اخر الاخبار

في وقت تتزايد فيه العروض التجارية والإعلانات الرقمية، أصبح شراء سلع تفوق الحاجة الفعلية ظاهرة متنامية لدى كثير من المستهلكين. فبين تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، وضغط المظاهر الاجتماعية، والتغيرات الاقتصادية التي يعيشها المجتمع، تتوسع ثقافة الاستهلاك على حساب الادخار والتخطيط المالي. هذه الظاهرة لا تقتصر آثارها على ميزانية الأسر فحسب، بل تمتد أيضاً لتترك آثارا بيئية واضحة، مع تزايد النفايات الناتجة عن منتجات تُشترى أحياناً بدافع اللحظة أو بدافع التقليد، لا بدافع الحاجة الحقيقية.

الوقوع في فخ الإعلان

وتقول الشابة زهراء علي إن قدرتها على الشراء لا ترتبط دائماً بحاجتها الفعلية للسلع، بل تتأثر أحياناً بعوامل مختلفة، من بينها الإعلانات التي تجذبها لشراء أشياء قد لا تكون ضرورية.

وتوضح زهراء في حديث لـ"طريق الشعب" أن طريقة عرض المنتجات والعروض الترويجية تجعلها أحياناً تفكر بشراء أشياء لم تكن تخطط لها من قبل، مضيفة انها أحياناً تفكر في أن "الادخار قد لا ينفع في ظل ارتفاع أسعار كل شيء تقريباً، لذلك أفضل أن أشتري ما أريده الآن بدل أن أنتظر".

وتشير زهراء إلى أن خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دوراً في دفعها إلى الاستهلاك، قائلة "ألاحظ أنه عندما أبحث عن شيء معين أو حتى أتحدث عنه، تبدأ مواقع التواصل بعرض إعلانات ومنتجات مشابهة بشكل متكرر، وهذا يجعلني أفكر بشرائها حتى لو لم أكن بحاجة حقيقية لها".

سلوك يرتبط بعوامل نفسية واجتماعية

وبالحديث عن أسباب شراء الناس لحاجيات لا يحتاجون اليها  في كثير من الأحيان، توضح الباحثة الاجتماعية بلقيس الزاملي ان الامر يرتبط بدوافع نفسية واجتماعية، أكثر من كونه حاجة حقيقية، مبينة أن التسوق قد يتحول لدى البعض إلى وسيلة للشعور بالرضا المؤقت أو للهرب من الضغوط اليومية، ما يدفع الأفراد إلى اتخاذ قرارات شراء سريعة وغير مدروسة.

وتضيف الزاملي في حديث لـ"طريق الشعب"، أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت عاملا مؤثراً في تعزيز ثقافة الاستهلاك، إذ لا تقتصر على عرض المنتجات فحسب، بل باتت منصة لعرض أنماط حياة قائمة على الترف والمبالغة في الإنفاق. وتلفت إلى أن بعض صناع المحتوى ينشرون مقاطع فيديو لعمليات تسوق مبالغ فيها أو لشراء أشياء غريبة لا تحمل فائدة حقيقية، ما يخلق لدى المتابعين شعوراً بأن هذا النمط من الاستهلاك هو أمر طبيعي أو مرغوب.

وتوضح أن تكرار هذه المشاهد يسهم تدريجياً في تشكيل سلوك استهلاكي لدى بعض المتابعين، خاصة الشباب، الذين قد يسعون إلى تقليد ما يرونه على المنصات الرقمية حتى وإن كان ذلك لا يتناسب مع احتياجاتهم أو إمكاناتهم المادية.

كما ترى الزاملي أن المظاهر الاجتماعية تلعب دوراً واضحاً في زيادة الشراء، إذ يسعى بعض الأفراد إلى اقتناء سلع معينة لإظهار مستوى اجتماعي أو اقتصادي معين أمام الآخرين. وتؤكد أن هذا السلوك يعكس في جانب منه محاولة لمجاراة الآخرين أو إثبات الحضور الاجتماعي، ما يحول الاستهلاك أحياناً من تلبية للحاجة إلى وسيلة للتعبير عن المكانة أو الانتماء الاجتماعي.

