يتفق خبراء اقتصاديون على انعدام الخيارات المتاحة أمام العراق لمواجهة التداعيات الاقتصادية والمعيشية للحرب الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل إغلاق مضيف هرمز وتوقف صادرات النفط - الشريان الوحيد لميزانية البلاد - وهو ما يعني العجز عن دفع رواتب الموظفين والمتقاعدين بما سيحمله ذلك من شلل على بقية القطاعات.
وبينما أفادت تصريحات متعددة بأن العراق قادر على تأمين رواتب الموظفين لشهر واحد فقط، نتيجة توقف إنتاج النفط وتصديره وتأثر حركة الطيران التي تنقل الأموال، أوضح البنك المركزي أول أمس الأحد أن احتياطيه يغطي نحو 12 شهراً من الاستيرادات، مؤكدا أنه يمتلك الجاهزية الكاملة والأدوات الفعّالة للتعامل مع مختلف التطورات، خاصة مع امتلاكه رصيدا من الاحتياطيات المريحة، وأنه مستعد لاتخاذ الإجراءات المناسبة في الوقت المناسب بما يضمن الحفاظ على استقرار الأسواق النقدية والمالية ويعزّز الثقة في القطاع المصرفي.
في المقابل، تتصاعد حدة القلق الشعبي مع استمرار الحرب وتوقف صادرات النفط. حيث يسود ترقب يشوبه الحذر بشأن قدرة الحكومة وجديتها في تأمين رواتب الموظفين والمستحقات الاجتماعية. وفيما تتعاظم المخاوف من دخول الدولة في نفق مالي مظلم، يوجه مواطنون ومراقبون انتقادات لاذعة لما يصفونه بفشل السياسات التعاقبية في كسر قيود الاقتصاد الريعي، محملين السلطات مسؤولية إهمال القطاعات الصناعية والزراعية التي كان من المفترض أن تشكل صمام أمانٍ وقاعدة إنتاجية صلبة قادرة على امتصاص الصدمات وحماية لقمة عيش المواطن في ظل الأزمات الراهنة.
من سيمنحنا الرواتب؟!
يبدي الموظف في وزارة الكهرباء أحمد عباس قلقا شديدا من امتداد الحرب في المنطقة، وما تخلله من توقف لصادرات النفط، متسائلا في حديث صحفي: "من سيمنحنا رواتبنا؟ ماذا سيحصل لعائلاتنا؟!".
ويضيف قائلا: "نشعر بالرعب من أزمة فقدان السيولة، ومن التأخر المتكرر في تواريخ دفع رواتبنا الذي يحصل منذ شهور. نحن لا نتحمل أخطاء وسوء إدارة وفساد الحكومات المتعاقبة، التي لم توفر بدائل اقتصادية، ولم تطور الصناعة والزراعة، واعتمدت منذ 2003 على النفط لتغطية الإيرادات ودفع الرواتب".
ويجمع خبراء اقتصاديون على ما يمكن ان تحمله الحرب من كوارث لا يحمد عقباها. فالموظفون والمتقاعدون الذين يقارب عددهم 6 ملايين، ثم المواطنون، ستطالهم سريعا التداعيات بالعجز التام عن توفير احتياجاتهم الأساسية، في ظل اقتصاد هش يعتمد بنسبة 90 في المائة على النفط.
كل شيء مرتبط بالنفط
ضحى جمال، زميلة عباس في وزارة الكهرباء، تذكر من جانبها أن "الوضع أصبح مرهقاً. توقف صادرات النفط يؤثر مباشرة على دخل ملايين الموظفين وأسرهم. فكل شيء هنا مرتبط ببيع النفط وأسعاره ولا احتياطات مالية يمكن ان تنقذ البلد من الهاوية".
وتؤكد في حديث صحفي أنه "منذ ثلاثة شهور نحاول ضغط نفقات العائلة من أجل مواجهة احتمال تأخر دفع الرواتب، لكن كل ما استطعنا توفيره لن يغطي مصاريف أكثر من اسبوعين"، مشيرة إلى ان "الحكومة، في المقابل، لم تفعل شيئاً حقيقياً لمواجهة الكارثة القريبة. نحن الآن رهائن لأزمة النفط والصراعات الإقليمية".
