اخر الاخبار

يقول الشاعر الشيوعي الراحل عبدالله كوران:

كرديٌّ وكيسُ تبغ

حفنةُ زبيبٍ وبندقية

ثم صخرة

وليأتِ العالم

في مثل هذه الأيام، وقبل 65 عاماً، حمل المقاتلون الكرد، الذين أُغلقت بوجههم السبل، بنادقهم دفاعاً عن حقهم في الحرية والعدالة، وقدموا على مر السنين عشرات الآلاف من الشهداء، وتضحيات بلا حدود، وضربوا من الأمثلة البطولية ما بات مشرقاً في تاريخ بلادنا والمنطقة، ذلك التاريخ الذي سجّل أيضاً أجمل صور التلاحم بين أطياف الشعب في النضال ضد الطغاة، بغض النظر عن مناهجهم في الاستبداد والشوفينية.

ورصّعت المواقف الوطنية والأممية للشيوعيين العراقيين تلك الصور ومنحتها ألقاً، مذ أقرّ الحزب بحق الشعب الكردي في تقرير المصير، وزيّن شعار الاستقلال الذاتي لكردستان الصفحة الأولى لأول صحيفة مركزية له "كفاح الشعب". ومذ كان الحزب أول من وضع صيغاً عملية لتطبيق هذا الشعار وفق الظروف الجيوسياسية الملموسة، ومذ خاض الشيوعيون، بغض النظر عن الانتماء القومي لعوائلهم، كل أشكال النضال، المسلح والسياسي والجماهيري، من أجل حل عادل للقضية، مجسّدين عملياً وحدة العرب والكرد والتركمان والكلدوآشورسريان في أبهى صورها، وداعين لحمايتها وتعزيزها.

واسترشد الحزب في اتخاذ هذه المواقف بالبيان الشيوعي، الذي أشار إلى أن القضاء على استغلال الإنسان للإنسان سيقضي بدوره على استغلال أمة لأمة أخرى، وأكد وجود ارتباط جدلي بين حق تقرير المصير وبين الأممية البروليتارية، فحين تتحرر الأمة المضطَهدة، تضعف الطبقات المهيمنة في الأمة القمعية، وتنتهي التناقضات الداخلية، ويتعزز النضال الثوري للعمال، فيتمكنون، في الأمتين، من تحديد عدوهم المشترك: الرأسمالية.

وأسترشد الحزب أيضاً بالمقولات اللينينية التي كشفت عن العلاقة الجدلية بين الأممية وبين الديمقراطية، وأكدت أن وحدة البروليتاريا مع الشعوب المستعبدة يتطلب ضمان حقوق هذه الشعوب، كي يتم الفصل بين الاضطهاد البرجوازي الأسود والإخاء البروليتاري الناصع، ليتحقق الاندماج الطوعي.

كما نقّى الحزب دوماً مساره من التعامل المطلق مع حركات الشعوب المستعمرة، باعتبارها حركات برجوازية انتهازية غير قادرة على الوفاء لحلفائها من العمال، ومن محاولات إغفال الأيديولوجية القومية لهذه الحركات، المشبعة بتأثيرات الثقافة والتعصب العرقي، فضلاً عن تمسكه بأسبقية الوحدة البروليتارية على النضال القومي، ونبذه أفكار التعالي والتفوق العنصري، التي اعتبرها لينين خيانة للشيوعية وضرراً بالغاً بنضال البروليتاريا.

ولهذا، يفخر الشيوعيون العراقيون بأنهم أول من طرح الفيدرالية كتعبير عن حق تقرير المصير للشعب الكردي في الحقبة التاريخية الراهنة، التي تشهد تحكّم الرأسمالية المعولمة بالحياة الاقتصادية والاجتماعية للدول الوطنية، هذا التحكم الذي بات يُفقدها حقها في إدارة اقتصادها الوطني، وبالتالي سيادتها واستقلالية قرارها، حتى لم يعد قيام الدولة الوطنية وحده تعبيراً عن حق الأمة في تقرير مصيرها، فيما يمكن أن توفر وحدة الشعوب في نظام فيدرالي دولةً قوية وقادرة على الصمود ضد الهيمنة، وضامنة للحريات والعدالة وخالية من مخاوف التبعية واللامساواة والاستغلال، خاصة إذا ما تم تأمين مستويات مهمة من المصالح المشتركة، وتكافؤٍ في توزيع الثروات والسلطات. ويواصل الحزب ثقته بهذه الصيغة لحق تقرير المصير ويدافع عنها، ويدعو للتقيد بالقوانين التي تنظمها، وتشريع القوانين التي تعززها.

يذكر الراحل عزيز سباهي في كتابه عن تاريخ الحزب أن الشهيد سلام عادل قدم مجموعة مقترحات في أواخر 1960 لحل القضية الكردية، تضمنت تطبيق الحكم الذاتي لكردستان بكل ما يتطلبه ذلك.

كم من الدماء والدموع، كان يمكن تجنبها، وكيف كانت ستسير الأحوال منذ ذلك اليوم، لو تم الإصغاء للشهيد الخالد؟ ومتى تتم الاستفادة من دروس الماضي؟!!