في بلدٍ نشأت حضارته على ضفاف دجلة والفرات، لم يعد خطر شحّ المياه وحده ما يهدد العراقيين، بل بات تلوّث مصادرها أحد أخطر الأزمات الصامتة، لما يحمله من تبعات صحية وبيئية قد تمتد آثارها لأجيال. وبينما يعتمد ملايين المواطنين يوميًا على مياه الأنهار للاستهلاك البشري، تكشف تقارير بيئية ورسمية عن واقع مقلق: مياه ملوّثة بمواد سامة، وملفات حساسة جرى التحفظ عليها، ومعالجات ما تزال محدودة قياسًا بحجم الكارثة.
أربع محافظات ومصدر واحد ملوّث
وكشف مرصد العراق الأخضر، أن أربع محافظات رئيسية هي بغداد وواسط وميسان والبصرة تعتمد بشكل شبه كامل على نهر دجلة كمصدر رئيسي للمياه، رغم احتوائه على ملوثات خطرة جدًا على صحة الإنسان.
وأوضح المرصد أن النهر بات محمّلًا بملوثات عضوية شديدة السمية ناتجة عن الأنشطة الصناعية والزراعية، أبرزها ثنائي الفينيل متعدد الكلور، والفثالات (DEHP)، والمركبات العضوية المتطايرة (VOCs).
وبحسب المرصد، فإن هذه المواد ترتبط بأمراض خطيرة تشمل السرطان، واضطرابات الغدد الصماء، وتلف الكبد والكلى، فضلًا عن تأثيراتها المدمّرة على النظام البيئي، لكونها من الملوثات التي يصعب على محطات التصفية التقليدية التخلص منها أو معالجتها بشكل كامل.
تلوّث يبدأ من بغداد ويمتد جنوبًا
وأشار المرصد إلى أن تلوّث مياه دجلة يبدأ من العاصمة بغداد، نتيجة تصريف مياه الصرف الصحي والمخلّفات الصناعية، ثم يمتد إلى المحافظات الواقعة جنوبها، التي تسهم بدورها في زيادة التلوّث، وإن بنسب أقل. هذا التراكم المستمر جعل مياه النهر، وفق توصيف المرصد، “ملوّثة بشكل كبير”، بما ينعكس مباشرة على صحة الإنسان والكائنات الحية الأخرى.
تقرير حكومي محجوب
وكشف المرصد عن أن إحدى الوزارات أعدّت مؤخرًا تقريرًا رسميًا لتقييم جودة المياه في بغداد، بتوجيه من جهات عليا. إلا أن هذا التقرير، وبعد الانتهاء منه ورفعه إلى تلك الجهات، جرى التحفّظ عليه، بسبب ما أظهره من “كوارث لا يمكن الإفصاح عنها” في مياه نهر دجلة، المستخدم كمصدر رئيسي للاستهلاك اليومي لملايين السكان.
هذا التحفّظ، بحسب مختصين، يثير تساؤلات جدية حول الشفافية، وحق المواطنين في معرفة مستوى المخاطر الصحية التي يتعرضون لها يوميًا.
وأكد مرصد العراق الأخضر أن نهر دجلة تحوّل فعليًا إلى مكب للنفايات، داعيًا إلى التدخل العاجل لمعالجة الأزمة، والحفاظ على ما تبقى من مياهه، لضمان بقائه مصدرًا صالحًا للاستهلاك البشري في العاصمة وبقية المحافظات.
خطوة حكومية محدودة
في مقابل هذه التحذيرات، أعلنت وزارة الإعمار والإسكان والبلديات العامة المباشرة بتشغيل محطة حمدان الاختبارية لمعالجة مياه الصرف الصحي في محافظة البصرة، ضمن الاتفاقية العراقية البريطانية، والمنفذة من قبل تحالف بريطاني.
وذكرت الوزارة أن المحطة ستعالج مياه الصرف المطروحة في شط العرب، على أن تُستخدم المياه المعالجة لأغراض الري الزراعي والثروة الحيوانية، مع إمكانية استخدامها بشريًا بعد التأكد من مطابقتها للمواصفات.
وبحسب الوزارة، تبلغ الطاقة الإنتاجية الحالية للمحطة 100 متر مكعب يوميًا، لأغراض الدراسة والتحليل، تمهيدًا لإنشاء محطة كبرى بطاقة تصل إلى 700 ألف متر مكعب يوميًا، بهدف الحد من تلوّث شط البصرة وتعزيز مصادر المياه المستدامة. كما أشارت إلى تنفيذ محطات اختبارية مشابهة في البصرة والديوانية وواسط والأنبار.
وفي الشهر الماضي، سجلت المناطق الصناعية في جانب الرصافة بالعاصمة بغداد، طفرة ناهزت 53 إصابة بحالات الفشل الكلوي بين المواطنين، جراء تلوث مياه الشرب، وسط تحركات من مجلس محافظة بغداد للكشف عن الأسباب ومحاسبة المقصرين.
وصرح عضو مجلس محافظة بغداد، علي خليل العامري، بأن المتابعات الميدانية للمجلس كشفت عن ارتفاع مقلق في حالات العجز الكلوي بين سكان المناطق الصناعية في قاطع الرصافة.
وأكد العامري تسجيل 53 حالة حتى الآن، مشيراً إلى أن هؤلاء المرضى لم يتلقوا العلاج المناسب الذي يتوافق مع خطورة حالتهم الصحية.
وأوضح العامري، عقب اجتماعه مع أهالي المناطق المتضررة، أن التحقيقات الأولية أثبتت أن السبب الرئيس وراء تلوث مياه الشرب هو مخلفات عدد من المصانع التابعة للقطاع الخاص، والتي تعمل بعيداً عن الرقابة الحكومية والإجراءات القانونية والبيئية المفروضة.
وأشار عضو مجلس المحافظة إلى أن الظروف المعيشية الصعبة دفعت بالعديد من المصابين إلى العزوف عن مراجعة الأطباء الاختصاصيين، واللجوء بدلاً من ذلك إلى شراء الأدوية من الصيدليات دون وصفات طبية، أو تلقي العلاجات والحقن من قبل أشخاص غير مرخصين طبياً، مما ضاعف من المخاطر على حياتهم.
أزمة أعمق من مشروع واحد
ورغم أهمية هذه الخطوات، يؤكد خبراء أن حجم التلوّث في العراق أكبر بكثير من أن يُعالج بمحطات محدودة أو مشاريع تجريبية، في ظل استمرار تصريف أكثر من 70% من مياه الصرف الصحي مباشرة إلى الأنهار، وتلوّثها بالمعادن الثقيلة والمبيدات والأسمدة، فضلًا عن تأثيرات التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة التي تزيد من تركيز الملوثات والملوحة.
لم يعد تلوّث المياه في العراق ملفًا بيئيًا هامشيًا، بل بات قضية صحة عامة وأمن وطني، تمسّ حياة المواطنين وكرامتهم، وتهدد مستقبل الزراعة والثروة الحيوانية والنظم البيئية، من الأهوار إلى شط العرب.
وبين تحذيرات المنظمات البيئية، وتقارير رسمية محجوبة، ومعالجات حكومية ما تزال جزئية، تبقى الحاجة ملحّة إلى إعلان حالة طوارئ مائية، ووضع ملف المياه في صدارة أولويات الدولة، عبر تشريعات صارمة، واستثمارات حقيقية في البنية التحتية، وشفافية كاملة تضع المواطن أمام حقيقة ما يشربه يوميًا.