ظاهرة الفساد التي تعاظم انتشارها في معظم مفاصل الدولة وتوسع منظوماته ودعائمه المسلحة وضعت العراق في مقدمة الدول الأكثر فسادا في التقارير التي تنشرها منظمات الأمم المتحدة وتقارير المؤسسات المالية الدولية فضلا عما تنشره تقارير الأجهزة الرقابية الوطنية وبينها هيئة النزاهة الوطنية وديوان الرقابة المالية ولجنة النزاهة البرلمانية، وكل هذه التقارير عجزت عن تحفيز الحكومات التي تعاقبت على منصة الحكم منذ عام 2003 لتتخذ الإجراءات القانونية لاجتثاث الفساد الذي تجذر منذ ثلاثة وعشرين عاما في كل مفاصل الدولة وانعكست آثاره المدمرة على الاقتصاد والمجتمع في نفس الوقت.
ومن الصعب الدخول في تفاصيل كافة التقارير التي أشرنا اليها والتي تؤكد بدون لبس أن العراق وبسبب من تفاقم ظاهرة الفساد ومنظوماتها وعجز الحكومات المتعاقبة عن مطاردة الفاسدين بينهم قادة سياسيون ورؤساء كتل برلمانية وبرلمانيون ووزراء سابقون ولاحقون نزولا عند مختلف المناصب الحكومية، ذاهب إلى المجهول مما جعله والحالة هذه محط أنظار الدول القريبة والبعيدة التي تتحين الفرص لتوظيف هذه التداعيات والسعي الجاد للهيمنة على مقدراته الاقتصادية ومزاياه الجيوسياسية بالاستعانة بركائزهم السياسية والطائفية.
ففي تقرير لهيئة النزاهة نشر في الأول من حزيران 2022 يؤكد أن مقدار الضرر بالخزينة العامة جراء فساد نافذة العملة بلغ أربعة تريليونات دينار عراقي، غير أن هذا المبلغ حسب الكثير من التقارير هو أقل بكثير من حجم الأضرار الحقيقية المترتبة على طريقة أداء هذه النافذة، فتلك التقارير تقدر أن مقدار الضريبة المترتبة على تعاملات النافذة تقدر بنحو 8 مليارات دولار سنويا، وأن جل هذه المبالغ يجري التهرب منها بسبب هيمنة بعض المصارف الأهلية المستفيدة من التحويلات على شراء الدولار من النافذة المذكورة، والتي يسيطر عليها قادة سياسيون نافذون في الدولة العراقية، وحسب تقرير هيئة النزاهة المشار إليه فإن غالبية الوثائق التي تقدمها هذه المصارف كانت مزورة، مع العلم أن مبررات وجود هذه النافذة قد وضعت لضبط سعر صرف الدينار العراقي الذي نص عليه قانون البنك المركزي رقم 56 لسنة 2004 المعدل وفق آلية خاصة، ولكن البنك قد نقض هذه القاعدة في قرار تخفيض قيمة الدينار العراقي في عام 2020 ثم نقضها في وقت لاحق.
إن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الجديدة بالتنسيق مع هيئة النزاهة الاتحادية ومجلس القضاء الأعلى اسفرت عن نتائج أولية ملموسة في تفكيك شبكات فساد كبيرة واسترداد ما سرقوه من المال العام واعتقال العشرات من المسؤولين البارزين. إن هذه الحملة قد طرحت تساؤلات جوهرية حول قدرة الدولة على المضي في هذه الإجراءات بشمولية تامة ضد منظومة الفساد بعد أن أخذت عمليات النهب وغسيل الموال العامة تتحول مع الوقت إلى كرة ثلج لدرجة اتساع حالة التشاؤم والإحباط في أوساط واسعة من المجتمع وحفزت المطالبات الشعبية لاستئصال جذور الفساد بهدف استرداد الأموال المنهوبة وإعادتها إلى خزينة الدولة. من هنا فإن هذه الإجراءات تمثل بالنسبة إلى الاقتصاديين والمهتمين بالشأن العام وجماهير الشعب اختبارا حقيقيا للحكومة في المضي في اعتقال كبار الفاسدين من الصف الأول والثاني بما فيها الفصائل الميليشياوية الضالعة في عمليات الفساد، عبر حراك شعبي واسع ضاغط على بيئة الفساد وتفكيك نهج المحاصصة. إن الاستدامة في مكافحة الفساد ومقارع الفاسدين وذيولهم تتطلب منظومة إجراءات مصحوبة بإرادة قوية لا تقبل المهادنة، ومن بين هذه الإجراءات:
1. تفكيك شبكات الفساد وانهاء منظومتها من خلال التوسع قي كشف صفقات الفساد والعقود المشبوهة والايقاع بأزلامها للكشف عن عناصر الشبكة ومن يقدم لها الدعم المباشر وغير المباشر.
2. تشديد الرقابة الحكومية والشعبية على العقود الحكومية في إطار مشاريع الاستثمار وإحالة عقود المشاريع الكبرى إلى لجان مضمونة النزاهة والمصداقية.
3. تفعيل قانون (من أين لك هذا) وإلزام كبار موظفي الدولة من وزراء ووكلائهم والمدراء العامين بكشف الذمة المالية.
4. التفاعل مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) للحصول على الدعم الفني في استرداد الأموال المودعة في البنوك الأجنبية.