات الفقر والحاجة التي تتطلب معالجات اجتماعية. والثانية، قانونية عندما يتحول التسول إلى نشاط منظم أو وسيلة لاستغلال الأطفال والنساء، حيث يعد ذلك جريمة يعاقب عليها وفق نصوص قانون العقوبات".

ويوضح البياتي أن استغلال القاصرين في التسول يصنف كجريمة مشددة، نظراً لما تنطوي عليه من انتهاك لحقوق الطفل وحرمانه من التعليم والحياة الكريمة، لافتاً إلى أن الجهات التي تقف خلف هذه الشبكات قد تواجه تهم الاتجار بالبشر في بعض الحالات، إذا ثبت وجود تنظيم واستغلال ممنهج.

ويتابع أن القانون يعاقب أيضاً على التسول إذا كان وسيلة لارتكاب جرائم أخرى، مثل النصب أو التغطية على أنشطة غير مشروعة، مؤكداً أن بعض الحالات التي تُرصد في الشارع تتجاوز مفهوم الحاجة إلى التحايل أو العمل المنظم.

ويشير إلى أن المعالجة القانونية وحدها لا تكفي، بل يجب أن تتكامل مع سياسات اجتماعية واقتصادية تعالج جذور المشكلة، مثل البطالة وضعف شبكات الحماية الاجتماعية، داعياً إلى تفعيل دور المؤسسات المختصة في رعاية الفئات الهشة بدلاً من تركها عرضة للاستغلال.

ويختتم بالتأكيد على أن تحقيق التوازن بين تطبيق القانون وحماية الفئات الفقيرة يمثل مفتاح الحد من الظاهرة، بما يضمن عدم الإفلات من العقاب في حالات الاستغلال، وفي الوقت نفسه عدم تجريم الفقر بحد ذاته.

تعزيز الحماية الاجتماعية

من جانبه، يقول الناشط علي القيسي إن ظاهرة أصبحت تراكم بنية اجتماعية واقتصادية مختلة، تتداخل فيها عوامل الفقر مع أنماط الاستغلال المنظم، ما يجعل الفصل بين الحالة الفردية والشبكة المنظمة أمرا معقدا في كثير من الأحيان.

ويوضح القيسي في تعليق لـ"طريق الشعب"، أن جزءا من المتسولين هم فعلا ضحايا ظروف قاسية، كالبطالة أو النزوح أو التفكك الأسري، وهؤلاء يمثلون امتدادا طبيعيا لأزمة الفقر وضعف شبكات الأمان الاجتماعي، لكن في المقابل، هناك مؤشرات ميدانية متزايدة على وجود جهات تستثمر هذه الهشاشة، عبر تنظيم عمليات التسول، خصوصا في المناطق الحيوية، وتوزيع الأدوار بين أفرادها، وهو ما يحول الظاهرة من سلوك اضطراري إلى نشاط شبه منظم قائم على الربح.

ويضيف أن أخطر ما في هذا التحول هو استهداف الأطفال، ليس فقط كوسيلة لجذب التعاطف، بل كحلقة ضعيفة يسهل السيطرة عليها، ما يؤدي إلى إخراجهم المبكر من المنظومة التعليمية وإدخالهم في مسارات خطرة قد تبدأ بالتسول ولا تنتهي عنده. فهؤلاء الأطفال، بحسب القيسي، ينشؤون في بيئة تطبع لديهم سلوكيات الشارع، وتعيد تشكيل وعيهم بعيداً عن القيم المجتمعية الطبيعية، ما يهدد بإنتاج جيل يعاني من الإقصاء والتهميش.

ويشير إلى أن التعامل المجتمعي مع الظاهرة غالباً ما يكون سطحياً، إذ يركز على البعد الإنساني اللحظي من خلال تقديم المال في الشارع، دون الالتفات إلى أن هذا السلوك قد يسهم، بشكل غير مباشر، في تغذية الشبكات التي تقف خلف بعض حالات التسول. لذلك، فإن غياب الوعي بطبيعة الظاهرة المركبة يعقد من جهود الحد منها.

ويرى القيسي أن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب التكامل بين السياسات الاجتماعية والإجراءات الميدانية، فبينما تحتاج الحالات الفردية إلى دعم وحماية وإعادة تأهيل، تتطلب الشبكات المنظمة إجراءات قانونية وأمنية صارمة لتفكيكها.

ويؤكد أن الخلط بين هذين المسارين يؤدي إلى نتائج عكسية إما عبر تجريم الفئات الهشة، أو عبر ترك المجال مفتوحاً أمام الاستغلال المنظم.

ويتابع أن "الحد من التسول لا يمكن أن يتحقق عبر حلول جزئية أو مؤقتة، بل يتطلب استراتيجية شاملة تبدأ من تعزيز الحماية الاجتماعية، مرورا بإصلاحات اقتصادية تقلل من معدلات الفقر، وصولا إلى تفعيل الرقابة القانونية ومساءلة الجهات التي تستغل هذه الظاهرة، بما يضمن معالجة جذورها وليس فقط مظاهرها في الشارع".