الصفحة الأولى
التيار الديمقراطي يعقد غداً مؤتمره الخامس.. نحو مواجهة المحاصصة والفساد وبناء دولة المواطنة
بغداد - طريق الشعب
يستعد التيار الديمقراطي لعقد مؤتمره العام، يوم غد، بمشاركة قوى ونخب سياسية واسعة من مختلف المحافظات، وسيفتح نقاشاً بشأن سبل توحيد القوى المؤمنة بالدولة المدنية، وترجمة هذا التوجه إلى برنامج سياسي يتناول حصر السلاح بيد الدولة ومكافحة الفساد، فضلاً عن حماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين.
وبين تشخيص اختلالات النظام السياسي وتحديد أولويات المرحلة المقبلة، يبرز رهان التيار على تحويل مخرجات مؤتمره إلى مسار عمل يمتد إلى الشارع، ويمنحه قدرة أكبر على التأثير في اتجاهات الحياة السياسية في البلاد.
مواجهة منظومة المحاصصة
في هذا الصدد، قال سكرتير الحزب الشيوعي العراقي، الرفيق رائد فهمي: إن "التيار الديمقراطي يقوم على فكرة ورؤية أساسيتين تتعلقان بالواقع السياسي والاجتماعي العراقي"، موضحاً أن التصور ينطلق من أن تركيبة المجتمع العراقي وموروثه الثقافي والسياسي يشيران إلى وجود ميل واسع داخل المجتمع نحو المفاهيم والاتجاهات المدنية والديمقراطية، والتعددية المجتمعية والفكرية والثقافية.
وتحدث الرفيق عن الحاجة الى وجود حاجة مهمة لوجود اطار يجمع الحركات والأحزاب والتشكيلات المجتمعية المختلفة، خصوصاً بعد التغيير الذي شهده العراق في 2003، وان التيار الديمقراطي يحاول ذلك من خلال مجموعة من المفاهيم والرؤى المتعلقة بالمجتمع وتنظيمه والحقوق والحريات.
وبيّن الرفيق فهمي في حديث مع "طريق الشعب"، أهمية وجود أشكال مرنة من التنظيم، ومن هنا جاءت فكرة تأسيس التيار الديمقراطي، مؤكداً أن التيار لا يدّعي قدرته على أن يشمل أو يغطي جميع القوى والتيارات ذات التوجه الوطني والمدني والديمقراطي ضمن إطاره، لكنه يسعى فعلياً، من خلال استقطاب وضم وإشراك طيف واسع من الأحزاب والشخصيات والقوى المتنوعة، إلى أن يكون مظلة تجمع هذه الأطراف وتتيح لها الالتقاء على مجموعة من المبادئ والأهداف التي تصب في الرؤية المدنية والديمقراطية والوطنية للمجتمع والنظام السياسي.
مهمات المرحلة الراهنة
وفي ما يتعلق بمهام التيار في المرحلة الراهنة، قال فهمي إن الأحداث التي يشهدها البلد والتحديات التي تواجهه تفرض تعزيز وحدة عمل الطيف المتنوع من القوى والشخصيات والفئات المجتمعية التي تتطلع إلى عراق ديمقراطي مدني، تحكمه دولة الحقوق والحريات والعدالة الاجتماعية.
وأضاف أن هذه المهمة لا تقتصر على التيار وحده، بل تشترك فيها معه قوى سياسية واجتماعية عديدة، مبيناً أن التيار يتحرك تحت هذه العناوين الرئيسية، مع ما تتضمنه من تفاصيل، مع احترام خصوصية الأحزاب التي يمكن أن تجتمع وتلتقي في إطاره.
وشدد على أن التيار ليس بديلاً عن الأشكال الحزبية القائمة، وإنما يمثل شكلاً من أشكال التحالف، وصيغة تحالفية تضم أحزاباً وشخصيات متنوعة.
وفي السياق السياسي، أشار إلى أن التيار يتبنى رؤية سياسية مناهضة للمحاصصة، باعتبارها من العوامل المسؤولة عن مآسي البلد وأزماته وفشل الدولة والإدارة، لافتاً إلى أن العراق يعيش النتائج الوخيمة لهذا النهج في ظل أزمة سياسية واقتصادية ومالية، وأزمة في العلاقات، فضلاً عن انتهاك السيادة العراقية.
