للقراءة سحرٌ خاص، كونها مفتاح طريق التنوير وانفتاح العقل على الثقافة، وإدراك كل ما في المحيط من مجريات الأمور والأحداث، وأيّ إيقاف لمسيرة القراءة هذه هو إيقاف لتجديد الوعي وضخ الدم في نسغ الحياة بشكلٍ عام، لتكون مظلمة لا يستطيع المرء فيها أن يبصر الطريق، فيظل سادراً في الظلام دونما أدنى تفكير في البحث عن كوّة نور!
رواية (إنهم يقتلون الجياد)، قرأتُها في ثمانينات القرن المنصرم، وقد تحولت إلى فيلم سينمائي، وبعض التراجم تعنونها (إنهم يقتلون الخيول) ولا فرق سوى أن الجياد توحي بمعنى أكبر، فهي من أفضل أنواع الخيول وأكثرها أصالة، تعطي كلّ شيء وتملك مهارة وسرعة في الجري والعمل، ومَنْ يقتلها لا يريد الخير لأصحابها. كُتِبَتْ هذه الرواية رداً على أفعال المستعمرين والغاصبين وإقطاعيي الأرض الذين استولوا عليها بقوة السلاح في أمريكا اللاتينية.
تذكّرتُها ، وأخريات مشابهة لها في المعنى والطرح، مثل قصّة الكاتب السوري زكريا تامر المسمّاة (النمور في اليوم العاشر) وغيرها ، وأنا أشاهد وأقرأ وأسمع ما يحدث من مضايقات واعتقالات للناشطين والإعلاميين والأدباء والفنانين تكميما للأفواه ومنعا للقراءة والتنوير!
وآخر دليل على ذلك ما جرى في الناصرية قبل أيام من منع لاقامة مهرجان القراءة واعتقال أحد القائمين عليه.
الشاعر والكاتب والإعلامي هو لسان حال الآخرين، وناقل للحقيقة في كل مكان. ولا يمكن مثلا نسيان ما جرى للصحفي الفرنسي المعروف (ريجيس دوبريه) حينما أعتُقلَ وحُكِمَ عليه بالسجن المؤبّد لوقوفه مع الثائر العملاق جيفارا ، وكيف اصطفّ معه أحرار العالم من أدباء ومفكّرين وصحفيين وفنانين مطالبين بإطلاق سراحه، حتى رضخت الديكتاتورية الموالية لأمريكا هناك وأُطلق سراحه، ليكتب مذكراته في كتابه الموسوم (ثورة في الثورة).
فالشاعر والكاتب والإعلامي هم غالبا مرايا الحقيقة، وان مضايقتهم وتكميم أفواههم ومنع فعاليات القراءة بحجج واهية هو قتل وإسكات لصوتهم.علينا أن نكون إلى جانبهم دائماً، وعلى كل مسؤول أن يحترمهم ويدعمهم ويقف معهم، ليس بالكلام والتصريحات الإعلامية فقط ، بل وبكلّ شيء، لأنهم يشكلون الوعي الحقيقي للوطن.
علينا أن نعي جيداً مدى احتياج الوطن إلى جياده الاصيلة – مثقفيه الاصلاء الذين يسطّرون تأريخه على مرّ الزمن، وان لا نستمع الى الصوت النشاز الحاقد والفاسد أبداً. فالمثقفون – كتابا وشعراء وباحثين وغيرهم، هم صنّاع الإرث الحقيقي للوطن وللانسانية، وهم مَنْ يدوّنون تأريخها وحاضرها، وان القراءة هي السبيل لتذوق وتمثل هذا الإرث واكتساب الوعي.