مرّ عيد الفطر على العراقيين هذا العام مختلفا عما سبقه من أعياد، بعد أن خذلهم الواقع وخيّب آمالهم بينما انتظروا هذه المناسبة بشوق كبير، كعادتهم في البحث عن نافذة للفرح وسط الركام. فمنذ سنوات، غابت ملامح البهجة الحقيقية عن مدن البلاد التي أرهقتها الأزمات الاقتصادية المزمنة، ونهشتها البطالة وتردي الخدمات، واهتزاز الوضع الأمني. إلا أن هذا العيد جاء أشد وطأة وأكثر قتامة. إذ لم يجد المواطنون أنفسهم أمام تحديات الداخل وحسب، بل وجدوا بلادهم ساحة مكشوفة لارتدادات حرب إقليمية مستعرة، ما جعل فرحتهم المرجوة متراوحة بين رعب من حاضر مرير وقلقٍ من قادم مجهول!
أسواق للتفرّج فقط!
من يتجوّل في أسواق العاصمة والمحافظات، قبيل العيد وخلاله، سيجد أن المشهد يعكس انكسارا في القوة الشرائية. ففي أسواق الكاظمية والشورجة وبغداد الجديدة والأعظمية وأمثالها من الأسواق الشعبية في المحافظات، والتي عادة ما تغص بالمتسوقين، بدت الحركة ثقيلة والوجوه واجمة.
يقول الحاج جبار محيي، وهو صاحب محل لبيع الملابس: "منذ عشرين عاما لم تمر علينا كسرة مثل هذه. الناس تأتي لتتفرج ثم تمضي"، مضيفا في حديث لـ"طريق الشعب" قوله: "غلاء المعيشة والأزمة الاقتصادية وتداعيات الحرب والقلق مما إذا ستتمكن الدولة من تأمين الرواتب أو لا في ظل توقف تصدير النفط.. كل ذلك جعل رب الأسرة يفكر في تأمين الخبز قبل التفكير في جلب ملابس العيد لأطفاله. العيد بالنسبة لنا أصبح مجرد واجب اجتماعي ثقيل"!
أما الشاب مرتضى عزيز، وهو خريج جامعة يعمل بائعا جوالا، فيقول: "أي عيد نتحدث عنه؟ نحن نعيش في قلق دائم. البطالة تأكل شبابنا، والآن أضيفت لها أخبار الطائرات المسيرة والقصف. كلما عزمنا على الفرح، يخرج لنا خبر عن توتر أمني أو تهديد بحرب تجعلنا نلزم بيوتنا".
ويضيف لـ"طريق الشعب" قائلا: "نحن في الأساس لا تكتمل لدينا فرحة العيد - وأخص هنا الفقراء وذوي الدخل المحدود – فالأزمات المعيشية جعلتنا عاجزين عن شراء أبسط لوازم البهجة".
ويتابع عزيز قوله: "أطفالنا لا يعرفون طعما حقيقيا للعيد. فهم محرومون من أبسط حقوقهم في الفرح، ويشعرون بالغبن وهم يشاهدون عبر وسائل التواصل الاجتماعي أقرانهم في بلدان أخرى يتمتعون بالعيد في أجواء من الأمان والرفاهية".
ويكمل حديثه مبديا سخطه الشديد على الحكومات المتعاقبة "التي فشلت في تأمين حياة كريمة للمواطن، وحوّلت العراق من بلد غني بالموارد إلى ساحة للأزمات المفتوحة".
ومن البصرة، يقول أحمد حسن أن "محافظتنا هي رئة العراق الاقتصادية، لكننا في هذا العيد شعرنا بالاختناق. توقف حركة ناقلات النفط بسبب التوترات الإقليمية، جعل القلق يسيطر على كل بيت. الناس هنا تخشى من انقطاع الرواتب ومن تحول المدينة إلى ساحة مواجهة مباشرة"، مشيرا في حديث لـ"طريق الشعب"، إلى أن "الأسواق بدت شبه خالية. فالمواطن بات يُدخر ما تيسر لديه من مال، ويقتصر إنفاقه على الحاجات الضرورية، تحسبا لتصاعد الأزمة".
فرحة خلف الحواجز الأمنية!
ميدانيا، استقبل العراقيون عيدهم وسط غابة من الحواجز الأمنية ونقاط التفتيش التي عادت لتخنق الشوارع الرئيسة وحتى الفرعية، خاصة في بغداد. هذه الإجراءات، التي بررتها السلطات بأنها ضرورة لحماية البلاد ومنع استغلال الظرف الإقليمي، تحولت إلى كابوس مروري قتل متعة التنزه.
تقول المعلمة ندى الساعدي، وهي أم لثلاثة أطفال: "خططنا للذهاب إلى إحدى المتنزهات، لكننا قضينا ثلاث ساعات في الاختناق المروري وزحام السيطرات الأمنية"، مضيفة في حديث لـ"طريق الشعب": "الأطفال بكوا في السيارة من التعب والارهاق، فقررنا العودة إلى المنزل. هذا ليس عيدا، إنما أشبه بسجن مفتوح"!
فيما يقول المهندس علي الجبوري، الذي يسكن في منطقة قريبة من إحدى المنشآت الحيوية: "الحواجز الأمنية عادت لتقطع أوصال حيّنا. نشعر وكأننا في ثكنة عسكرية وليس في أيام احتفال. الجميع يراقب السماء بخوف. فالقلق من القصف والاضطرابات الأمنية خيّم علينا".