المؤتمر الخامس
وبشأن المؤتمر الخامس ومخرجاته المتوقعة، قال فهمي إن المؤتمر ينعقد في مرحلة حساسة سياسياً واقتصادياً، مضيفاً أن المؤتمر يُفترض أن يبني على ما تحقق من تقدم في استقطاب الفئات والشخصيات إلى صفوف التيار. لكنه أشار إلى أن هناك مهام لا تزال بحاجة إلى التطوير، ولا سيما ما يتعلق بطبيعة علاقة التيار بالمجتمع.
وأوضح أن من الملاحظات المطروحة غلبة الطابع النخبوي على عمل التيار، الأمر الذي يستدعي تطوير علاقته بالحراكات المجتمعية على المستوى الجماهيري، وتعزيز ارتباط رؤيته السياسية ونهجه السياسي بالواقع المجتمعي.
وتابع أن هناك حاجة أيضاً إلى تطوير أشكال العمل التنظيمي، وإيجاد صيغ أكثر مرونة للتنظيم والخطاب السياسي، مبيناً أن من المهام التي ينبغي أن تحظى بالأولوية توسيع حضور الشباب والنساء والفئات المجتمعية المختلفة.
ومن جانب آخر، لفت فهمي إلى أن هناك عدداً من القوى السياسية الموجودة في بنية التيار، لكن بالإمكان توسيع هذه التركيبة والتواصل مع طيف آخر من القوى السياسية التي تلتقي معه في المشتركات ذاتها.
وبيّن أن توسيع هذه التركيبة من شأنه أن يعزز طبيعة التيار وصيغته التحالفية، التي لا تقتصر على البعد السياسي، بل تشمل أيضاً البعد الاجتماعي، من خلال إشراك فئات مجتمعية من مختلف أقسام المجتمع التي تلتقي على المبادئ الوطنية والمدنية والديمقراطية.
تحضيرات المؤتمر
من جهة اخرى، قال المنسق العام للتيار الديمقراطي، أثير الدباس، إن المؤتمر العام للتيار، المقرر عقده يوم غد الجمعة، ينعقد تحت شعار "وحدة القوى والشخصيات الديمقراطية طريق إلى دولة المواطنة والعدالة الاجتماعية"، معرباً عن أمله في أن يحقق النجاح المنشود.
وأضاف لـ"طريق الشعب"، أن التيار نشر، قبل شهر، وثائق المؤتمر، المتمثلة بالتقرير السياسي والتقرير الإنجازي، فضلاً عن نشر تعديلات بسيطة على النظام الداخلي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، موضحاً أن المؤتمر سيشهد حضور 14 تنسيقية، بنحو 126 مندوباً جرى انتخابهم من قبل التنسيقيات.
وأشار إلى أن بعض التنسيقيات شهدت ترتيبات تنظيمية، مؤكدا أن المؤتمر الحالي يتميز بخصوصية تتمثل في انضمام أعداد من الشخصيات الديمقراطية والاجتماعية والسياسية والنخبوية إلى التيار الديمقراطي، فضلاً عن وجود عدد جيد من النساء والشباب ضمن المشاركين في المؤتمر.
تقديم بديل مدني
وفي ما يتعلق بالظروف السياسية التي ينعقد فيها المؤتمر، قال الدباس إن العراق يمر بمرحلة سياسية حساسة، بالتزامن مع ظروف إقليمية دقيقة، الأمر الذي يفرض على التيار اتخاذ مواقف واضحة إزاء التحديات الراهنة.
وأضاف أن التيار أكد، ضمن التقرير السياسي للمؤتمر، أهمية ألّا يكون العراق ساحة لحروب الآخرين أو منطلقاً للاعتداءات على الدول الأخرى، مشدداً على رفض جميع الاعتداءات التي تستهدف الأراضي العراقية من مختلف الأطراف.
وأكد ضرورة أن يكون قرار الحرب والسلم بيد الدولة العراقية، مع حصر السلاح بيدها، مشيراً إلى أن مكافحة الفساد لا تقل أهمية عن حصر السلاح، لما تمثله القضيتان من أهمية في بناء الدولة وتعزيز قدرتها على أداء مسؤولياتها.
وفي الجانب الاقتصادي والاجتماعي، أوضح الدباس أن التيار يولي أهمية لتوفير فرص العمل للشباب، ورعاية المتقاعدين والفئات الهشة، وضمان حقوق العمال والفلاحين وسائر الفئات المجتمعية، ولا سيما في ظل الارتفاع الأخير في سعر الدولار وما يترتب عليه من تداعيات على المواطنين والأسواق.
