يبدو أن بعض "اليساريين" ممن تحولوا إلى مواقع الليبرالية، أحوج ما يكونون لفهم ادعاءاتها عن الحرية والحق في الاختلاف، والكف عن تخوين المعارضين لهم، أو التشديد على أنه لا ديمقراطية من دون ليبرالية، وأن الحديث عن الإمبريالية والهيمنة والتفاوت الطبقي ونهب الشعوب واسترقاق البلدان يشبه كثيراً حكايات الجدات عن السعالي والغيلان، فضلاً عن أن المساواة بين البشر وتحريرهم من الاستغلال الذي يفقدهم آدميتهم محض هراء، لأنها ببساطة "قضايا تتناقض مع الفطرة الإنسانية".
ويعود السبب الأبرز لهذه الدوغمائية، في ظني، إلى أن التحول لم يأت نتاجاً لمراجعة نقديه للفكرة وللتنظيمات التي بُنيت على ضوئها، وتلمس مواطن الخلل في سفينة اليسار والعمل على إصلاحها قبل معاودة الإبحار من جديد، بل جاء بسبب جزع أفرزه انهيار تجربة الاشتراكية الواقعية.
وأول دليل على صدق ذلك، عدم حاجة الكثيرين من هؤلاء إلى فترة من الزمن ولتأمل عميق قبل الانتقال إلى مواقع الخصوم، لاسيما والشقة بين المواقع أكثر اتساعاً مما يتخيلون. أما الدليل الثاني، فيتعلق بالتزكيات المجانية التي يمنحها هؤلاء للإمبريالية، متخلين عن رأيهم فيها، وكان رأياً صائباً، بوصفها العدو الأكثر شراسة للشعوب وقضاياها في التحرر والعدالة. والغريب حدوث ذلك بسرعة لم تمكّنهم حتى من الانتباه إلى أن قيم الحرية وحقوق الإنسان والمجتمع المدني هي أصلاً قيم يسارية متداخلة ومتفاعلة مع رفض الاستغلال ونهب فائض القيمة وأنسنة علاقات الإنتاج، قبل أن يختطفها اليمين ويدّعي تبنيها بعد أن أفرغها من مضامينها الحقيقية، تلك التي أثبتت عشرات التجارب صعوبة تحقيقها من دون تغيير علاقات الملكية وانتزاع السلطة من الرأسماليين.
أما الدليل الثالث، فهو إصرار البعض على أن لا خيار، فإما ستالينية وإما ليبرالية، حتى بات أقرب للأولى، مبدياً يقيناً أيديولوجياً وتفكيراً إطلاقياً، وهو يتعبد في محراب جون لوك وفريدمان من دون أن يفقه تعاويذهما، فيما يعلن اليساري عن قدرته على نقد الماركسية وإيجاد بدائل لما شاخ منها، مسترشداً بما فعله مؤسسوها، دون أن يتخلى عن فضح جرائم الرأسمالية أو رفضه لوجودها.
إن الإدعاء بأن أفكار اليسار تناقض الفطرة الإنسانية فرية مضحكة، لأن البشر قبل ظهور الملكية كانوا منسجمين مع فطرتهم، لكنهم صاروا بحاجة للدفاع عنها حالما بدأ التقسيم الطبقي للمجتمع، فأنشأوا اليسار، الذي تطورت أشكاله ومضامينه. كما أن المساواة في الحريات بين من يُجبر على بيع قوة عمله وبين من يملك وسائل الإنتاج فرية أخرى، لأن حرية الامتناع عن قبول العلاقة الاستغلالية في العمل تعني حرية اختيار الموت جوعاً. وتتضح أكذوبة الحرية والمساواة أيضاً في اغتراب العامل وعجزه عن توظيف الضرورة لصالحه، وفي التفاوت الهائل بين مكانته ومكانة الرأسمالي أمام الدولة والقضاء والمؤسسات الحامية للحقوق.
لقد تركت هذه التحولات المحزنة تأثيرات سلبية على اليسار، سواء بتزامنها مع صراعه من أجل صيانة نقائه الثوري، وتجديد خطابه الفكري والسياسي وبنائه التنظيمي، أو بما ينجم عنها من مخاطر تطبيع فكرة القبول بالرأسمالية، التي تُعدّ مناهضتها القاعدة الأساسية ليسارية المرء ولتطوره الفكري، والبوصلة التي ترشده وتحدد هويته، أو بإعاقتها، لاسيما في بعض الدول التابعة. نمو ليبرالية حقيقية يمكن أن تساهم في مواجهة العتمة التي ينشرها اليمين، وفي التنوير وإنعاش القدرة على إعمال العقل في المسلمات، وتبني المفيد ونبذ ما يؤبد التخلف.
وأخيراً، فإن أغلبية قوى اليسار مازالت تدعو الجميع للتعاون لإنجاز ما هو مشترك، لأنها تؤمن بحرية الاختلاف، وبأنه لا يفسد للود قضية.