اخر الاخبار

في ظل الأزمات الاقتصادية المتواصلة وارتفاع تكاليف المعيشة، يعاني عدد كبير من العمال المتعاقدين مع شركات خاصة تقدم خدماتها للمؤسسات الحكومية، من أجور متدنية لا تتجاوز في بعض الحالات 200 ألف دينار شهريا، رغم أن ساعات العمل اليومية قد تصل إلى الضعف من دون الحصول على تعويضات أو أية حقوق إضافية أو ضمانات وظيفية.

يقول سامي وليد، عامل في دائرة حكومية ببغداد "نحن نقضي ساعات طويلة في العمل، ونقوم بمهام ليست ضمن نطاق عملنا الأصلي، ومع ذلك يبقى الراتب ضئيلا ولا يتجاوز 200 ألف دينار شهريا، وهو بالطبع لا يكفي لتغطية أبسط احتياجاتنا اليومية. كل ما نتمناه هو أن يتم تثبيتنا على الملاك الدائم وتحسين أجورنا لتتناسب مع حجم الجهد الذي نبذله".

وتشير نجمة فرحان، عاملة في إحدى المستشفيات الحكومية، إلى وجود "تفاوت كبير في الأجور بيننا وبين الموظفين الدائمين، رغم أننا نقوم بنفس الأعمال تقريبا. نحن نعيش حالة من القلق الدائم بسبب عدم الاستقرار الوظيفي، وعدم وجود أي ضمان اجتماعي أو صحي".

وتفيد المواطنة نجمة بأنها تعمل كعاملة خدمة منذ 10 أعوام، ومؤخرا صدر قرار من وزارة الصحة بتثبيت عمال الخدمة نظرا لحاجة المؤسسة الصحية إليهم، إلا أن هذا القرار شمل فئة عمرية محددة، وتم استثناء العمال متوسطي الأعمار، على الرغم من أنهم يعملون منذ سنوات طويلة دون تثبيت على الملاك الدائم. وطالبت "بضرورة تثبيت جميع عمال الخدمة على الملاك الدائم أو إحالة كبار السن منهم إلى التقاعد العام أسوة بمتقاعدي الملاك العام".

وعن شمولها بالضمان الاجتماعي للعمال، أفادت بأنها تعمل في المستشفى وفق عقد عمل مع إحدى شركات القطاع الخاص، وأن صاحب الشركة يرفض شمولهم بالضمان الاجتماعي، على اعتبار أنهم عقود عمل، وفي أي لحظة قد تكون هناك قرارات حكومية بتثبيتهم على الملاك الدائم.

وتتراوح مدة عقود بعض العمال بين سنة وسنتين، وغالبا دون أي حقوق للتثبيت أو الترقية، مما يضعهم في وضع هش يجعلهم أكثر عرضة للاستغلال والتهميش. ويضيف مصطفى سامي، عامل في إحدى الدوائر الحكومية قائلاً "نحن لا نطالب بأكثر من العدل، أجر مناسب، وضمان مستقبلي. بين فترة وأخرى نسمع عن زيادة أو مكافأة مالية للموظفين الدائمين، بينما نحن نكافح بالكاد للبقاء".

من جانبها، تقول المحامية والخبيرة القانونية سماح الطائي، المتخصصة في قضايا العمال: "العمال المتعاقدون عبر شركات خاصة في المؤسسات الحكومية يواجهون انتهاكا واضحا لحقوقهم الأساسية، بما في ذلك حقهم في الأجر العادل والاستقرار الوظيفي. القانون ينص على ضرورة تطبيق الحد الأدنى للأجور وتوفير الحماية الاجتماعية، لكن التطبيق الفعلي ما زال ضعيفا. من الضروري أن تعمل الجهات الحكومية على تثبيت هؤلاء العمال على الملاك الدائم، أو على الأقل تحسين شروط عقودهم بما يضمن حقوقهم ويقلل من استغلال الشركات الخاصة لهم، خاصة وأن المؤسسات الحكومية التي يؤدون فيها خدماتهم بحاجة إليهم".

وتشير المحامية الطائي إلى أن "هناك فجوة واضحة بين ما ينص عليه القانون وبين الواقع العملي، حيث تعتمد بعض المؤسسات الحكومية على عقود شركات خاصة لتقليل النفقات، على حساب حقوق العمال وكرامتهم".

ويؤكد خبراء آخرون أن تجاهل حقوق العمال المتعاقدين لا يؤثر فقط على حياتهم المعيشية، بل ينعكس سلبا على جودة الخدمات المقدمة في المؤسسات الحكومية، فالعمال الذين يشعرون بالاستقرار والأمان الوظيفي يقدمون أداءً أفضل ويقل معدل الخطأ في أعمالهم، مقارنة بالعمال المتعاقدين الذين يعيشون حالة دائمة من القلق والتوتر.

إن مطالب العمال المتضررين تقتصر على تثبيتهم على الملاك الدائم، وتحسين أجورهم لتواكب حجم الجهد المبذول، وضمان حقوقهم الاجتماعية والصحية. ويؤكد العامل بصفة عقد في وزارة الكهرباء، أحمد طالب، أن "تحقيق هذه المطالب ليس رفاهية، بل ضرورة لضمان حياة كريمة، ولإبقاء المؤسسات الحكومية تعمل بكفاءة".

في الوقت ذاته، يرى مراقبون أن الاستمرار في الاعتماد على العمال المتعاقدين من خلال شركات خاصة دون تحسين أوضاعهم القانونية والمالية قد يؤدي إلى تصاعد الاحتجاجات والمطالبات الرسمية، وربما إلى تعطيل بعض الخدمات إذا شعر هؤلاء العمال بعدم جدوى صبرهم.

وأخيرا، تبقى قضية العمال المتعاقدين في المؤسسات الحكومية واحدة من أبرز الملفات الإنسانية والاجتماعية الملحّة، والتي تحتاج إلى تدخل حكومي عاجل لضمان حقوق هذه الفئة المهمة، وتحقيق العدالة بين جميع موظفي الدولة، وتوفير بيئة عمل آمنة ومستقرة تعكس قيمة العمل والجهد المبذول.