وفي السياق ذاته، أشار الدباس إلى أن تنويع مصادر الدخل ومنافذ تصدير النفط يمثلان من الموضوعات المهمة التي يتناولها برنامج التيار، مبيناً أن العراق يعتمد منذ سنوات طويلة على تصدير النفط عبر مضيق هرمز، في وقت عارض فيه عدد من أعضاء مجلس النواب، خلال فترة سابقة، تصدير النفط عبر منافذ أخرى.
وأضاف أن التيار أكد أهمية معالجة أوضاع المتقاعدين والموظفين والعمال والفئات الهشة، في أعقاب ارتفاع سعر الدولار، بما يضمن حماية حقوق هذه الفئات والحد من التداعيات الاقتصادية التي تتحملها.
وفي ما يتعلق بتشكيل الحكومة، أعرب الدباس عن اعتراضه على الأسماء الأولية المطروحة لنواب رئيس الوزراء، معتبراً أن ذلك يعيد البلاد إلى النهج ذاته القائم على المحاصصة والفساد.
مخرجات المؤتمر
وبشأن ما ينتظر المؤتمر من مخرجات، قال الدباس إن المهمة الأكبر للتيار تبدأ بعد انتهاء أعماله، وتتمثل في كيفية تطبيق القرارات التي ستصدر عنه خلال الدورة المقبلة للتيار الديمقراطي العراقي.
وأضاف أن المطلوب هو تحويل مخرجات المؤتمر إلى خطوات عملية تتضمن معالجات للقضايا المطروحة، وتطوير دور التيار في التواصل مع المواطنين، ليكون جسراً بينهم وبين القوى السياسية ومؤسسات الدولة، وأن يلامس مشكلاتهم وينقل نبض الشارع.
وفي هذا الإطار، أشار إلى إمكانية طرح برنامج يتضمن مطالب التيار ومعالجاته على الحكومة، بما يسهم في إيصال رؤيته بشأن القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تشغل المواطنين.
وفي حديثه عن تطور التيار الديمقراطي واتساع حضوره في المحافظات، قال الدباس إن نسبة المستقلين ضمن صفوفه تبلغ حالياً 85 بالمئة، وهي نسبة تختلف جذرياً عن النسب السابقة، مبيناً أن التيار يضم أكاديميين ومثقفين ونساء وشباباً غير منتمين إلى الأحزاب السياسية.
وأضاف أن التنسيقيات التابعة للتيار تمتد من البصرة إلى أربيل، وأن علاقاته توسعت مع مختلف الأحزاب خلال الدورة الحالية، لافتاً إلى أن التيار عقد مؤتمراً في أربيل، وأجرى خلال جولته هناك لقاءات مع الأحزاب الكردية.
مظلة جامعة للديمقراطيين
وفي ما يتعلق برؤية التيار للقوى المدنية والديمقراطية وإمكانية جمعها ضمن إطار سياسي واسع، أوضح الدباس أن رؤية التيار تقوم على أن يكون مظلة لمختلف القوى الديمقراطية المؤمنة بالدولة المدنية الديمقراطية.
وأشار إلى أن التيار أجرى اتصالات مع العديد من الأحزاب خلال الفترة الماضية، لكنه لم يتمكن من تخصيص الوقت الكافي للعمل على هذا الملف بصورة أوسع، بسبب قصر مدة الدورة الحالية، التي استمرت سنتين وتخللتها انتخابات.
وأضاف أن التيار اقترح، ضمن تعديلات النظام الداخلي المنشورة، أن تكون مدة الدورة المقبلة أربع سنوات، بما يتيح له وقتاً أوسع لتطوير اتصالاته بالأحزاب والقوى الديمقراطية وتوسيع علاقاته معها.
وأكد الدباس أن الرؤية تتمثل في أن يصبح التيار المظلة الجامعة للقوى التي تتبنى مشروعاً مدنياً ديمقراطياً، وتلتقي على هدف التغيير السياسي وتقديم بديل حقيقي عن نظام المحاصصة والفساد.
***************************************
راصد الطريق.. قطاع زراعي بتمويل صفري
في وقتٍ تتحدث فيه الحكومة عن إطلاق مبادرة «توزيع مليون مزرعة» ودعم القطاع الزراعي، جاء تصريح وكيل وزارة الزراعة ليضع هذه الوعود على المحك. فقد أكد الوكيل أن تخصيص 1 بالمائة فقط من قيمة موازنة 2027 العامة للقطاع الزراعي، كفيلٌ بانتشاله من واقعه المتردي.
المسؤول تحدث عن مبلغ يقارب تريليوني دينار، يرى أنه يكفي لإنعاش الواقع الزراعي. لكن المفارقة -أن مسودة موازنة 2027 لا تخصص لوزارة الزراعة سوى نحو تريليون دينار، وهو مبلغ يذهب بأكمله إلى الرواتب.
