اخر الاخبار

في هذا البلد، صار العمل بالظل أسهل من العمل بالضوء. من يريد أن يبني مشروعاً أو يفتح باب رزق شريفاً، يدخل معركة لا تنتهي مع جيش من المعقّدات والرسوم والأختام والموافقات. أما من ينهش المال العام ويقتات على المشاريع، فيجد الأبواب مفتوحة والسجاد الأحمر مفروشاً تحت قدميه.

المواطن اليوم لا يشعر أن الحكومة سندٌ له، بل يشعر أنها تلاحقه في كل زاوية. يهرب من دائرة ليقع في أخرى، ومن رسم إلى غرامة، ومن موافقة إلى موافقة أكبر منها. وكأن الدولة أعلنت حرباً على من يحاول العيش بكرامة.

هناك جماعات متنفذة داخل بعض المؤسسات، لا ترفع يدها عن مشروع ناجح إلا بعد أن تستنزفه. تدفع مرة، ثم تدفع ثانية، ثم تكتشف أن الدفع لا ينتهي. وإذا رفضت، يبدأ مسلسل التعقيدات القانونية والتفسيرات المزاجية والكتب الرسمية التي تظهر فجأة من العدم لتخبرك أن عليك أن تدفع أكثر.

إن سلم المواطن من كمائن الشوارع والغرامات المرورية التي تهبط عليه كالصواعق، وجد نفسه أمام فاتورة الكهرباء. وإن تجاوزها، استقبلته رسوم أخرى لا يعرف لها أولاً ولا آخراً. أما البلدية، فهي حكاية أخرى.

تجد فرقها تجوب الشوارع وكأنها في حملة عسكرية. بائع بسيط يفترش الرصيف ليطعم أطفاله يصبح هدفاً للمطاردة. شاب لم يجد وظيفة منذ سنوات يتحول إلى مخالف للقانون لأنه وضع عربة شاي على الرصيف. أرملة تبيع بعض الحاجيات لتعيش تُعامل وكأنها ارتكبت جريمة اقتصادية.

أما إذا قررت أن تصلح باب بيتك القديم أو تطلي واجهته التي أكلها الزمن، فقد تكتشف أن الأمر يحتاج إلى موافقات وإجراءات وكأنك تبني ناطحة سحاب في قلب العاصمة. المواطن صار يحتاج إذناً لكل شيء، إلا للمعاناة، فهي متاحة بلا ترخيص.

المؤلم أن هذه المطاردات لا تطال كبار الفاسدين بالقدر نفسه. من سرق المليارات لا نراه يُلاحق في الأزقة، ولا تُصادر أوراقه على الأرصفة، ولا تطارده الدراجات الهوائية. أما بائع الخضار وصاحب البسطة والعامل البسيط، فهؤلاء هم الأهداف الأسهل دائماً.

العراقي لا يطلب المستحيل. لا يريد قصوراً ولا امتيازات. يريد فقط أن تعمل الدولة معه لا عليه. أن تحمي مشروعه بدلاً من ابتزازه. أن تنظّم الأرصفة بدلاً من قطع أرزاق الناس. أن تطارد الفساد قبل أن تطارد الفقراء.

فالأوطان لا تُبنى بكثرة الغرامات، ولا بازدياد الرسوم، ولا بملاحقة لقمة العيش. الأوطان تُبنى عندما يشعر المواطن أن القانون يحميه، لا أنه ينتظره خلف كل زاوية ليضع يده في جيبه مرة أخرى.