اخر الاخبار

يشهد سوق السكن والإيجارات في بغداد ضغوطاً غير مسبوقة، حيث ارتفعت الأسعار بشكل يفوق القدرة الشرائية لغالبية المواطنين، لا سيما الشباب ومتوسطي الدخل. وتعكس هذه الارتفاعات تحديات مرتبطة بضعف التنمية العمرانية المتوازنة في بقية المدن، ما أدى إلى تضخم الطلب على الوحدات السكنية مقابل محدودية المعروض.

ورغم إنشاء بعض المجمعات السكنية الحديثة، إلا أن غالبية هذه المشاريع لم تنجح في تلبية احتياجات الفئات الأكثر تأثراً، حيث تبقى الأسعار بعيدة عن متناول الشباب والأسر محدودة الدخل.

ويؤكد خبراء اقتصاديون أن استمرار هذا الوضع يحوّل السكن إلى سلعة استثمارية، ويزيد الضغوط المالية والاجتماعية على الأسر، ويجعل حلم امتلاك منزل مستقلاً حلماً بعيد المنال للعديد من المواطنين.

الإيجار متعب وامتلاك وحدة سكنية حلم

يقول الشاب محمد العاني، إن "أسعار الإيجارات في بغداد ارتفعت بشكل كبير في السنوات الأخيرة، حيث تتراوح في كثير من المناطق بين ٧٠٠ الف إلى اكثر من مليون شهرياً لشقة من غرفتين تقريباً، وقد تتجاوز هذا في المناطق المركزية أو ذات الخدمات الأفضل، وهو سقف يضغط بشدة على الأسر ومتوسطي الدخل الذين يجدون صعوبة في تأمين السكن بجانب احتياجات الحياة الأخرى.

ويضيف العاني لـ"طريق الشعب"، أن الحد الأدنى للإيجارات في بعض المناطق الشعبية يقدر بنحو450 الف دينار شهرياً وهو ما يعادل راتب شهر كامل، وهذا المبلغ لا يزال يفوق قدرة دخل الكثير من الموظفين أو العمال، ما يضعهم في دوامة مالية يومية بين الإيجار والنفقات الأساسية.

ويشير إلى أن هذه الارتفاعات في الإيجارات وأسعار الشقق ليست مجرد أرقام على الورق، بل تحولت إلى واقع يثقل كاهل المواطن، حيث يرى الكثير من الشباب أن امتلاك بيت تحول اليوم إلى حلم يصعب تحقيقه وسط تضخم الأسعار وضعف القدرة الشرائية. العديد منهم بدأوا يعزفون عن الزواج بسبب عدم إمكانيتهم تكوين عائلة مستقرة مادياً.

ويجد أن ارتفاع الإيجارات يسبب ضغطا اجتماعيا واقتصاديا كبيرا، فبدلا من أن يدفع الشباب إيجار يقارب نصف دخلهم الشهري، يجدون أنفسهم مضطرين لتقليل إنفاقهم على التعليم والصحة والنشاطات الاجتماعية، وهذا يؤثر في جودة الحياة ويزيد من إحباط الأسر، خصوصاً مع استمرار نقص الخيارات الإسكانية الميسرة.

أزمة هيكلية

من جهته، قال الخبير الاقتصادي د. نوار السعدي، إن أزمة السكن في العراق، ولا سيما في بغداد، لم تعد مجرد مشكلة عرض وطلب تقليدية، بل تحولت إلى أزمة هيكلية ناتجة عن تركيز النشاط الاقتصادي والخدمات في العاصمة. هذا التركيز خلق ضغطا سكانيا هائلا انعكس مباشرة على أسعار الأراضي والوحدات السكنية، ويتفاقم سنوياً مع استمرار الهجرة الداخلية من المحافظات باتجاه بغداد، بحثا عن العمل والخدمات، في ظل ضعف التنمية المتوازنة في بقية المدن.

واضاف السعدي لـ"طريق الشعب"، انه "بالرغم من إنشاء عدد من المجمعات السكنية الحديثة، إلا أنها لم تنجح في معالجة جوهر الأزمة، لأنها تستهدف فئة محددة ذات دخل مرتفع، ولا تتناسب أسعارها مع القدرة الشرائية لغالبية المواطنين".

وزاد بالقول: إن هذه المشاريع ساهمت في زيادة العرض شكلياً، لكنها لم تلب الطلب الحقيقي، بل عززت الفجوة بين ما يُبنى وما يحتاجه السوق فعلياً، خصوصاً للطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل، منبها الى أن المشكلة ليست في قلة البناء فحسب، بل في غياب سياسة إسكانية واضحة تشمل دعم الإسكان الميسر، وتنظيم سوق الأراضي، وتوفير التمويل العقاري الحقيقي.

واشار إلى أن ارتفاع كلفة الأرض وقلة التمويل، إلى جانب ضعف تدخل الدولة في توجيه السوق، يجعل الأسعار مرتفعة بغض النظر عن عدد المشاريع المنفذة.