أي أن الوزارة التي يُراد لها أن تقود "نهضة زراعية" لن تجد في موازنتها ديناراً واحداً للمشاريع أو للدعم أو التطوير.
هنا يبرز السؤال المحتوم: كيف لنا الحديث عن مليون مزرعة بينما التخصيصات لا تؤمّن سوى رواتب الموظفين؟ وكيف ينسجم خطاب النهوض بالقطاع مع أرقام تكشف أن الزراعة ما زالت على هامش أولويات الإنفاق؟ فالمبادرات لا تُبنى بالتصريحات، والمزارع لا تُوزَّع بالنوايا، بل بتمويل واضح وبرامج مدروسة، وإرادة تُترجم إلى أرقام في الموازنة.
وإن لم تُصحَّح هذه الفجوة بين الخطاب والتخصيص، فستبقى المبادرة عنواناً جميلاً بلا مضمون، وسيبقى القطاع الزراعي ينتظر وعوداً تتكرر عقيمة مع كل موازنة.
***********************************
الصفحة الثانية
فتح الاستيراد أمام البطاطا والطماطم والبصل لمواجهة ارتفاع الأسعار
بغداد – طريق الشعب
أعلنت وزارة الزراعة، امس الأربعاء، فتح باب الاستيراد أمام محاصيل البطاطا والطماطم والبصل، فضلاً عن إيقاف استيفاء الرسوم الجمركية والضرائب المفروضة على منتجات البيض والدجاج واللحوم الحية المستوردة، في خطوة تهدف إلى مواجهة ارتفاع أسعار المواد الغذائية في الأسواق المحلية.
وقالت الوزارة، في بيان، إن القرار جاء استناداً إلى توجيهات رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي، وبمتابعة وزير الزراعة عبد الرحيم الشمري، لمعالجة ارتفاع أسعار المواد الغذائية، وتخفيف الأعباء عن المواطنين، وحماية الأمن الغذائي، والحد من المضاربات واستغلال ظروف السوق.
ويأتي القرار بالتزامن مع موجة ارتفاع شهدتها أسعار الخضار واللحوم الحمراء والبيضاء في الأسواق المحلية بمختلف المحافظات، وسط تداعيات تقلبات أسعار الصرف وتطبيق التسعيرة الجديدة للدولار.
*********************************
مشهد احتجاجي ضخم.. الخريجون يهزّون العاصمة وقوى المحاصصة تتجاهل مطالبهم
بغداد – طريق الشعب
تجددت احتجاجات حملة الشهادات العليا والخريجين الأوائل في بغداد، إذ احتشدوا في طرق رئيسية بالقرب من المنطقة الخضراء، للمطالبة بتوفير فرص العمل لهم.
يقول مراقبون إن "هذا المشهد الكبير ينبغي الالتفات إليه والاستجابة لمطالبه، لا تجاهله أو قمع المشاركين فيه"، مؤكدين أهمية تصاعد الحركة الاحتجاجية ورفع مطالب سياسية تتعلق بالتغيير السياسي لمنظومة الحكم القائمة، التي أدت إلى هذه الأزمة الخانقة التي يعانيها غالبية المواطنين.
الخريجون.. اعتصام واعتداء جديد
ونظم آلاف الخريجين وأصحاب الشهادات العليا تظاهرة كبيرة في منطقة العلاوي قرب المنطقة الخضراء، وأعلنوا مساء الثلاثاء عن اعتصام مفتوح أمام مجلس الخدمة الاتحادي، بسبب عدم استجابة الجهات المعنية لمطالبهم.
وكانت القوات الأمنية قد استخدمت العنف المفرط ضد المتظاهرين السلميين، في مشهد يتكرر مع كل احتجاج جماهيري مطلبي.
وحمّل المتظاهرون، في مقطع فيديو، القائد العام للقوات المسلحة، رئيس الوزراء علي الزيدي، مسؤولية أي اعتداء أو تضييق أو تجاوز قد يتعرضون له من أي جهة.
وتضمنت مطالب المتظاهرين تضمين فقرة واضحة في موازنة عام 2027 تتعلق بحملة الشهادات العليا والخريجين الأوائل، بما يضمن تثبيت حقوقهم ضمن التخصيصات المالية والدرجات الوظيفية، ويتيح للجهات المعنية المضي في إجراءات التعيين وفق الأطر القانونية والإدارية المعتمدة.
