تشهد الأوضاع في بلدنا مزيدا من التعقيد والتشابك، وحالة من الاستعصاء والانسداد، فيما تتكاثر المشاكل مستعصية الحل، في اطار منظومة الحكم القائمة ونهجها المحاصصاتي. فنحن امام ازمة شاملة ذات ابعاد بنيوية ، متعددة الجوانب السياسية والاقتصادية والمالية والاجتماعية والثقافية والأمنية .
وفي كل يوم تدلل مجريات الاحداث، ومنها ما يتعلق باستكمال الاستحقاقات الدستورية وتسمية رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، على المأزق الذي دُفع اليه بلدنا، وتبين حقيقية ان القوى المتنفذة عاجزة ليس فقط عن تقديم حلول تخرج البلد من ازماته ، وانما غدت عاجزة أيضا عن تدوير الازمات وادارتها. وليس ذلك مستبعدا بحكم طبيعة هذه القوى ونهجها، وما تتبناه من آليات عمل وإدارة لشؤون البلاد ومؤسساتها .
ومن مظاهر الازمة الراهنة هذا الاتساع والعمق للخلافات والصراعات بين الكتل المتنفذة المتحاصصة ، وفقدان الثقة بين أطرافها ، وامتداد ذلك الى الكتل السياسية ذاتها ، رغم كل مساعيها للتغطية على ما يجري من تدافع، يعكس كون هدفها المُعلّى هو ضمان مصالحها هي ، لا مصلحة الشعب والوطن ، ولا حتى مصالح المكونات التي تدّعي تمثيلها .
ان واقع الحال اليوم ، وتجربة السنوات السابقة، وتجارب بلدان أخرى، لم تزكّ هذا النموذج في إدارة الدولة وبناء مؤسساتها وآلية الحكم. واذا كان المتحمسون له يبررون التشبث به بضمان " التوزان " وتمثيل المكونات وتحقيق الامن والاستقرار في بلد متعدد مثل بلدنا ، فان المعطيات اليومية تشي بعكس هذا تماما. فقد جرى اختزال المكونات الى أحزاب وشخصيات تدّعي تمثيلها، وتحتكر ذلك دون وجه حق، في وقت لا تحصل فيه القوى المتنفذة جميعا الا حوالي ٢٠ في المائة من أصوات الناخبين ، وربما دون ذلك في محافظات الوسط والجنوب .
ان الإصرار على هذا النهج يجلب كل يوم المزيد من المشاكل والصعوبات، فلا خير يرتجى من منظومة المحاصصة، حتى وهي في احسن أحوالها ، وحتى إن توافقت أطرافها ، فهذا يبدو بعيد المنال الان ، وربما بانتظار المنقذ الخارجي. فهو لن يذهب الى جوهر الازمة ويعالج الأسباب الحقيقية لما حصل ويحصل حتى الان .
ازاء هذا الواقع، وامام انسداد افق الحل للازمات المتراكمة، والإصرار على النهج الخاطيء والمدمر ذاته ، غدت موضوعة التغيير حاجة وطنية راهنة لا تقبل التأجيل. وارتباطا بذلك يبرز سؤال: ما المطلوب تغييره ؟ فنقول بوضوح ان المطلوب هو التغيير في المنهج وأساليب العمل والأداء وفي نمط التفكير ، وحتى في الشخوص والذهاب الى اختيار الأكثر أهلية للعمل والانجاز، وعلى وفق النزاهة والكفاءة .
ان التغيير المطلوب يرتكز على حراك نضالي تراكمي ، ويتطلب إيجاد اصطفافات وتكتلات، لا تمت بصلة للقائم منها على أسس المحاصصة والمُغيّبة للمواطنة ، بل تكون عابرة للطوائف والعناوين الفرعية والثانوية ، وان يجري تبني مشروع وطني ديمقراطي منحاز، وذي توجهات واضحة في القطيعة مع المحاصصة ونهجها الحاضن للفساد، ويستجيب لحاجات الوطن والمواطن ، وقادر على التصدي للتحديات الكبيرة التي تواجه بلدنا والمنطقة. ويعول فمشروع كهذا يُعوّل عليه في تمتين الوحدة الوطنية وحفظ سيادة البلاد وقرارها الوطني المستقل.
وفي الظروف الراهنة ولضمان السير على وفق هذا المشروع التغييري ، تبرز الأهمية المحورية للعمل الجماهيري والحراك المطلبي والشعبي ، وتوسيع ذلك وتطويره ليكون أداة ضغط فاعلة تتعشق مع كل الأدوات والوسائل النضالية الأخرى .
فالرهان يبقى على الجماهير ووعيها وادراكها لمصالحها. هذا الادراك الذي يحمل مغزى عميقا، للحيلولة دون تحويل او حرف الغضب والاستياء الشعبيين، نحو أمور ثانوية ، وابعاده عن التمعن بجوهر الأمور. وهذا مهم لليقين بان المنظومة الحاكمة ليست مقدسة ، والفساد ليس قدرا او انحرافا فرديا ، وان عدم توفر الكهرباء مثلا ليس ناجما عن اعطال فنية. فهذه وغيرها هي نتاج بنية سياسية واقتصادية – اجتماعية معينة. ومن هنا فان بناء وعي جماهيري جامع، يعي معنى الدولة وسيادتها والحكومة ودورها ، ويدرك مغزى الكرامة وتكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية، ويحارب ظواهر تزييف الوعي وتسطيحه .. ان هذا وغيره يضاعف الفرص والإمكانات، للسيرعلى طريق التغيير.