مواطن: قد اضطر إلى بيع حاجاتي البسيطة!
من جانبه، يقول المواطن عبد العزيز ناصر، وهو موظف في وزارة الصحة: "إذا وصل الأمر إلى قطع راتبي، سأضطر أولاً لتقليل مصاريفي اليومية قدر الإمكان، وربما أبيع بعض حاجاتي البسيطة لتغطية احتياجات عائلتي.. لكن ماذا بعد ذلك؟!".
ويضيف في حديث صحفي قائلا: "نحن بلا مستقبل.. بلد بلا خطط بديلة لمواجهة الأزمات الاقتصادية او الطبيعية، وكل شيء يعتمد على بيع النفط واسعاره، ويبقى الموظفون عالقين في دوامة من القلق المستمر.. نتنفس كل يوم بصعوبة، نتابع الأخبار بقلق فكل خطوة خاطئة من المسؤولين وكل حرب أو عقوبات ستعني تدمير حياتنا"!
كاسب: قد نموت جوعا!
أبو محمد، وهو كاسب يعمل على بسطة لبيع الخضار في سوق الصدرية ببغداد، يُلخص بكلمات بسيطة واقع ملايين الكسبة الذين يعيشون على هامش الأجور.
ويقول في حديث صحفي: "إذا ما توقفت رواتب الموظفين، فنحن أول من سيموت جوعاً. إننا نعيش على ما ينفقه الموظف في السوق"، مضيفا قوله أن "انقطاع الراتب يعني توقف البيع والشراء، وهو ما يضعني أمام خيارين أحلاهما مر. فإما الديون التي أثقلت كاهلي، أو العجز عن تأمين حليب أطفالي وإيجار المنزل".
ويشير أبو محمد إلى أن "كل شيء غالٍ اليوم. نحن بالكاد نؤمّن قوت يومنا ومبالغ إيجار المنزل وخط المولدة، فضلا عن رسوم الخدمات التي تصاعدت كثيرا"، متسائلا: "لماذا لم تفكر حكومتنا في احتمالات مثل هذه المخاطر الاقتصادية والمعيشية؟ لماذا رهنت حياتنا بالنفط، وتجاهلت وأهملت بقية القطاعات الاقتصادية، التي كان من الممكن أن تساهم في إنقاذنا من أهوال هذه المحنة المُتوقَعة؟!".
وتمثل مخاوف هذا الكاسب جرس إنذار يعكس مدى هشاشة الأمن الغذائي للفئات غير الحكومية، التي تجد نفسها اليوم في مهب الريح نتيجة توقف صادرات النفط وغياب أي غطاء اجتماعي أو بدائل اقتصادية تحميهم من تبعات آلة الحرب المدمّرة.
العجز عن تمويل الرواتب
مع توقعات باستمرار الحرب فترة غير معلومة، تستمر المخاوف الاقتصادية لدى العراقيين بالتصاعد. فمصدر الدخل الأساسي الذي يضمن رواتب الموظفين التي تحرك بدورها القطاعات الأخرى، بات مشلولا.
يقول خبير النفط والطاقة كوفاند شيرواني، أن "إغلاق مضيق هرمز يؤدي إلى خسارة العراق عائدات 3.5 ملايين برميل نفط يومياً، تصدر عبر موانئ البصرة".
ويضيف في حديث صحفي أن "تصدير العراق سيقتصر في هذه الحالة على نحو 200 ألف برميل يومياً عبر أنبوب جيهان التركي، بإيرادات لا تتجاوز 400 مليون دولار، وهو ما يشكل ضغطاً كبيراً على الاقتصاد العراقي"، موضحا أنه "إذا استمر الإغلاق شهراً واحداً فقط، قد يخسر العراق أكثر من 6 مليارات دولار، أي ما يعادل نحو 90 في المائة من عائداته الشهرية".
ويعرب شيرواني عن مخاوفه من أن يؤثر ذلك بنحو كبير على ذوي الدخل المحدود مع انخفاض قيمة الدينار وارتفاع أسعار السلع.