ويطالب المتظاهرون باتخاذ خطوات جدية لمعالجة ملف تعيين حملة الشهادات العليا والخريجين الأوائل، بما يضمن شمول جميع المستحقين بالإجراءات المخصصة لهم وعدم استثناء أي منهم، إلى جانب تخصيص الدرجات الوظيفية والأموال اللازمة لتنفيذ استحقاقاتهم ضمن الموازنة المقبلة.
أصحاب "التكتك"
وفي محافظة ميسان، تظاهر عدد من أصحاب مركبات «التكتك» أمام مبنى مجلس المحافظة، احتجاجاً على قرار المجلس القاضي بتنظيم حركة مركباتهم ومنع سيرها في عدد من الشوارع الحيوية بالمحافظة، اعتباراً من الشهر المقبل.
وتضمن القرار منع مرور هذه المركبات على امتداد شارع البصرة، ومن جسر الشهداء مروراً بشارع دجلة، مع التوجه إلى توسيع نطاق المنع ليشمل مناطق أخرى بصورة تدريجية، بهدف تنظيم حركة المرور والحد من الاختناقات المرورية.
المثنى مطالبات بالسكن والترفيع
ونظم عدد من العاملين في بلدية الرميثة بمحافظة المثنى وقفة احتجاجية للمطالبة بتخصيص قطع أراضٍ سكنية لهم.
وقال المتظاهرون إنهم "يطالبون بإنصافهم ضمن الاستحقاقات المقررة للموظفين والعاملين في الدوائر الخدمية".
وفي السياق ذاته، نظم موظفون مشمولون بإجراءات التسكين والعلاوات والترقيات في مستشفى النسائية والأطفال التابع لدائرة صحة المثنى وقفة احتجاجية للمطالبة بصرف مستحقاتهم المالية المتأخرة.
وقالوا إن "وقفتهم جاءت للمطالبة بحقوقهم المشروعة"، مشيرين إلى عدم صرف مستحقاتهم رغم توفر الوفرة المالية في السابق، وداعين الجهات المعنية إلى الإسراع في إجراءات الصرف وإنهاء معاناتهم.
خريجو هندسة النفط في كركوك
وفي محافظة كركوك، نظم العشرات من خريجي أقسام وكليات هندسة النفط تظاهرة احتجاجية أمام مبنى مجلس المحافظة، للمطالبة بتعيينهم ومنح أبناء المحافظة الأولوية في التوظيف بشركة نفط الشمال.
وجاءت هذه الخطوة عقب اعتصام واحتجاجات خاضها الخريجون على مدى ستة أيام متواصلة أمام مقر شركة نفط الشمال، دون أن يتلقوا أي استجابة أو تفاعل رسمي من إدارتها، ما دفعهم إلى نقل احتجاجهم إلى مجلس المحافظة، في حين أكد المتظاهرون أنه لم يخرج أي مسؤول حكومي حتى الآن للاستماع إلى مطالبهم.
وعبّر المحتجون عن استيائهم البالغ إزاء تفشي ظاهرة المحسوبية، مؤكدين أن فرص التعيين باتت محصورة بأصحاب النفوذ والعلاقات، ومشددين على ضرورة اعتماد شركة نفط الشمال مبدأ الكفاءة ومنح الأولوية في التوظيف للكوادر المحلية من أبناء كركوك، بدلاً من استقدام أشخاص من محافظات أخرى وتعيينهم.
**********************************
تراجع الإيرادات النفطية خلال 7 أشهر والعجز المالي يقترب من 29 تريليون دينار
بغداد – طريق الشعب
كشفت رئيسة الهيئة العامة لمراقبة تخصيص الواردات الاتحادية، سوزان عبد الله محمد، عن تراجع الإيرادات النفطية العراقية بنسبة 53 في المائة خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، فيما ارتفعت الإيرادات غير النفطية بنسبة 23.5 في المائة، في وقت تتسع فيه الفجوة بين إيرادات الدولة ونفقاتها.
وقالت محمد، إن بيانات حساب الدولة الاتحادي الصادرة عن وزارة المالية – دائرة المحاسبة، حتى نهاية تموز 2026، أظهرت انخفاض إجمالي الإيرادات العامة من نحو 72 تريليون دينار خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2025 إلى 39.1 تريليون دينار في الفترة نفسها من العام الحالي، بتراجع بلغ نحو 45.7 في المائة.
وأوضحت أن الإيرادات النفطية انخفضت من نحو 65 تريليون دينار إلى 30.4 تريليون دينار، في حين ارتفعت الإيرادات غير النفطية إلى نحو 8.7 تريليون دينار، مقارنة بنحو 7.1 تريليون دينار في الفترة المقابلة من العام الماضي.
