يضطر آلاف من العراقيين، كبارا وشبابا وصغارا من كلا الجنسين، إلى العمل على الأرصفة باعة جوالين مؤقتين، لتأمين لقمة العيش بالحد الأدنى.. عربات أطعمة ومشروبات، بسطات ملابس وأدوات منزلية وفاكهة وخضراوات، إضافة إلى من يتجول على قدميه ليبيع حاجات بسيطة على المارة.. هذا المشهد يكشف عن ملامح واضحة للفاقة والبؤس، ويؤشر فشل الحكومات المتعاقبة في تأمين حياة كريمة للمواطن – حسب ما يرى مراقبون للشأنين الاقتصادي والمجتمعي.
وبينما تحوّلت أرصفة، وحتى أجزاء من الشوارع في مراكز المدن، إلى ملاذ أخير لعائلات أرهقتها البطالة وغلاء المعيشة، لا تتوانى الدولة وأجهزتها البلدية عن شن حملات واسعة لإزالة البسطات والأسواق العشوائية، كإجراء لتجميل المدن وإنهاء التجاوزات، دون أن ترافق ذلك حلول بديلة تحمي تلك العائلات من قسوة ظروف المعيشة.
لا خيارَ آخر!
محمد عبد العباس، بائع فاكهة في الباب الشرقي، يقول لـ"طريق الشعب": "لا خيار لي ولأمثالي سوى البسطة. لم أحظ بعمل مناسب، لا أتقاضى راتبا، ولا أجد أدنى دعم من الدولة. مهنتي هذه آخر ملاذ لي ولعائلتي، وإلا سنموت جوعا!".
ويضيف قوله أن "الحكومة تتحدث عن الحماية الاجتماعية بثقة عالية، وعن عملها الدائب على تأمين العيش الكريم للمواطن.. لكن أيّ حماية هذه وراتبها لا يكفي أسبوعا واحدا في ظل غلاء معيشي وخدمي متصاعد.. أيّ حماية والأزمات تتابع واحدة أشد من سابقتها؟!"، مشيرا إلى أن "أكثر ما تُبدع فيه الجهات الحكومية، هو إنهاك الفقير وجعله يشعر بالقلق على الدوام، لا بل إفقاره أكثر! ففي أي لحظة قد تُزال بسطتي على يد البلدية بلا بديل معيشي".
ويُبدي عبد العباس قلقا شديدا من قادم الأيام: "أيّ أزمة سنواجه والدولة، بفعل فشلها في إدارة القطاع الاقتصادي، بدأت تتوجه إلى تقليل الرواتب وإغلاق التعيينات وفرض مزيد من الضرائب والرسوم وزيادتها؟!".
وتشير أرقام وزارة العمل والشؤون الاجتماعية إلى أن مليارات الدنانير تُنفق سنويًا لدعم الفقراء والعاطلين عن العمل وذوي الدخل المحدود، لكن في الواقع لا يصل هذا الدعم، على قلته، إلى كثيرين من مستحقيه!
البسطات مرآة لفقراء المستهلكين!
على حين يعمل أصحاب البسطات والباعة الجوالون في ظروف مناخية صعبة تحت الشمس والمطر، لكسب الحد الأدنى من قوت يومهم، يتجلى وجه آخر لهذه المعاناة المعيشية في البلاد، يتمثل في المواطن الفقير ومحدود الدخل، وهو الزبون الدائم لتلك البسطات، كونها تبيع بأسعار أقل.
يقول جبار الثامر، المتابع للشأن الاقتصادي: "تكثر البسطات والمطاعم الجوالة في مناطق يقطنها الفقراء ومحدّودو الدخل، لأن هؤلاء الزبائن لا يستطيعون شراء المواد الغذائية أو الملابس من المحال التقليدية ذات الأسعار المرتفعة، فيضطرون للجوء إلى السوق الموازي".
ويضيف لـ"طريق الشعب" قائلا أن "هذا الواقع يعكس ضعف القوة الشرائية للمواطنين، ويُظهر كيف أن البسطات، رغم كونها وسيلة عيش للبائع، تتحول في الوقت نفسه إلى مؤشر على مستوى معيشة هش وغائب عنه الحد الأدنى من الضمان الاجتماعي".
ويشير الثامر إلى أن "بعض ما يُباع في تلك البسطات، ليس خاضعا للشروط الصحية، ومن ذلك الأطعمة والعصائر التي تُعرض مكشوفة في الهواء الطلق. لكن الزبون الفقير يضطر إلى الشراء منها، مثلما يضطر البائع إلى العمل في هذه الأجواء غير الصحية. فالعامل المشترك بين الاثنين هو الفقر"!
