اخر الاخبار

بعد نشر مقالنا، الأحد الماضي، وصلتنا ملاحظات ومقترحات من رفاق وأصدقاء أعزاء، ملخصها أنه آن الأوان ألا نكتفي بتوصيف الأزمات وجوانبها، بل نذهب إلى المطلوب والى الحديث عن آليات تفكيك منظومة المحاصصة الحاكمة، ورسم معالم الطريق إلى التغيير المنشود.

ومع أنّ الموضوع جرى أيضا تناوله مرات عدة، فتبدو هناك حاجة للمزيد من تسليط الأضواء على هذه الحلقة الأساسية، كما نرى، في نضال وعمل القوى الوطنية العراقية المتطلعة الى التغيير الحقيقي وفرض مسار بناء دولة المواطنة والمؤسسات والديمقراطية الحقة وتحقيق العدالة الاجتماعية.

ويقينا، ان الازمة البنيوية الشاملة المتواصلة والتي تعمق العديد من جوانبها لا يمكن اختزالها بالتوصيف وتبيان حالة السخط والتذمر. وفي الوقت ذاته لا يفترض التعامل معها كحالة يأس دائمة، بلا افق لتحريك الأوضاع وزحزحتها، لكن توصيف الأزمة وبيان جوانبها المختلفة وتعرية الأسباب الى تقف وراءها تبقى ضرورة وطنية وسياسية وفكرية وحتى أخلاقية؛ حيث يشكل هذا البداية السليمة لبلورة الوعي، الذي يعد منطلقا لأي حراك وفعل سياسي وجماهيري، وهو المقدمة الضرورية للارتقاء من التذمر والسخط إلى الفعل الإيجابي التغييري.

فالتجارب تقول بأن من الصعوبة بمكان مواجهة الأزمات بجدية من دون إدراك أسبابها ودوافعها الحقيقية. ونضيف بان أي ضغط شعبي فاعل يراد منه الوصول الى أهدافه يحتاج الى وعي سياسي يكشف آليات إنتاج القضية المعينة او الأزمة المشخصة ودوافع استمرارها.

وواضح الآن أن الأزمة في بلدنا لم تعد مجرد إخفاقات وعجز حكومي هنا وهناك او أخطاء إدارية عابرة او مرتبطة بهذا الشخص او ذاك، على أهمية ذلك، بل هي وثيقة الصلة ببنية سياسية اتضحت أبعادها على مدار الـ ٢٣ سنة الماضية، واستمرأت القوى المتنفذة نهجا يطيل مصالحها ونفوذها وهيمنتها، عبر الادعاء بان المحاصصة تؤمن مشاركة الجميع، والتي تحولت من صيغة انتقالية مؤقتة الى منظومة حكم تسعى لتأبيد سلطتها التي غدت أكثر وضوحا الآن، كونها اقلية منعزلة عن غالبية المواطنين على اختلاف منحدراتهم. وقاد هذا النهج إلى بناء مؤسسات الدولة وإدارتها على وفق منطق الولاءات والانتماءات الفرعية، عوضا عن بناء دولة تقوم على المواطنة والكفاءة والنزاهة وإمكانية تطبيق القانون على الجميع.

ونتج عن هذا أيضا بيئة ليست فقط مشجعة على الفساد، بل هي حامية له، كونه جزءا من منظومة إدامة السلطة وتحويل الدولة الى ساحة للنهب والسرقة وتوزيع الحصص والمغانم والمكاسب.

ولهذا كله وغيره المرتبط أيضا بطبيعة وماهية القوى المتنفذة وآلية عملها وتفكيرها، نصل الى ان من الصعوبة بمكان ان تقوم منظومة المحاصصة بإصلاح نفسها جديا او الإقدام على إجراءات جذرية بالضد من مصالحها، وهي لن تتخلى طوعا عن الأسس التي تؤمن لها ما تتمتع به حاليا. هذا بغض النظر عن إمكانية الإقدام على إصلاحات شكلية او تبديل بطاقم السلطة وشخوصها دون الذهاب عميقا الى أس الازمات والمولد لها: نهج المحاصصة والتخادم المكوناتي.

وارتباطا بهذا يجب التركيز على تفكيك بنية المحاصصة ونهجها كونها العائق أمام انطلاق تغيير حقيقي يفضي الى إقامة دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية.            

إن تفكيك هذه المنظومة يتطلب مشروعا وطنيا شاملا تراكميا، واضح الأهداف والتوجهات، يوظف كل خطواته وفعالياته بهذا الاتجاه، ويعمل على بناء وعي واسع ومساند يتجاوز الفرعيات، ويعيد الاعتبار للوطن والمواطنة.

وبناء هذا الوعي وتشكيل رأي عام ضاغط وإدراك المصالح الحقيقية يعد من أهم آليات التغيير المنشود، ولربما بدايته السليمة. وهنا يأتي دور الإعلام الداعم والمساند، وتقوية المجتمع المدني وتعزيز دور النخب الأكاديمية والثقافية، فضلا عن تحفيز المشاركة السياسية الجماهيرية الواعية في دعم المشاريع والتوجهات الوطنية العابرة للهويات الفرعية. 

وهذا يلزم الدفع باتجاه تنفيذ كل المطالب ودعم الحراكات التي ينتج عنها في المحصلة تقليص نفوذ منظومة المحاصصة وتقويضها، ومن ذلك إسناد الوظيفة العامة على أساس الكفاءة وإلغاء الكانتونات الحزبية الضيقة وهيمنتها على مؤسسات الدولة وإصلاح القوانين، وتعزيز استقلال القضاء، والتشجيع على تكوين تنظيمات سياسية وطنية، والمحاربة الجادة للفساد، بدءا من القمة، وحصر السلاح بيد الدولة.

على أن يكون ذلك في سياق هدف واضح لعملية التغيير لا يقتصر على تحسين الخدمات وتوفير فرص عمل ودفع الأجور ومعالجة أزمات الكهرباء والماء مثلا، بل يقود إلى الانتقال من دولة المكونات إلى دولة المواطنة ذات القرار الوطني المستقل.

ووفقا لذلك فهي معركة وطنية بامتياز تحتاج الى وعي وصبر وتنظيم فاعل وإرادة وطنية وشعبية، وتنطلق أساسا من القناعة الكبيرة بإمكانية تحقيق التغيير المرتجى الذي هو حاجة وليس ترفا فكريا وسياسيا.