وأضافت أن حصة الإيرادات النفطية من إجمالي الإيرادات العامة تراجعت من نحو 90 في المائة إلى 78 في المائة، مقابل ارتفاع مساهمة الإيرادات غير النفطية إلى 22 في المائة، مؤكدة أن هذه الزيادة لا تزال غير كافية لتعويض التراجع الكبير في الإيرادات النفطية.
عجز يتجاوز الإيرادات
وتكشف بيانات تنفيذ الموازنة الاتحادية، حتى نهاية تموز الماضي، عن اتساع الفجوة المالية؛ إذ بلغت النفقات الحكومية نحو 68.3 تريليون دينار، مقابل إيرادات بنحو 39.1 تريليون دينار، ما رفع الفارق بينهما إلى نحو 29.2 تريليون دينار.
واستحوذت النفقات التشغيلية على نحو 96 في المائة من إجمالي الإنفاق، مقابل 4 في المائة للنفقات الاستثمارية، وفق بيانات وزارة المالية.
وفي تفاصيل الإنفاق، بلغت رواتب الموظفين وتعويضاتهم نحو 35.9 تريليون دينار، فيما وصلت نفقات الرعاية الاجتماعية إلى نحو 16 تريليون دينار، وبلغت مدفوعات خدمة الدين نحو 6.2 تريليون دينار خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الحالي.
وتعكس هذه الأرقام حجم الضغوط التي تواجه المالية العامة، في ظل تراجع الموارد النفطية وارتفاع الالتزامات الحكومية، وما يترتب على ذلك من تضييق المساحة المتاحة للإنفاق الاستثماري والمشاريع التنموية.
الحاجة إلى تنويع الإيرادات
وشددت محمد على أن تعظيم الإيرادات غير النفطية لم يعد خياراً مالياً، بل أصبح ضرورة لتعزيز الاستدامة المالية وتقليل الاعتماد على النفط، من خلال تطوير منظومات التحصيل والجباية، وتعزيز الشفافية والرقابة على الموارد الاتحادية.
ويواجه العراق تحديات مالية متزايدة بفعل اضطرابات الملاحة عبر مضيق هرمز المرتبطة بالحرب، نظراً إلى أهمية الممر في نقل صادراته النفطية، التي تمثل المصدر الرئيسي لإيرادات الدولة وتمويل الموازنة.
ورغم ارتفاع الإيرادات غير النفطية بنحو 1.6 تريليون دينار، فإن هذه الزيادة تبقى محدودة قياساً إلى تراجع الإيرادات النفطية بنحو 34.6 تريليون دينار، ما يبرز صعوبة تعويض خسائر النفط من خلال التحصيل غير النفطي وحده، والحاجة إلى توسيع مصادر الدخل وتعزيز القطاعات الإنتاجية.
********************************
كل خميس.. من الجامعة.. إلى ساحة الاحتجاج
جاسم الحلفي
شهدت بغداد، يوم الثلاثاء 13 تشرين الأول الجاري، تظاهرات للخريجين القدامى وحملة الشهادات العليا والأوائل، الذين جاؤوا من محافظات مختلفة وتوزعت تجمعاتهم بين العلاوي، قرب تقاطع دمشق، ومداخل المنطقة الخضراء. وجاؤوا مطالبين بتخصيص درجات وظيفية في موازنة 2027، فيما أعلن عدد منهم اعتصاماً مفتوحاً أمام مجلس الخدمة العامة الاتحادي، بعد سنوات من الانتظار والاحتجاج.
ليست هذه المرة الأولى التي يتحول فيها مطلب العمل إلى احتجاج. ففي أيلول 2019 أثار استخدام خراطيم المياه ضد خريجاتٍ متظاهرات غضباً شعبياً، في واحدة من الوقائع التي سبقت انتفاضة تشرين. وبعد سبع سنوات، يعود الشباب إلى الساحة ذاتها وبالمطالب نفسها، فيما بقيت أسباب الاحتجاج من دون معالجة جدية.
وبالطبع لا يمكن فصل بطالة الخريجين عن الاقتصاد الريعي الذي كرسته سياسات الحكم المتعاقبة. فالاعتماد على النفط، وإهمال الصناعة والزراعة، وإضعاف القطاعات الإنتاجية عموما، جعل من الوظيفة الحكومية الملاذ الرئيسي للخريجين.
