اخر الاخبار

ليس أدق من القول إن القوى المتنفذة لا تخشى تغيير الحكومات. فالحكومات     تنتجها محاصصتهم، وهي تتبدل حسب حاجاتهم كمتحاصصين، وحسب تغير الظروف المحيطة بهم.

إنما تخشى تلك القوى قيام الدولة. فالدولة الحقيقية تعني قانوناً يعلو على كل شيء ويطبق على الجميع، ومؤسسات لا تخضع للمحاصصة، وإدارة تقوم على الكفاءة، وقضاءً لا يتوقف عند حدود النفوذ. وعندها تصبح الامتيازات التي راكمتها الطغمة مهددة بالزوال.

لهذا فإن ما كان يبدو طوال السنوات الماضية عجزاً عن بناء الدولة، لم يكن في جوانب واسعة منه عجزاً، بقدر ما كان خياراً سياسياً. فتعطّل الدولة لم ينجم عن الفشل، وإنما كان جزءاً من آلية إنتاج السلطة والثروة.

ذلك ان الدولة القوية تُقيد النفوذ غير المشروع، بينما الدولة المعطلة تفتح الأبواب أمام تقاسم الغنائم، وتحويل المؤسسات إلى ساحات نفوذ، والقانون إلى أداة انتقائية.

من هنا أيضاً يمكن فهم التشظي الذي يطبع المشهد السياسي. فهو ليس مجرد فوضى أو انقسام عابر، وانما يؤدي وظيفة محددة. اذ ان ما يظهر من الخارج كتشتت وصراع، يخفي في الداخل نظاماً محكماً لتوزيع السلطة والثروة والأدوار. فالتشظي اذن هو أحد أشكال إدارة الغنيمة.

ولم تكن الطائفة، بوصفها مكوِّناً اجتماعياً وثقافياً أصيلاً من مكونات المجتمع العراقي المتعدد والمتنوع، سبباً للصراع. وما شهده العراق لم يكن صراعاً بين أبناء الطوائف، وإنما صراع  بين قوى سياسية اتخذت من الطائفية أداةً للاستيلاء على السلطة، ولتقاسم الثروة وإدامة النفوذ.

فالنهب هو الجوهر، والطائفية هي الغطاء الأيديولوجي الذي مُرِّرت باسمه مشاريع الهيمنة وتقاسم الغنائم.

هكذا انشغل المواطنون بمعارك الهوية، فيما كانت الطغمة تتقاسم الدولة ومقدراتها. ومن يقرأ المشهد بوصفه صراعاً بين الطوائف، يكرر الرواية التي صاغتها تلك القوى، ويغفل حقيقة أن الصراع كان على السلطة والثروة، لا بين أبناء المكونات العراقية.

وهكذا اخذ الحكم في العراق يتجه نحو هيمنة أقلية داخل الأقلية، "أوليغارشية"  تحتكر القرار والثروة، وتستند في نفوذها إلى ركيزتين لا تنتميان إلى الدولة: السلاح المنفلت، والمال السياسي. الأول يفرض ما يعجز القانون عن فرضه، والثاني يشتري ما لا يستطيع السلاح انتزاعه. وهكذا تتكون سلطة لا تستمد قوتها من المؤسسات، وإنما من قدرتها على البقاء خارجها.

لهذا، فإن معركة العراقيين ليست مع حكومة بعينها، ولا مع فاسد هنا أو هناك، وإنما مع طغمة حكم ارتبط وجودها بإبقاء الدولة ضعيفة. ذلك انها لا تستطيع احتكار السلطة والثروة والنفوذ إلا مع  تراجع سلطة القانون، وضعف المؤسسات، واتساع مساحات المحاصصة.

لهذا فإن قيام الدولة لا يعني إصلاح الإدارة وحسب، بل ويعني نهاية نظام الغنائم، وسقوط الحصانات، وتحول السلطة من امتياز خاص إلى مسؤولية عامة.

إن معركة العراقيين ليست مع حكومة، بل مع طغمة جعلت من ضعف الدولة شرطاً لبقائها. فكل خطوة نحو دولة القانون هي خطوة في الاتجاه المعاكس لنظام الغنيمة. وكل مؤسسة تستعيد استقلالها تُضيّق المساحة التي تتحرك فيها الأوليغارشية.

لهذا تخاف الطغمةُ الدولة.