ما أن تخرج من بيتك ذاهباً إلى عملك أو لمراجعة دائرة ما ومع بداية الدوام المدرسي، إلاّ وتقف حائراً ازاء الاختناقات التي تؤخرك حتما عن الموعد المحدّد !
تأفّفٌ، وتذمّرٌ، وحوادث مرورية كلّ صباح بسبب هذه الاختناقات .
يوم أمس وأنا خارج الى العمل مبكّراً جداً لتلافي الازدحام والتأخير، عدت بذاكرتي إلى أيام طفولتنا وصبانا، حيث كنّا نعرف العربات (سيّارات الأجرة والحمل من التاكسيات والباصات) بأسماء سائقيها، وهم لا يتعدّون عدداً أصابع اليدين، باص صمد لوفان الذي ينقل الركاب بين مركز القضاء ورأس البيشة وبين القضاء ومركز المحافظة أيضاً، وتاكسي أيوب أبو هشام الــ 59 جنح، ولوري الحاج طه، وهكذا!
كانت عربات النقل تتكون من باصات مرسيدس أبو عرّام، وباصات خشب، وتاكسيات 56 و59 شوفرليت وفولكا وغيرها!
حينها لم يكن الشارع مزدحماً أبداً، فبين آونة وأخرى تمرّ سيارة، ولم تكن هناك تجاوزات على الشوارع وأماكن التوقّف والعبور والانتظار والكراجات والاجتياز المخالف (رونك سايد) أو من جهة اليمين، الكل يحترمون بعضهم وجميعهم يحترمون القانون، خاصة قانون المرور الذي صار الجميع الآن (مواطنون ومسؤولون) يخرقونه للأسف!
حين اشتعلت نار الحرب العراقية الإيرانية ونزحنا إلى مركز البصرة، لم تكن هناك سيارات كثيرة أيضاً فكنا نقطع المسافة بين 5 ميل والعشّار في أقل من ربع ساعة!
اليوم وبعد انفتاح الحدود على كل شيء، حيث دخل الإرهابيون والقتلة مثلما دخلت وما تزال تدخل المخدّرات، كذلك السيارات التي ازدادت أعدادها بشكل لا يُصدّق، حتى أثقلت كاهل شوارعنا، التي لم يطرأ عليها تغيير منذ سبعينات القرن الماضي!
سيارات من شتى المناشيء دخلت عن طريق المستوردين والشركة العامة للسيارات ومنافذ أخرى، وسبّبت وما تزال الكثير من المشاكل والأزمات، إضافة إلى الشاحنات التي تملأ الشوارع الخارجية والداخلية، مسبّبة إرباكاً في السير وحوادث مرورية أودت بحياة الكثيرين !
حتى صرنا لا نستطيع الوصول إلى أماكن عملنا إلاّ بشقّ الأنفس.
نعم، الحضارة مطلوبة ومسايرة الواقع والتقدّم العلمي والتكنولوجي مطلوبة أيضا، لكن وفق دراسة وتخطيط ميدانيَين لكل شيء!
في كل بلدان العالم يكون عدد السيارات موازياً للشوارع كي تستوعبها، حيث يجري فتح شوارع جديدة وبناء مجسّرات وأنفاق لتخفيف الازدحامات والحد من إرباكات السير !
أمّا نحن فلم نفتح شوارع جديدة لكن أدخلنا كل موديلات السيارات حتى التي لم تنزل للسوق بعد!
وقمنا بإنشاء مجسّرات وأنفاق لكن تركناها غير مكتملة وأربكنا السير وخلقنا أزمات مرورية جديدة!
إذا أردنا حلَّ هذه المشكلة علينا أن نضع دراسة جادّة بشكل حقيقيّ جداً ــ لا دعاية انتخابية ــ لكي تستوعب شوارعنا العربات التي تسير فوقها .