ضعف ثقافة "الادخار"!

واضعفت ثقافة الاستهلاك مبدأ الادخار لدى غالبية العراقيين، حيث يقول الباحث الاقتصادي عبد السلام حسن إن ثقافة الاستهلاك في العراق مرت بتحولات ملحوظة خلال السنوات الأخيرة، إذ لم يعد الاستهلاك يقتصر على تلبية الاحتياجات الأساسية، بل أصبح في كثير من الأحيان مرتبطاً بالرغبة في اقتناء سلع إضافية أو مجاراة أنماط اجتماعية جديدة.

ويوضح أن انتشار مراكز التسوق، وتزايد الإعلانات، إضافة إلى تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، كلها عوامل أسهمت في تعزيز هذا النمط من السلوك الاستهلاكي.

ويضيف حسن لـ"طريق الشعب"، أن شراء السلع غير الضرورية ينعكس بشكل مباشر على ميزانية الأسرة العراقية، خصوصاً في ظل ارتفاع الأسعار وتذبذب القدرة الشرائية. ويشير إلى أن الكثير من الأسر تنفق جزءاً كبيراً من دخلها على سلع يمكن الاستغناء عنها، الأمر الذي يقلل من قدرتها على تغطية الاحتياجات الأساسية أو مواجهة الأزمات المالية الطارئة.

كما يؤكد أن الاستهلاك المفرط يضعف ثقافة الادخار لدى الأفراد، وهذه مسألة مهمة في ظل طبيعة الاقتصاد العراقي الذي يتأثر كثيراً بالتقلبات الاقتصادية وأسعار النفط. ويرى أن تعزيز الوعي المالي وتشجيع التخطيط للإنفاق يمكن أن يسهم في تحقيق قدر أكبر من الاستقرار المالي للأسر، ويحد من السلوك الاستهلاكي غير المدروس.

استهلاك يؤذي البيئة!

من جانبه، يرى الناشط البيئي أحمد سلام، أن ثقافة الاستهلاك المفرط في العراق أصبحت أحد العوامل غير المباشرة التي تسهم في تفاقم المشكلات البيئية في المدن، خصوصاً مع الارتفاع المستمر في حجم النفايات المنزلية.

 ويشير إلى أن زيادة شراء السلع، ولا سيما ذات التغليف البلاستيكي أو الاستخدام القصير، تؤدي إلى تراكم كميات كبيرة من المخلفات التي يصعب معالجتها أو تدويرها ضمن الإمكانات المتاحة.

ويضيف سلام لـ"طريق الشعب"، أن المشكلة لا تتعلق بالاستهلاك بحد ذاته، بل بنمط الاستهلاك غير المدروس، حيث يشتري كثير من الأفراد منتجات تفوق حاجتهم الفعلية، لتتحول لاحقاً إلى نفايات خلال فترة قصيرة.

ويؤكد أن هذا السلوك يضاعف الضغط على منظومة إدارة النفايات في المدن العراقية، التي تعاني أصلاً من تحديات تتعلق بالبنى التحتية وضعف مشاريع الفرز وإعادة التدوير.

كما يلفت إلى أن العلاقة بين الاستهلاك والبيئة غالباً ما تكون غير واضحة لدى الكثير من المواطنين، إذ لا يدرك البعض أن كل سلعة يتم شراؤها تمر بسلسلة طويلة من الاستهلاك للموارد الطبيعية والطاقة، بدءاً من الإنتاج والنقل وصولاً إلى التخلص منها بعد الاستخدام. لذلك فإن الإفراط في الشراء يعني عملياً زيادة استنزاف الموارد وارتفاع مستويات التلوث.

ويؤكد سلام أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب نشر ثقافة الاستهلاك الواعي والمسؤول، التي تقوم على تقليل الشراء غير الضروري، وتشجيع إعادة الاستخدام، واختيار المنتجات الأقل ضرراً على البيئة.

 ويرى أن تعزيز هذا الوعي يمكن أن يسهم في تقليل النفايات، ويخفف الضغط على الموارد الطبيعية، ويخلق سلوكاً مجتمعياً أكثر توازناً مع البيئة.