في صباح يوم 22 حزيران 1963 كنت مع بضعة عشرات من المعتقلين، قيد التحقيق والمحاكمات، في سجن القلعة بكركوك، حين تسربت الينا معلومات مفزعة عن مشانقَ تُنصب في باحةٍ بقسم الاحكام الثقيلة، وان رفاقا لنا محكومون بالاعدام سينفذ فيهم الحكم هذا اليوم مع اربعة عشر اخرين، على رأسها رئيس بلدية كركوك معروف برزنجي. كان لشريكي في المكان (وهو من عمري) نور الدين صالحي(اصبح موسيقارا معروفا في المانيا) شقيق من بين المحكومين، وقد انهدّ في بكاء حارق وعويل، حال سماعه الخبر، فوجدت نفسي منخرطا معه في البكاء، كما لو ان فجيعتنا واحدة، محاطَين معا بأذرع ودموع المعتقلين، وبينهم، كما اتذكر، القائد الشيوعي ابو سرباز احمد باني خيلاني.
كان ثمة بابٌ من قضبان حديد تفصل بين المعتقل الذي نقيم فيه وفرجة من الممر يمرّ منها الشهداء الى باحة التنفيذ. كانوا وهم مكبلون بالسلاسل يلوّحون لنا بايديهم وبكلمات قصيرة: وداعا رفاق. عاش الحزب. عاش الشعب.. يتقدمهم الشهيد معروف برزنجي، ثم شقيقه حسين، وفاتح ملا داوود ووعدالله النجار (شقيق صديق العمر والكلمة حسب الله يحيى) واحمد صالحي شقيق صديقي نورالدين.
من جانبي، كان صوت هتافات الشهداء وحشرجاتهم وارتطام اجسادهم بالأرض مع اصطفاق اعمدة المشانق قد ملأ روحي بنشيدٍ أبديّ.. نشيد الحرية.. تواصلَ طول حياتي.
*قالوا:
"ظلمٌ لذا اليَومِ وَصْفٌ قبلَ رُؤيَتِهِ/
لا يصدُقُ الوَصْفُ حتى يَصدُقَ النظرُ".
المتنبي