إن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر في 1-2 أيلول 2026 يمكن وصفها بالتاريخية، لأسباب عدة وليس لمجرد أنها أول زيارة لرئيس صيني إلى مصر منذ عشر سنوات، من أهمها أنها جاءت في ظرف تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط نزاعات وحروبا بالغة الخطورة وذات عواقب وخيمة على شعوب المنطقة وذات تداعيات أمنية واقتصادية على العالم أجمع، وفي لحظة تحول في النظام الدولي والإقليمي، كما تستمد الزيارة خصوصيتها التاريخية من أنها حملت مخرجات ونتائج تتعدى في دلالاتها العلاقات الثنائية المصرية - الصينية.
فمن أبرز المخرجات الملموسة الزيارة توقيع 25 اتفاقية ومذكرة تفاهم ثنائية شملت مجالات الاقتصاد والتجارة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وفي مجال البنى التحتية والأمن والتعاون العسكري. ولعل ما هو أكثر دلالة من الناحية السياسية والاستراتيجية ليس للبلدين وحسب، وانما على النطاق الاقليمي أنها نقلت العلاقة والتعاون بينهما إلى مستويات أعلى وأعمق من أي فترة ماضية. ويتجلى ذلك بشكل خاص في ربط "رؤية مصر 2030" بمبادرة الحزام والطريق، وفي التصنيع والنقل والطاقة الخضراء، وهي من مجالات التنمية الاقتصادية الطويلة الأجل، وفي السياق نفسه، نقلت الاتفاقات التي وقعت التعاون من مجال التجارة والبنى التحتية إلى مجال الاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا الجديدة، كما تزايد التعاون على الصعيد الأمني والعسكري اشرته التدريبات الجوية المشتركة الصينية- المصرية وظهور أحدث الطائرات المقاتلة الصينية لأول مرة في سماء افريقيا.
وعبر البيان المصري-الصيني المشترك الذي صدر عن الزيارة رفض البلدين للأحادية والتدخل الخارجي والتأكيد على تعميق الشراكة الاستراتيجية، فيما شدد الرئيس الصيني على التعاون بين دول الجنوب من أجل الدفاع عن سيادتها وتقرير شؤونها بحرية واستقلالية.
إن مخرجات زيارة الرئيس شي جين بينغ يمكن اعتبارها بمثابة تطبيق محدد للمبادرات الأربع التي أطلقها منذ عام 2022 ؛مبادرة التنمية العالمية عام 2021 ، مبادرة الأمن العالمي عام 2022، مبادرة الحضارة العالمية 2023 ومبادرة الحوكمة العالمية عام 2025، التي تركز على خمسة مبادئ : المساواة في السيادة، سيادة القانون الدولي، التعددية، النهج المتمحورة حول الإنسان، والعمل الفعلي، والتي نجدها حاضرة في المواق السياسية المشتركة وفي مضامين الاتفاقات التي تؤكد على التنمية والسعي نحو الحل السلمي للنزاعات والعمل على اصلاح قواعد ومؤسسات النظام الدولي التي لم تعد تنسجم مع التغييرات التي شهدها في موازين القوى وتوزيعها مع صعود بلدان الجنوب وتنامي وزنها وتأثيرها السياسي والاقتصادي والذي لم ينعكس في بنية النظام الدولي وقواعده التي وضعت بعد الحرب العالمي الثانية.
فالمبادرات الأربع مترابطة ومتكاملة تشكل مسارات عملية لتحقيق رؤية الصين التي صاغها الرئيس شي جين بينغ في بناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية. وتقدم زيارة شي جين بينغ إلى مصر، مثالا في كيفية ترجمة الطرح النظري الذي تمثله المبادرات الأربع إلى مشاريع ومؤسسات واتفاقيات في العلاقات الثنائية مع الدول.
إن مخرجات زيارة شي جين بينغ إلى مصر وميادين التعاون المتقدمة والشراكات الاستراتيجية في مجالات التنمية الشاملة ونقل التكنولوجيا الجديدة والبيئة تستحق الدراسة المعمقة للاستفادة من فرص الدعم التنموي التي تقدمها المبادرات الأربع ومبادرة الحزام والطريق، ويفترض أن تكون هذه القضايا محور اللقاءات بين قادة البلدين.