وتحوّل العديد من التقاطعات الرئيسة في بغداد إلى ثكنات موقوتة جراء تفعيل نقاط التفتيش المفاجئة، في محاولة رسمية لضبط الإيقاع الميداني المنفلت.
الخبير في الشؤون الأمنية العميد عدنان الكناني، يقرأ هذا المشهد بالقول أن "عودة الحواجز الأمنية ونقاط التفتيش إلى شوارع العراق لا تعكس بالضرورة تحسناً في السيطرة الأمنية، بل تشير إلى حالة قلق متزايدة لدى المؤسسات الرسمية من فقدان القدرة على ضبط الفاعلين المسلحين خارج إطار الدولة، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وانعكاساتها المباشرة على الداخل العراقي"، مضيفا في حديث لوكالة أنباء "العربي الجديد"، أن "إعادة نشر نقاط التفتيش تمثل إجراءً دفاعياً أكثر منه وقائياً، ومثل هذه الخطوات غالباً ما تُستخدم عندما تواجه الأجهزة الأمنية صعوبة في معالجة التهديدات عبر العمل الاستخباري العميق أو المعالجات السياسية، ما يدفعها إلى اللجوء لوسائل السيطرة الميدانية التقليدية التي تركز على ضبط الحركة بدلاً من معالجة مصدر التهديد نفسه".
الحبس المنزلي
لم تكن السيطرات المرورية وحدها العائق أمام العائلات، بل إن القلق النفسي من حدوث خرق أمني مفاجئ أو رد فعل عسكري في سماء المدن، دفع بآلاف العائلات إلى اتخاذ قرار مرّ بالحبس المنزلي الاختياري.
يقول المواطن سعدون الجنابي، وهو أب لخمسة أطفال من سكان منطقة أبو دشير: "كان أطفالي ينتظرون العيد بفارغ الصبر لزيارة مدينة الألعاب، لكنني بصراحة خفت عليهم. الأجواء مشحونة، وسماع أخبار المسيرات والصواريخ والقصف المتبادل في المنطقة جعلني أتردد"، موضحا لـ"طريق الشعب"، أنه "فضلت البقاء في الحديقة المنزلية الصغيرة بدلا من المخاطرة بهم في أماكن تجمعات قد تكون هدفا أو قريبة من مناطق توتر. العيد فرصة لا تتكرر إلا مرتين في العام، لكن سلامة أطفالي أغلى من أي نزهة".
أما السيدة هيام، من كركوك، فتتحدث عن "بهجة منقوصة". وتقول: "خرجنا لساعة واحدة فقط، لكن عيني كانت تراقب السماء وتراقب حركة السيارات. في العراق، نحن نعيش في ترقب دائم، وهذا العيد بالذات كان شعورنا بالخوف مضاعفا"، مضيفة قولها أن "الأطفال لا يفهمون معنى حرب وتوتر إقليمي وأزمة اقتصادية، هم يريدون التنزه فقط، لكننا كأهل نحمل همّ الانفجار أو القصف في أي لحظة، فضلا عن هموم المعيشة المتزايدة".
وتشير هذه الشهادات إلى تحول خطير في النسيج الاجتماعي. إذ بات الهاجس الأمني يقتل العادات والتقاليد، ويحول العيد من مناسبة عامة في الساحات والمتنزهات إلى زيارات خاطفة أو بقاء خلف الجدران، خشية أن يتحول الاحتفال إلى مأساة في ظل صراع لا ناقة للعراقيين فيه ولا جمل.
الهروب إلى العالم الرقمي!
في ظل القلق الميداني، وجد آلاف الشباب في مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية مهربا بديلا عن الساحات العامة والمتنزهات والأسواق.
يقول الشاب سيف دحام، وهو طالب جامعي من بغداد: "قضينا العيد في مجموعات الواتساب ومنصات الألعاب الإلكترونية. الخروج إلى الشارع يعني الوقوف ساعات في سيطرة أمنية أو الخوف من اضطراب أمني يعكر الجو. أصبح العيد افتراضيا، نتبادل التهاني بالصور، ونلعب مع الأصدقاء عبر الشاشات بدلا من الذهاب للمقاهي التي نخشى أن تكون قريبة من مواقع مستهدفة".
هذا التحول، كما يراه باحثون اجتماعيون، يعكس حالة من "الاغتراب القسري" داخل الوطن. حيث يجبر التوتر الأمني المستمر الجيل الجديد على الانغلاق في غرفهم، ما يفقد العيد روحه الجماعية والتواصلية التي عُرف بها المجتمع العراقي.
ومع غروب شمس آخر أيام العيد، لملم العراقيون ذكريات أيام لم تكن كافية لمحو أوجاع العام. فقد انتهى العيد وبقيت التحديات ذاتها.. غلاء فاحش، شوارع مزدحمة، وسماء تضج بهواجس الحرب!
لقد احتفل العراقيون وأطفالهم على استعجال، وكأنهم يسرقون لحظات الفرح سرقة قبل وقوع المحذور. إنها قصة شعب يحاول أن يبتسم تحت سحابة قلق إقليمية ودولية، منتظرا يوما يكون فيه العيد بلا توترات أمنية وأزمات معيشية!