وتتوافق هذه المخاطر الاقتصادية الكبيرة مع تحليلات الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي، الذي يحذر من تداعيات ذلك على قدرة الدولة على تمويل الرواتب، موضحاً أن "وزارة المالية قد تواجه صعوبة في تمويل الرواتب خلال الشهور المقبلة، ما قد يؤدي إلى تأخيرات أو تخفيضات في الرواتب".
ويتابع قائلا: "حتى لو أدى إغلاق المضيق إلى ارتفاع أسعار النفط إلى 150 دولاراً للبرميل، فإن عائدات العراق ستنخفض من نحو 7 مليارات دولار شهريا إلى أقل من مليار دولار، وهذه لا تكفي سوى لتغطية 14 في المائة من الرواتب".
ويتفق الخبيران على محدودية الخيارات البديلة لتصدير النفط. فشيرواني يشير إلى أن منفذ جيهان لا يمثل سوى أقل من 6 في المائة من إجمالي الصادرات، ويمكن رفعه إلى مليون برميل يومياً بتعديلات فنية، بينما يؤكد المرسومي أن العراق لا يمتلك حتى الآن طرقاً بديلة جاهزة للتصدير.
شلل اقتصادي تدريجي
في السياق، ينظر أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي، إلى سيناريو استراتيجي أوسع. إذ يوضح في حديث صحفي أن "الخطر الأكبر ليس الحرب نفسها، بل استمرارها دون أفق واضح وتحولها إلى حرب استنزاف زمنية، ما قد يؤدي إلى شلل اقتصادي تدريجي طويل ومدمر".
ويرى أن الحل يكمن في " تحرك استباقي من الحكومة العراقية لتحصين السوق، حماية الدينار، وتفعيل شبكة علاقاتها الدبلوماسية بهدف النأي بالعراق عن تداعيات الصراع، سياسياً واقتصادياً".
تبريرات وتطمينات حكومية
وسط هذه المخاوف يبرز العراق كبؤرة مركزية لما يحدث في أسواق الطاقة العالمية. ففي وقت سابق على توقف صادرات النفط، تحدث مستشار رئيس الوزراء مظهر محمد صالح، عن البعد الجغرافي الحاسم الذي يضع العراق في قلب أي أزمة محتملة.
وقال أنه "إذا أغلق مضيق هرمز، فسيؤدي ذلك إلى حجب ما بين 20 و30 في المائة من تدفق الطاقة العالمي، وهذه ليست مشكلة العراق وحدها، بل تهم منظمة أوبك وجميع الدول المنتجة للنفط".
وأكد أنه "إذا لم يتمكن العراق من تصدير النفط، فسيعاني العالم أجمع، وليس العراق وحده، ستكون للحرب آثار اقتصادية كبيرة في جميع أنحاء العالم"، مشيراً إلى أن "الحكومة تعمل على إيجاد بدائل لتصدير النفط، إلا أنه لا يوجد بديل كامل للمضيق ذي الأهمية الاستراتيجية البالغة".
وأوضح صالح أن "الخيار الوحيد أمام العراق هو خط أنابيب جيهان، لكن هذا الخط يواجه حالياً مشكلات قانونية وتقنية، قد يساعد، لكنه غير كاف نظراً لقدرته المحدودة".
وعن قدرة الأنبوب الاستيعابية، قال أن "خط أنابيب كركوك - جيهان قادر على نقل ما يصل إلى مليون برميل من النفط يومياً من إقليم كردستان والحكومة الاتحادية، وقد يساهم ذلك قليلاً في تخفيف الأزمة إذا استمرت الحرب وبقي المضيق مغلقاً". ونوّه إلى محاولات العراق لتصدير النفط عبر طرق مختلفة، بما في ذلك البحر الأبيض المتوسط. وبيّن أن "هناك خططا لإعادة فتح خط أنابيب كركوك - بانياس، والذي كان ذا أهمية بالغة في الماضي واستخدم خلال الحرب العراقية الإيرانية، لكنه متوقف حالياً بسبب بعض المشاكل".