عذاب..
(لو أنني حكيت للجدار بعض الذي يؤلمني.. لانهار)
هكذا هو الشاعر المناضل النبيل حميد قاسم الذي ما زال يصارع شدة مرضه بالشعر، متحديا الألم بإرادة صلبة وبروح شفافة استوعبت محبة الجميع.
تسربلت بالشعر وأنا استمع مذهولة لصوته الخفيض جراء المرض، أثناء الاحتفال الأخير بصدور مجموعته الشعرية الكاملة من قبل اتحاد الأدباء، ودعوته من قبل المجمع الثقافي في نادي العلوية لإلقاء بعض من قصائده وتوقيع مجموعته.
ذهلت وأنا أتابع إصراره على الحياة وتحديه للمرض الخبيث بجرأة وشجاعة، بل باختيار أجمل أبيات الشعر أمام الحضور الذين استمعوا إليه جميعا وهو ينشد للوطن: أقول بلادي.. أقول أبي و(أريد بلادي) وأقول أخي و( أريد بلادي) وأقول صغيري و(أريد بلادي) وأقول: الأم، صحابي الغرّ، طفولتنا و(أريد بلادي).. أقول: بلادي و(أريد شغاف قلبي).
واسترجع طفولته بصوت واهن: (نحن دوما/ نمضي في الطرقات/ قلقين كما الموجة/ مضطربين كما البحر/ متسعين كما الأرض).
نعم ها هو الشاعر وقد اتسعت جوارحه أما جمهوره متحديا باسلا.
وحين سُئل عن علاقته بالسياسة لم يتحدث عن نفسه بل استعان بي وكيف قاومت الزمن الأغبر.. وعاد لبعض أبيات من مجموعته الشعرية التي بين يديه. إذ قال: (منذ ثلاثة أيام/ أتساءل في الليل وأبكي: كيف أتى القرويون البلهاء إلى داري/ واقتادوا جمرة روحي../ ومضوا؟ كيف أتى الأصحاب/ واختطفوا رائحة الليمون/ من الغرفة؟).
ويسترجع عذاب فراق الأحبة وكيف صاروا وقود حروب، فينشد بألم قصيدته المهداة إلى صديقه الشهيد علي ياسين الذي ذكَّرنا باستشهاد ابن أخيه الصحفي علي ريسان الذي راح ضحية تغطيته محاربة داعش في الموصل. إذ انشد: (ماذا أقول/ وعلي في شفتي دمّ/ وقرنقل مهزول ثقبه الرصاص/ ماذا أقول.. / ودم الطفولة يابس فوق الثياب/ مُتحدرا.. / يهوي إليَّ من البساتين العتيقة، والدروب/ وعلي يمسك بالليالي الهاربات../ من القميص/ يقتادها نحوي../ ويقلق هدأتي../ ويجرني نحو التذكر.. والكتابة../ ماذا أقول../ ودمُ الطفولة../ قد أريق على التراب!).
بعد نحو ساعة من المحاضرة عاتبته سيدة من الحضور عن إلقائه قصائد حزينة بلا غزل ولا فرح.. استغربنا لهذا السؤال البعيد عن حالة الشاعر آنذاك، مع ذلك ضحك وقلب ديوانه ليختار: (أفكر فيك.. / أكثر من (نور الشمس في قدح الماء البارد)/ وأنظر../ إلى حياتي../ مثل قميص ملقى على السرير..).
استعان الشاعر في مقدمة كتابه بمقولة لهنري مللر اختصرت افكاره حين كتب: (لم يكن سوى نسر مغلول إلى صخرة، والطيور الصغيرة وحدها التي تنهش قلبه).
في ختام المحاضرة القى أبياتا قال إنها تنطبق عليه حاليا. إذ قال (يوما.. /سأشيخ سريعا../ سترين/ يوما../ سترين إلى وجهي في المرآة/ سترين إلى وجه يتغضن.. وجبين..).