وتكشف بطالة الخريجين عمق الازمة. فبينما تتعطل طاقات آلاف الشباب، تتراكم الثروات لدى طغمة الحكم التي تستفيد من الريع النفطي والعقود والامتيازات والنفوذ السياسي. وقد أسهمت المحاصصة والفساد وتداخل المال بالسلطة، في تسخير جانب من الموارد العامة لخدمة هذه المصالح على حساب الإنتاج وفرص العمل، حتى غدت الطغمة المتنفذة عائقاً أمام تغيير السياسات التي تعمق البطالة وتوسع الفوارق الاجتماعية.
وتزيد الأزمة المالية والنقدية معاناة الخريجين وأسرهم، مع تآكل القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة. غير أن جذور البطالة تكمن في بنية الاقتصاد الريعي وضعف الإنتاج وغياب سياسات التشغيل. ولن تجدي المعالجات المالية الآنية، ما لم تتجه الموارد نحو الإنتاج وتوفير فرص العمل، بدلاً من تحميل الفئات الشعبية كلفة الأزمة.
إن بطالة الخريجين حصيلة لخيارات سياسية واقتصادية لم تجعل الإنتاج والعمل من أولوياتها. وان من حق هؤلاء الخريجين المطالبة بالتعيين، كما ان الاستجابة لمطالبهم ينبغي أن تقترن بسياسة تنموية توسع فرص العمل، وتضمن العدالة في التوظيف بعيداً عن المحاصصة والمحسوبية.
أما التعامل مع احتجاجاتهم بوصفها مشكلة أمنية، فلن يعالج أسبابها. فالاحتجاج السلمي حق دستوري، والاستماع إلى المطالب مسؤولية الدولة. ويحتاج الخريجون إلى استجابة واضحة، لا الى وعود تتجدد مع كل احتجاج. وتبقى وعودا.
ان تظاهرات الخريجين تكشف أزمة نظام سياسي، لم ينجح في بناء اقتصاد منتج يستثمر في الإنسان ويوفر له فرص العمل، رغم كل موارد العراق الكبيرة.
وستظل ساحات الاحتجاج تستقبل دفعات جديدة من الخريجين الغاضبين، ما دامت السياسات التي تنتج البطالة قائمة. فالمشكلة ليست في كثرة الشهادات، وإنما في اقتصاد يعطل الطاقات، ونظام سياسي يقدم مصالح طغمة الفساد على حاجات المجتمع. وان من حق هؤلاء الشباب أن يجدوا في وطنهم مكاناً لعلمهم وعملهم، لا أن تكون الشهادة التي حملوها من الجامعة هي نفسها التي يحملونها إلى ساحة الاحتجاج.
********************************
الصفحة الثالثة
حماية تراث الموصل مسؤولية تتجاوز المنظمات الدولية
مطالبات بإشراك الحكومة والمجتمع المحلي في صيانة المواقع التاريخية
بغداد – تبارك عبد المجيد
بين الدمار الذي خلّفته سنوات الحرب ومحاولات الترميم التي تقودها منظمات دولية ومحلية والأهالي، تقف المعالم الأثرية في الموصل أمام تحدي استعادة ملامحها التاريخية والحفاظ عليها من الإهمال والتدهور. ورغم ما شهدته المدينة من مشاريع لإعادة إعمار مواقع بارزة، لا تزال الحاجة قائمة إلى خطط مستدامة للصيانة والحماية، تضمن عدم ضياع ما تبقى من إرثها الحضاري، وتحفظ ذاكرة المدينة للأجيال المقبلة.
إحياء روح الموصل
يقول رئيس مؤسسة تراث الموصل، أيوب ذنون، إن مدينة الموصل تعرضت لخسائر كبيرة في مواقعها الأثرية والتراثية خلال سيطرة تنظيم داعش عليها، إذ دُمّرت عشرات، وربما مئات، المواقع، من بينها البيوت التراثية والجوامع والكنائس والمعالم التاريخية، فضلاً عن مدينة النمرود ومتحف الموصل الحضاري.
ويوضح ذنون لـ"طريق الشعب" أن المدينة القديمة كانت من أكثر المناطق تضرراً، نتيجة الدمار الذي لحق بمبانيها خلال فترة سيطرة التنظيم والعمليات العسكرية ومعركة التحرير، الأمر الذي تسبب بخسارة أجزاء مهمة من إرث الموصل التاريخي والحضاري.
ويضيف أن جهود إعادة إعمار المواقع التراثية بدأت بعد التحرير، ولا سيما منذ عام 2018، بمشاركة منظمات دولية ومحلية، من بينها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، عبر مبادرة «إحياء روح الموصل»، التي أسهمت في إعادة إعمار جامع النوري وتأهيل عدد من المنازل التراثية، فضلاً عن كنيستي الساعة والطاهرة.