واختتم الخبير الاقتصادي بالقول: إن الحل يتطلب تحولا من البناء التجاري الربحي إلى سياسات إسكان اجتماعي مدعوم، مع توزيع التنمية على المحافظات لتخفيف الضغط على بغداد. وإلا فإن الأزمة ستستمر بالتفاقم، وستظل شريحة واسعة من المواطنين خارج سوق السكن رغم زيادة المشاريع.

وتشهد أسواق الأراضي والإيجارات في بغداد ضغوطاً هي الأعنف منذ أكثر من عقد، حيث تجاوزت الارتفاعات الأخيرة مستوى القدرة الشرائية لمعظم المواطنين، لا سيما الشباب ومتوسطي الدخل، ما جعل تكلفة السكن تمثل نسبة كبيرة من الدخل الشهري، وأحياناً تصل إلى نصفه، وفق تقديرات اقتصادية محلية. هذا الواقع يعكس ضعف السياسات الإسكانية وعدم كفاية المعروض مقارنة بالطلب المتنامي، نتيجة النمو السكاني والتحضر السريع، إلى جانب تأثير المضاربات على الأراضي التي تعمل على رفع الأسعار بشكل غير مرتبط بتكاليف البناء الفعلية.

الحكومة ملتهية بمعالجة العشوائيات

من جهته، قال المتحدث باسم وزارة الإسكان والأشغال العامة عبد الزهرة الهنداوي، إنّ عدد المساكن في العراق بلغ 8,037,221 وحدة، فيما تمثل الدور الطينية والوحدات غير النظامية نحو 1.3 في المائة من الإجمالي، ما يعادل نحو 104 آلاف وحدة يقطنها ما بين 500 و600 ألف نسمة، مشيراً إلى أن الحكومة توفر لهم أماكن بديلة ضمن المدن الجديدة وتقدم الدعم لتمكينهم من اقتناء وحدات سكنية تضمن الحد الأدنى من شروط السكن اللائق.

 وأضاف الهنداوي في حديث لـ"طريق الشعب"، أن الحكومة شرعت بمعالجة ملف العشوائيات عبر إصدار القرار رقم 320 لسنة 2022 لمعالجة التجاوزات على الأراضي الزراعية، والقرار رقم 20 لسنة 2025 الخاص بالبناء غير النظامي على أراضي المؤسسات البلدية.

وتابع أن الحكومة تعمل على استغلال الأراضي المتاحة وإيصال الخدمات الأساسية إليها، وإنشاء مدن سكنية كبرى سواء عن طريق الاستثمار أو عبر المطورين المحليين.

مطلوب إنشاء ٣٠٠ ألف وحدة سنوياً

فيما يقول الباحث الاقتصادي عبد الله نجم إن "المجمعات السكنية التي تسوق على أنها مخصصة لدعم أصحاب الدخل المحدود وسكان العشوائيات والشباب غالباً ما تفشل في تلبية احتياجات الفئات المستهدفة، إذ تبقى الأسعار النهائية خارج متناول الشباب والأسر محدودة الدخل، ما يوسع الفجوة بين العرض والطلب ويزيد من التفاوت الاجتماعي والاقتصادي في الوصول إلى السكن الميسر".

ويضيف نجم لـ"طريق الشعب"، ان هذه المجمعات لا تناسب من الأساس الزيادة السكانية المقدرة بنحو 2.6 في المائة سنوياً، ما يتطلب إنشاء ٣٠٠ ألف وحدة سنوياً، مشيرا إلى أن استمرار هذا النمط يؤدي إلى تشوهات في السوق، حيث تتحول الحاجة الأساسية للسكن إلى سلعة استثمارية، ويزداد الضغط على الأسر لتلبية تكاليف الإيجار المرتفعة على حساب الإنفاق الاستهلاكي والاستثمار في التعليم والصحة.

ويرى أن الحل الاقتصادي للسوق الإسكانية في بغداد يحتاج إلى مقاربة متكاملة، تشمل زيادة الأراضي المخصصة للإسكان الميسر بأسعار مدروسة، وتفعيل الشراكات بين القطاعين العام والخاص لإنتاج وحدات سكنية بأسعار قابلة للشراء، إضافة إلى تقديم قروض ميسرة بفائدة منخفضة أو دعم مباشر للفئات المستهدفة، مع سن قوانين صارمة لتنظيم سوق الإيجارات للحد من المضاربات والحفاظ على استقرار الأسعار.

ويؤكد أن اعتماد هذه الإجراءات من شأنه أن يخفف الضغط على السوق، ويعيد التوازن بين العرض والطلب، ويؤمن توزيعاً أكثر عدالة لمشاريع الإسكان، ما يسهم في استقرار اقتصادي واجتماعي أكبر للعاصمة وبقية المحافظات.