اخر الاخبار

يشهد قضاء الشطرة في محافظة ذي قار أزمة صحية متصاعدة، وسط انتشار مقلق لحالات الفشل الكلوي وأمراض الجلد والسرطان. ويُرجع اختصاصيون ومواطنون هذه الأزمة إلى التلوث البيئي المستفحل في القضاء، لا سيما تلوث مصادر المياه، بوصفه أحد العوامل البارزة لتفاقم التدهور البيئي – الصحي في ذي قار والبلد بعامة. ويبلغ عدد سكان ذي قار نحو 2.5 مليون نسمة – وفق مخرجات الإحصاء السكاني الأخير، ما يجعل تأثير الأزمة واسع النطاق ويهدد شريحة كبيرة من السكان، خاصة في ظل ضعف البنى التحتية الصحية والبيئية.

مياه ملوثة وخدمات صحية متدهورة

يؤكد مواطنون من أهالي الشطرة أن النهر الذي يمثل المصدر الرئيس لمياه الشرب أصبح ملوثاً بشكل واضح، نتيجة رمي النفايات المنزلية والصناعية فيه مباشرة، دون أي معالجة، فضلاً عن المخلفات الناتجة عن الأنشطة النفطية.

في حديث لـ"طريق الشعب"، يقول الناشط احمد فرحان، أحد سكان الشطرة: “انتشرت هنا أمراض الفشل الكلوي وأمراض الجلد وحتى السرطان. السبب واضح: المياه ملوثة تماماً، طين وحمأة ونفايات تُلقى في النهر أمام أنظار الجميع، المسؤولين قبل المواطنين”.

فيما يشير الناشط د. محمد الحسيني إلى الضغط الكبير الذي تواجهه المؤسسات الصحية نتيجة تزايد الحالات المرضية.

ويقول: "لو زرت المستشفيات للاحظت الأعداد الهائلة من مرضى الفشل الكلوي.

الأرقام مرعبة. فقط في الشطرة هناك نحو 170 حالة الآن. لقد تعبنا من انتظار إجراءات الدولة”. 

مرضى بلا علاج كافٍ

وتزيد الأوضاع المعيشية الصعبة من معاناة المرضى. إذ يضطر كثيرون منهم إلى الاكتفاء بشراء الأدوية من الصيدليات دون مراجعة الأطباء الاختصاصيين، بسبب ارتفاع تكاليف العلاج ونقص الخدمات.

كما يلجأ عدد متزايد من المرضى إلى السفر خارج العراق، خصوصاً إلى إيران والهند، بحثاً عن علاج أفضل، في ظل ما يصفونه بتدهور الرعاية الصحية المحلية وغياب الحلول البيئية الجذرية.

يتحدث مواطن شطري لـ"طريق الشعب"، عن تعرضه لمضاعفات صحية نتيجة تعاطيه الدواء من دون استشارة طبية.

ويقول انه يعاني منذ فترة آلاما حادة في الكلى، ولم تسمح له إمكاناته المالية بمراجعة الأطباء وتحمّل تكاليف الكشف الطبي والتحليلات المختبرية والعلاجات وما إلى ذلك، متابعا القول: "أما المستشفيات الحكومية، فلا تقدم ما يُعوَّل عليه. فهي تعاني نقص الأدوية والكوادر وضعف الخدمات".

ويضيف قوله أنه اضطر إلى شراء أدوية من الصيدليات دون تشخيص دقيق، فكانت النتيجة عكسية. إذ تضاعفت حالته وازداد الألم، مرجعا أسباب مرضه إلى تلوّث ماء الشرب. 

تقارير بيئية: التلوث هو السبب الرئيسي

تعزز شهادات اختصاصيين ومواطنين ما تذهب إليه تقارير منظمات معنية بالبيئة والمناخ، تؤكد أن التلوث البيئي، خاصة المائي، يمثل السبب الأبرز لانتشار الأمراض المزمنة، نتيجة تصريف النفايات الصناعية والمنزلية في المصادر المائية دون معالجة، إضافة إلى ضعف الرقابة البيئية على نشاط الشركات النفطية.

يقول احد العاملين في قطاع الشطرة الصحي، ان "مياه النهر ملوثة بوضوح بسبب رمي النفايات فيها بصورة مباشرة. كما أن الانبعاثات الناتجة عن أنشطة شركات النفط التي لا تُدار وفق معايير بيئية سليمة، ساهمت مساهمة كبيرة في التدهور البيئي في القضاء.. النتيجة كارثية على صحة المواطنين”.

ويضيف المنتسب إلى القطاع الصحي، والذي طلب من "طريق الشعب" حجب اسمه، أن "ذي قار بشكل عام تعاني انبعاث الغازات السامة من أنشطة الشركات النفطية والمعامل، إلى جانب انخفاض مناسيب المياه بسبب التغير المناخي، ما يؤدي إلى تركّز الأملاح والمواد السمّية بنسب أعلى".

تزايد الاصابة بالسرطان والتشوّهات الخلقية

لا تقتصر تداعيات الأزمة على الفشل الكلوي. إذ تشير بيانات محلية إلى ارتفاع ملحوظ في معدلات الإصابة بالأمراض السرطانية والتشوّهات الخلقية، خصوصاً في المناطق القريبة من مواقع استخراج النفط.

ويؤكد اختصاصيون أن هذه الزيادات ليست عشوائية، بل ترتبط مباشرة بالتلوث الناتج عن عمليات الإنتاج النفطي وسوء إدارة المخلفات، ما أدى إلى ظهور طفرات جينية وتشوهات بين المواليد الجدد.

وبينما يواصل المواطنون انتظار الحلول، تتزايد أعداد المرضى، وتتعمق الفجوة بين الحاجة إلى العلاج وواقع الخدمات المتاحة، في مشهد يعكس أزمة بيئية وصحية باتت تهدد حياة الآلاف.