تشهد مدن عدة تصاعداً ملحوظاً في الحراك الاحتجاجي، تقوده شرائح مهنية وعمالية مختلفة، في مشهد يعكس تنامي حالة السخط الشعبي إزاء تأخر الاستجابة الحكومية لمطالب معيشية ووظيفية أساسية؛ إذ يطالب خريجو المهن الطبية والصحية بإطلاق أوامرهم الإدارية وتطبيق القوانين النافذة، فيما يسعى موظفو العقود لـ"المساواة" مع أقرانهم في الملاك الدائم، وصولاً إلى سائقي الصهاريج النفطية وسائقي الأجرة الذين يشكون من ضياع مستحقاتهم والجبايات غير المبررة.
وتسلط هذه الاحتجاجات ضوءا على عمق الإشكاليات الإدارية والمالية، وتضع الحكومة أمام اختبار جدي في قدرتها على احتواء الغضب الشعبي، عبر حلول واقعية وسريعة، قبل أن تتحول هذه المطالب المطلبية إلى أزمة اجتماعية أوسع تهدد الاستقرار العام.
تحشيد لتظاهرة أمام وزارة الصحة
وتستعد دفعة خريجي المهن الطبية والصحية لعام 2023 لتنظيم تظاهرة يوم غد الأربعاء، أمام وزارة الصحة، احتجاجاً على تأخير تعيينهم وتطبيق أوامرهم الإدارية.
وطالب الخريجون الحكومة بالتراجع عن قرار التدريب الخاص بهم، وتطبيق قانون رقم (6) لسنة 2000 وقرار مجلس الوزراء المرقم (24684)، وإطلاق الأوامر الإدارية فوراً، محملة المسؤولية القانونية والسياسية لكل من رئيس مجلس الوزراء ووزيري الصحة والمالية عن أي تبعات للتظاهرة.
أصحاب العقود يطالبون بالمساواة
فيما شهدت مدينة الكوت، مركز محافظة واسط، تظاهرة شعبية كبيرة نظمها موظفو العقود، المعروفون بـ "6000 درجة" وموظفو "الألف درجة"، إلى جانب ملاكات أخرى، للمطالبة بمساواتهم مع موظفي الملاك الدائم وصرف رواتبهم المتأخرة منذ شهرين.
وأكد المشاركون حقهم في الحصول على حقوقهم المشروعة ومساواتهم بزملائهم الدائمين، مؤكدين استمرارهم في التحرك السلمي حتى تحقيق مطالبهم.
أصحاب الصهاريج يتظاهرون
الى ذلك، نظّم العشرات من سائقي الشاحنات والصهاريج النفطية، وقفة احتجاجية في مدينة الموصل، مطالبين بصرف مستحقاتهم المالية المتأخرة، في وقت أعلنوا فيه استمرار الإضراب عن العمل لليوم الثامن على التوالي.
وقال مشاركون في الوقفة، التي أُقيمت في منطقة دورة بغداد جنوبي الموصل، إنهم "أعلنوا الإضراب بسبب ما وصفوه بالاضطهاد من قبل الحكومة المركزية"، مؤكدين أنهم "لم يتسلموا مستحقاتهم منذ نيسان/ أبريل 2025 وحتى اليوم".
وأوضح المحتجون أنهم "يمثلون آلاف السواق ويعملون في نقل النفط الخام إلى محافظة البصرة، إضافة إلى نقل المشتقات النفطية الأخرى"، مشيرين إلى أن "اقتصاد البلاد يعتمد بشكل أساسي على النفط، ومع ذلك لم تُصرف حقوقهم المالية".
وأضافوا أن "الشركات المتعاقدة ترفض صرف المستحقات بحجة عدم تسلمها الأموال من الحكومة، في حين تؤكد الجهات الحكومية أنها قامت بصرفها"، متسائلين عن "مصير تلك الأموال التي ضاعت بين الشركات والحكومة"، على حد تعبيرهم.
وأشار المحتجون إلى أنهم "سيواصلون الإضراب لحين تحقيق مطالبهم"، محذرين من "أزمة محتملة خلال الأيام المقبلة نتيجة توقفهم عن العمل، فضلاً عن معاناتهم من مشاكل في التصاريح الأمنية الخاصة بحركة الصهاريج نحو المحافظات الجنوبية، والأعباء المالية المترتبة عليهم في ساحات الانتظار بمحافظة البصرة أثناء تفريغ النفط".
جباية غير مبررة
كما نظّم العشرات من سائقي مركبات الأجرة العاملين على خط بغداد – كركوك، تظاهرة احتجاجية طالبوا خلالها الجهات المعنية بالتدخل العاجل لوضع حد لما وصفوه بـ"تجاوزات السيارات الخصوصية" التي تقوم بنقل المسافرين بصورة غير قانونية، فضلاً عن اعتراضهم على الجبايات المفروضة عليهم وإغلاق أحد مداخل المدينة بسبب أعمال النفق.
وقال السائق محمود عباس، إنّ "السيارات الخصوصية باتت تنافسنا بشكل مباشر، وتنقل المسافرين من دون أي رقابة أو التزام بالقوانين، الأمر الذي تسبب بخسائر مادية كبيرة لسائقي الأجرة الذين يعتمدون على هذا الخط كمصدر رزق وحيد".
وأضاف أن "سائق الأجرة ملتزم بتسعيرة رسمية ورسوم ووقود وصيانة، في حين تعمل السيارات الخصوصية خارج هذه الضوابط، ما يشكل ظلماً واضحاً لنا"، داعياً الجهات الأمنية والمرورية إلى "تكثيف حملاتها لمنع هذه الظاهرة التي تفاقمت خلال الأشهر الأخيرة".
إلى ذلك، أكد السائق سعدون حسين، أن "المشكلة لا تقتصر على السيارات الخصوصية فقط، بل تشمل أيضاً الجبايات غير المبررة التي تُفرض على سائقي الأجرة في نقاط مختلفة، من دون سند قانوني واضح"، مشيراً إلى أن "هذه الجبايات تستنزف جزءاً كبيراً من دخل السائق اليومي".
وأوضح أن "إغلاق باب الدخول المؤدي إلى كركوك بسبب أعمال النفق زاد من معاناة السائقين، حيث اضطروا إلى سلوك طرق بديلة أطول، ما أدى إلى زيادة استهلاك الوقود وتأخير وصول المسافرين"، مبيناً أن "هذا الوضع انعكس سلباً على حركة النقل وعدد الرحلات اليومية".
ورفع المتظاهرون لافتات تطالب بتنظيم قطاع النقل بين بغداد وكركوك، وتفعيل دور المرور في محاسبة المخالفين، إلى جانب إيجاد حلول بديلة مؤقتة لتخفيف آثار إغلاق الطرق، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها السائقون".
وأكد عدد من المحتجين أن "استمرار هذه المشاكل قد يدفع بعض سائقي الأجرة إلى ترك العمل"، محذرين من "تداعيات ذلك على حركة النقل بين المحافظتين، خاصة مع الاعتماد الكبير للمواطنين على سيارات الأجرة في التنقل اليومي".
ودعا السائقون الحكومة المحلية ووزارة النقل إلى "عقد اجتماع عاجل مع ممثليهم للاستماع إلى مطالبهم، والعمل على وضع آليات واضحة تضمن حقوق سائقي الأجرة، وتنظم عمل النقل، بما يحقق العدالة ويمنع استغلال المسافرين أو الإضرار بمصالح العاملين في هذا القطاع الحيوي".