اخر الاخبار

لعل الزراعة من أقدم القطاعات الاقتصادية في بلادنا، وقد شكلت لعقود طويلة ركيزة أساسية في الاقتصاد الوطني ومصدرا مهما لتشغيل الايدي العاملة وتحقيق نسب معقولة من الأمن الغذائي. وهي تشكل مع الصناعة القطاعين اللذين يُعوّل عليهما ليكونا رافعة اقتصاد متنوع ومتعدد في مصادره المالية، عوضا عن اقتصارها في الوقت الراهن على عائدات النفط الخام، التي توفر أكثر من ٩٠ في المائة من احتياجات البلد المالية.

هذا التعويل يشتبك مع تحديات كبرى تواجه اليوم القطاع الزراعي، الذي لم يحظ بالاهتمام الكافي منذ ٢٠٠٣ وحتى يومنا هذا. ولعل المؤشر البارز هنا هو ما يخصص من أموال في الموازنة السنوية والتي ظلت بحدود واحد في المائة، فيما تقول منظمة الغذاء والزراعة التابعة للأمم المتحدة بألا تقل عن ١٠ في المائة. وحتى بعض المبادرات التي أطلقت، مثل المبادرة الزراعية، واجهها الكثير من العقبات وبقي تأثيرها محدودا.

ونظرا لشحّ المياه، تبقى الأراضي التي تزرع محدودة، فيما ملايين الدونمات الصالحة للزراعة تبقى متروكة وتتدهور خصوبتها باستمرار. وهذا واضح من الخطة الشتوية التي اقرها مجلس الوزراء ولا تتجاوز أربعة ملايين ونصف المليون دونم، يعتمد ثلثاها على المياه الجوفية المعروفة كمياتها ولا ينصح بالتوسع في استخدامها في ظل الشح العام في المياه جراء سياسة تركيا وإيران المائية وحرمان العراق من الحصول على حصة عادلة في مياه نهري دجلة والفرات.

ستظل إمكانية التوسع في مساحة الأراضي المزروعة، شتاء وصيفا، مرهونة بما يصلنا من مياه تتحكم فيها دول المتبع وخاصة تركيا التي لم نتوصل معها الى اتفاقات عادلة ومنصفة رغم الزيارات وتبادل الوفود والتصريحات. فالحصيلة متواضعة جدا ولا تتصف بالاستمرارية والديمومة.

هذا الوضع في القطاع الزراعي وما يعانيه والتي تفاقمها باستمرار تداعيات السياسات المتبعة ومشكلة المياه والتصحر وانخفاض الإنتاجية وتدهور البنى التحتية، قاد الى تراجع مساهمة الزراعة في الناتج المحلي مقارنة بما كان عليه الوضع في السبعينيات، وأصبح العراق الذي كان يعرف بانه سلة غذاء المنطقة، مستوردا كبيرا لعديد من المحاصيل والخضروات.

 والى جانب عدم السيطرة على المنافذ الحدودية وتدفق السلع الزراعية وسياسة الاستيراد غير المنضبطة، رغم ما تعلنه وزارة الزراعة بين حين واخر عن وقف استيراد عدد من المحاصيل في ذروة انتاجها، يعاني القطاع من ضعف واضح في البنى التحتية، وقِدَم وسائل الري وقلة المستخدم من تقنيات الري الحديثة، وغياب التصنيع الغذائي، ما يؤدي الى خسائر بعد الحصاد ويحد من القيمة المضافة للمنتجات الزراعية. ويضاف الى هذا تراجع الدعم الحكومي للفلاحين والمزارعين. فكل هذه العوامل، خاصة الجفاف، يدفع الى عدم الاهتمام بالزراعة والى الهجرة من الريف والبحث عن فرص عمل أخرى.

لكل هذا وغيره، نقول ان القروض مهما توسعت وتضخمت، بجانب تمدد قائمة المحاصيل التي يمنع استيرادها، فان ذلك لن يعالج مشاكل القطاع الزراعي الكبيرة والمتعددة، ما يتطلب رؤية استراتيجية شاملة تضع الأمن الغذائي في صلب السياسات الاقتصادية. كما يتطلب توجهاً نحو المعالجة عبر تحديث أنظمة الري، واستصلاح الأراضي الزراعية وزيادة المخصص لها من أموال، ووقف تجريف الأراضي والتجاوز على المراعي الطبيعية، وتوسيع استخدام البذور المحسنة المقاومة للأمراض وللجفاف، وتوفير قروض ميسرة وتقنيات حديثة للمزارعين. ولا يكفي هنا ان توضع ضمن شروط استلام الدولة للحنطة، بل العمل الفعلي على توفيرها وبأسعار مناسبة. وضمن حزمة الإجراءات التي صار لزاما الاقدام عليها رفع الإنتاجية وادخال الزراعة الذكية. ولا يقل أهمية عن ذلك تطوير الصناعات الغذائية التحويلية لخلق سلاسل قيمة متكاملة تربط الإنتاج الزراعي بالتصنيع والتسويق.

ان الزراعة في العراق ليست قطاعا هامشيا، بل هي قطاع حيوي يمتلك إمكانات كبيرة غير مستغلة. وإذا ما احسنت ادارتها والتصدي للفساد واستثمار الأراضي، وإذا حصلنا عبر مختلف اشكال الضغط على حصتنا من المياه، فبإمكان القطاع ان يضاعف حصته ومساهمته في الناتج المحلي ويقلل من الاستيراد ويحسن وضع الامن الغذائي ويوفر فرص عمل واسعة ويعزز الاستقرار الاجتماعي في الريف. وكل هذا يحتاج بالطبع الى إرادة سياسية وتخطيط علمي مقرون بالتنفيذ.