بسطات تُزال وأخرى محمية!
ليس كلّ البسطات على حد سواء. ففي فضاء الباعة الجوالين توجد طبقة محمية تعمل بأريحية، وأخرى تعيش قلقا دائما من "الوحش الأصفر"! هناك بسطات في مناطق راقية أو حيوية لا تقترب منها فرق البلدية أو الرقابة الصحية، لأنّ وراءها جهة حزبية أو شخصية نافذة أو جماعة مسلحة تفرض وجودها في المكان – وفقا لما يذكره الخبير في الشأن البيئي عادل المختار.
إذ يقول في حديث صحفي أن "البسطات تتحوّل أحيانا إلى علامة نفوذ أكثر منها مجرّد مصدر عيش، وتُستَخدم في بعض الأحيان كغطاء لاستيفاء جباية من بقية الباعة، أو لتثبيت الحضور في شارع أو ساحة معيّنة".
وبينما تُحظى بسطات بالدعم من جهات نافذة، تترك البسطات الأخرى، وهي الأغلب، فريسة للابتزاز.
إذ يُمكن مصادرة عربات الباعة أو طاولاتهم في أية لحظة، على يد حملة بلدية.
أو انهم يُلزمون بدفع مبالغ بشكل غير رسمي، مقابل السماح لهم بالوقوف – حسب مراقبين، يرون أن الرقابة لا تتحرّك حيث يجب، بل حيث تستطيع فقط، والقانون يُطبَّق على الأضعف ويتوقف عند حدود الأقوى، فيُستنزف الفقير مرّتين، مرة أمام الغلاء المعيشي وغياب فرص العمل، وأخرى أمام الابتزاز والمخاطر الصحية في المكان الذي يعمل فيه ويأكل منه الناس!
ماذا لو أصبحت البسطات أسواقا حضارية؟!
يتساءل متابعون للشأنين الاقتصادي والاجتماعي، لو أن ملف الحماية الاجتماعية يُدار بعدالة وشفافية، وتُخصص له مبالغ جيدة، ولو وجد برنامج وطني جاد لدعم المشاريع الصغيرة، هل كانت الأرصفة، وحتى الشوارع، ستتحوّل إلى أسواق عشوائية غير مُنظمة وغير ملتزمة بالشروط الصحية؟!
عن ذلك، يقول الاختصاصي في الاقتصاد عزيز حمد، أن "البسطات يُمكن أن تتحول إلى نموذج حضاري فيما إذا نُظمت بشكل صحيح، لا أن تُطارد دون حلول لأزمات المعيشة"، مبيّنا في حديث لـ"طريق الشعب"، أنه "يمكن تحويل البسطات إلى مشاريع صغيرة نظامية مُرخصة. وهذا يتطلب دعما حكوميا حقيقيا، كأن تُمنح قروض ميسرة لأصحاب المشاريع، مع تخصيص أماكن لعملهم، إلى جانب تدريبهم على السلامة الغذائية والإدارة المهنية الصحيحة".
ويتابع حمد قائلا: "كذلك يتطلب الأمر إقامة أسواق شعبية حضارية، مثلما هو الحال في دول كثيرة، تُشمل بالخدمات العامة وتخضع للرقابة والمتابعة من قبل الجهات المعنية"، لافتا إلى أن "هذا الإجراء سيحقق أمرين مهمين، الأول تأمين فرص عمل كريمة لأصحاب البسطات، والآخر جعل تلك الأسواق نظامية حضارية بدلا من العشوائيات وما تُخلفه من أضرار صحية وبيئية".
وينوّه إلى أن "استمرار الفقر والبطالة وغياب السياسات الاقتصادية المدروسة لدعم الشرائح الهشة، كل ذلك يجعل من البسطات والأسواق العشوائية أمرا حتميا. وان أي حملة إزالة لوسائل المعيشة تلك، بلا بدائل، لن تنجح أبدا في حل المشكلة، إنما تُفاقم المعاناة. وللأسف، هذا ما يجري الآن"!
جدير بالذكر، أن أمانة بغداد أعلنت السبت الماضي عن خطة شاملة لتحديث العاصمة واستكمال جميع الحملات السابقة، مشيرة إلى أن الخطة ستتضمن استحداث مرافق ترفيهية ومتنزهات وإنشاء أسواق لأصحاب المهن البسيطة.