يتمتع المنتج المحلي في العراق بأهمية كبيرة من أجل تدعيم السياسات الاقتصادية وخصوصا الصناعة التحويلية في تحقيق التكامل بين القطاعين الزراعي والصناعي واستهداف حماية دالة الإنتاج الوطنية من التعثر في مواجهة سياسات الإغراق السلعي وتوفير السلع الأساسية التي تحتاجها السوق الوطنية. غير أن اتباع نظام السوق المفتوح الذي دأبت عليه الحكومات العراقية بعد عام 2003 قاد إلى التردد في إنفاذ قانون حماية المنتجات الوطنية رقم 11 لسنة 2010 الذي كان من أهم أسباب تشريعه حماية الصناعات والمنتجات الزراعية المحلية من الممارسات التجارية الدولية الضارة مثل الإغراق وضمان منافسة عادلة، وفي التحليل النهائي تدمير بنية الاقتصاد وتعريضه إلى حالة الركود كما هو عليه الآن.
ولأجل التعرف على محنة الإنتاج المحلي لابد من معرفة أبرز المعوقات التي تواجه عمليات الإنتاج في مختلف القطاعات الاقتصادية وفي المقدمة منها التردد في اتخاذ التدابير الضرورية لحمايته وتتجلى في التهاون في استخدام قوة إنفاذ قانوني حماية المنتجات المحلية وحماية المستهلك وعدم تفعيل قانون التعرفة الكمركية وتوجيه عوائدها المالية بصورة مباشرة لدعم المنتج الوطني والتراخي في ضبط الحدود الوطنية باستخدام القانون والقوة الأمنية المسلحة من كل اشكال الخرق التجاري عبر عمليات تهريب السلع إلى الداخل الوطني بعيدا عن الإجراءات الكمركية.
لطالما حذر خبراء الاقتصاد العراقيون من خطورة اعتماد السوق العراقية على الاستيراد بكميات مفرطة من الدول الأجنبية وترسخ سياسة الإغراق في السوق العراقية مما ترتب على ذلك في السنوات الأخيرة إلى خسارة أكثر من 250 مليار دولار من جراء تلك السياسة الاستيرادية الخاطئة التي أدت إلى تدمير الإنتاج الوطني الحقيقي كونها منافسا قويا لا يمكن مقاومته، فقد تدهورت الصناعة والزراعة وتردى الإنتاج في هذين القطاعين وانعكاساته على الناتج المحلي الإجمالي فضلا عل الآثار العكسية على الشرائح الاجتماعية الفقيرة واتساع الفوارق الطبقية بسبب غياب نظام توزيعي عادل للدخل، ومن تداعياتها الملموسة أن الصناعة العراقية توشك على التوقف او إحالة المصانع الحكومية إلى ما أسموه بالاستثمار لفترات طويلة وبالتالي تكون بحكم البيع ولكن بأسعار واطئة وتسريح العمال وإلقائهم على رصيف البطالة، فضلا عن أن السلع الاستهلاكية المستوردة التي لا تخضع للفحص والتأكد من سلامتها وتوفر شروط الجودة مما تلحق الضرر بالصحة العامة.
إن التردد في إنفاذ قانون حماية المنتجات المحلية وبالارتباط بسياسة الباب المفتوح انتجتا اتباع سياسة استيرادية منفتحة وممنهجة وأول خطوة في هذا المضمار الانتماء إلى منظمة التجارة الدولية حتى اخذت تلك السياسات تؤتي ثمارها فقد بلغت استيرادات العراق في عام 2004 أكثر من 21 مليار دولار ووصلت في عام 2020 إلى 41 مليار دولار ليكون مجموع مبالغ الاستيرادات خلال هذه الفترة 758 مليار دولار، غير أن إحصاءات وزارة التخطيط على سبيل المثال تشير إلى أن قيمة الاستيرادات في عام 2020 بلغت 15 مليار دولار استنادا إلى تصريحات هيئة الكمارك في حين أن المباع في نافذة البنك المركزي تشير إلى أن كمية المباع 44،085 مليار دولار حسب إعلان البنك المركزي وبهذا يكون الفارق بينهما 29 مليار دولار مع العلم ان النافذة مخصصة لبيع الدولار للقطاع الخاص فاين ذهب هذا الفرق؟ وإذا افترضنا أن معدل قيمة الاستيرادات السنوي وفق الرقم المتقدم فإن مجموع قيم الاستيرادات خلال الفترة 2010- 2020 ستكون 150 مليار دولار وهي أرقام مشكوك بدقتها فان الفارق بين هذا المبلغ ومجموع مبيعات البنك المركزي خلال نفس الفترة والبالغة 496،916 يصل إلى 346،916 مليار دينار. والنتيجة المنطقية لهذه السياسة إعادة تدوير العملة الصعبة المتأتية من تصدير البترول إلى الخارج واستيراد بضاعة استهلاكية كان من الممكن انتاجها محليا.
إن معالجة هذه الأخطاء الفادحة وصلت إلى حد لا تحتمل الانتظار أو التباطؤ وإنما مغادرة تلك السياسات واتباع إجراءات إصلاحية أكثر عمقا تتمثل في الحزم في حماية المنتجات المحلية والتحول من سلاسل الاستيراد إلى سلاسل التصدير من خلال تنمية قطاعات الإنتاج بنهج مستدام.