اخر الاخبار

في كل عام، كنت أحلم أن أكون هناك… في العراق، بين الرفاق، أحضر احتفال الحزب وأستعيد بعضًا من ذلك الدفء الذي لا تمنحه الغربة. لكن هذا الحلم ظل مؤجلاً، تؤجله ضرورات العمل، وتبعده المسافات، حتى وجدت نفسي أحتفل بالعيد وحيدًا، في منفى طال أكثر مما توقعت.

الحزب… لم يكن مجرد اسم في حياتي، بل حكاية بدأت منذ الطفولة. عرفته من خلال إخوتي الكبار، ومن خلال تلك الليالي الثقيلة التي كانت الشرطة تداهم فيها بيتنا، وتفتش كل زاوية، وكأنها تبحث عن سرٍّ أكبر من قدرتنا على فهمه. أتذكر جيدًا تنور أمي، الذي كان يشتعل ليلًا، لا للخبز فقط، بل لإخفاء كتب إخوتي، تلك الكتب التي كانت تشتعل هي الأخرى بالفكر والخوف معًا.

في طفولتي، سمعت أسماءً مثل فهد وسلام عادل ولينين، دون أن أدرك معناها الحقيقي وأصدقاء اخي الكبير رحمة الله محمد الذين تعلقنا بهم وهما معن جواد أبو حاتم ومجيد طعمه رحمهم الله وآخرون . كانت مجرد أسماء تتردد في البيت، تختلط بالخوف والحذر، وتثير فضولي الصغير. وذات يوم، أثناء إحدى حملات التفتيش، حضر معاون الشرطة، وكان يُدعى أبو هيفاء، برفقة المختار. فتشوا البيت ولم يجدوا شيئًا. وحين همّوا بالمغادرة، ركضت خلفهم ببراءة الطفولة، أحمل حقيبتي المدرسية المصنوعة من التنك، الحمراء الصغيرة، وقلت للشرطي:

"هذه شنطتي… لم تفتشوها!"

ضحك الجميع، وغادروا، بينما اكتفى المعاون بهزة يد فيها شيء من السخرية أو الاستخفاف. يومها لم أفهم لماذا ضحكوا… لكنني اليوم أفهم كم كانت تلك اللحظة تختصر براءة طفل في مواجهة عالم معقد.

كبرنا… وكبر وعينا، ودخلنا الطريق الذي كان يبدو لنا قدرًا أكثر منه اختيارًا. ارتبطنا بالحزب، رغم دموع أمي التي كانت تردد بحزن:

"يمّه… ما من ورا الشوعية بس الهرفه."

وكأنها كانت ترى ما لا نراه، وتخشى علينا من مصيرٍ كُتب قبل أن نخطوه.

ومع ذلك… ظللنا "نهورف"، كما كانت تقول، لكن حبنا لم ينقص، بل ازداد يومًا بعد يوم. دفعنا أثمانًا لم تكن قليلة. رحل أخي الكبير، ولم يحصل على حقوقه كسجين سياسي إلا بعد وفاته. أما الآخر، فقد خرج من جحيم الحرس القومي مثقلاً بالجراح، فغرق في الخمر، ورحل هو أيضًا مبكرًا، كأن الحياة لم تمنحه فرصة أخرى.

أما أنا… فمنذ العام 1975، وأنا غريب. أتنقل بين البلدان، أحمل حقيبتي التي كبرت معي، لكنها لم تعد حمراء ولا بريئة. حتى حين عدت إلى العراق، لم أجد غرفة تأويني، ولا مكانًا أستقر فيه. بل وجدت نفسي مهددًا من أقرب الناس إليّ، وكأن الغربة لم تعد خارج الوطن فقط، بل صارت تسكنه أيضًا.

لهذا، أحتفل بالعيد هنا… في أوزبكستان، بعيدًا عن كل شيء، وقريبًا من كل الذكريات. عيدٌ بلا ضجيج، بلا رفاق، لكنه مليء بالوجوه التي لم تغب عني يومًا. أولئك الذين رحلوا دون وداع، وتركوا في القلب فراغًا لا يملأه شيء.

قد أكون وحدي في هذا العيد…

لكنني لست وحيدًا في الذاكرة.