ويشير إلى أن منظمات أخرى، من بينها منظمة أليف، عملت على ترميم وتأهيل متحف الموصل الحضاري وجامع المصفي، مؤكداً أن هذه المبادرات تمثل خطوات إيجابية في استعادة جزء من تراث المدينة، ولا سيما في الموصل القديمة.
ولا تقتصر جهود الحفاظ على التراث، بحسب ذنون، على المنظمات الدولية، بل امتدت لتشمل المجتمع المحلي والأهالي، الذين أسهموا في إعادة إعمار عدد من الجوامع والمواقع الدينية، من بينها جامع النبي يونس، بالتعاون مع منظمة فعل الخيرات المحلية، إلى جانب جامع النبي جرجيس وجامع النبي شيت ومواقع دينية أخرى.
ويبين أن أصحاب بعض البيوت التراثية في الموصل القديمة بادروا أيضاً إلى ترميم ممتلكاتهم والحفاظ عليها، بالتزامن مع ظهور مبادرات محلية تهدف إلى صون التراث والتعريف به، ولم تقتصر هذه المبادرات على المباني التاريخية، بل شملت إنشاء متاحف ومؤسسات مجتمعية تُعنى بحفظ الموروث الموصلي وتنشيط السياحة الثقافية.
ومن بين هذه المبادرات، يلفت ذنون إلى مؤسسة تراث الموصل، المعروفة بـ«بيت التراث»، ومؤسسة «بيتنا، بيت أهلنا»، و«دار التراث الموصلي»، وغيرها من المؤسسات والبيوت المجتمعية التي تعمل على حماية التراث وتعريف الأجيال الجديدة به، فضلاً عن تعزيز حضور المدينة على خريطة السياحة الثقافية.
ويصف ذنون المرحلة الحالية بأنها جيدة مقارنة بالسنوات الماضية، في ظل ما تحقق من أعمال الترميم وإعادة التأهيل، لكنه يؤكد أن عدداً من المواقع والبنى التحتية المرتبطة بالتراث والآثار لا يزال بحاجة إلى إعادة إعمار، مشدداً على أن استكمال أعمال الترميم لا يمثل نهاية المطاف.
ويختتم بالقول إن التحدي الأهم يتمثل في ضمان استدامة هذه المواقع وإدارتها بصورة صحيحة، إلى جانب تنشيط الحركة السياحية وتوفير الظروف اللازمة لاستقبال الزوار، خصوصاً أن الموصل تشهد في الفترة الأخيرة إقبالاً متزايداً من السياح المحليين والأجانب، ما يجعل الحفاظ على تراثها مسؤولية تتجاوز إعادة بناء المباني إلى حماية هويتها التاريخية والحضارية.
الإهمال والتآكل مستمران
يقول المختص في التاريخ، جنكيز حارث، إن تراث مدينة الموصل يمثل جزءاً أساسياً من الذاكرة التاريخية والثقافية للعراق، وإن ما تعرضت له المدينة خلال السنوات الماضية ترك أثراً كبيراً على أبنيتها ومعالمها التاريخية، موضحاً أن بعض المواقع شهدت أعمال ترميم وإعادة تأهيل أعادت إليها جزءاً من ملامحها الأصلية، إلا أن هذا الجهد لا يزال بحاجة إلى الاستمرار والتوسع ليشمل المواقع التي لم تصل إليها أعمال الصيانة.
ويضيف حارث أن مشكلة التراث في الموصل لا تقتصر على الأبنية التي تعرضت للدمار، فهناك مبانٍ تاريخية قائمة، لكنها تعاني الإهمال والتآكل نتيجة غياب الصيانة الدورية، مبيناً أن ترك هذه المواقع من دون متابعة يجعلها عرضة للتدهور التدريجي، وقد يؤدي، مع مرور الوقت، إلى فقدان أجزاء من تفاصيلها المعمارية التي تشكل قيمة تاريخية بحد ذاتها.
ويشير إلى أن عملية الترميم يجب ألا تكون مجرد إعادة بناء للشكل الخارجي، وإنما ينبغي أن تستند إلى دراسة تاريخية ومعمارية دقيقة تحافظ على هوية المبنى وخصائصه الأصلية، لأن تغيير المواد أو التفاصيل أو أسلوب البناء من دون مراعاة طبيعة الموقع قد يؤدي إلى فقدان جزء من قيمته التراثية.
ويؤكد أن الموصل تمتلك تنوعاً كبيراً في المباني والأسواق والدور والمواقع الدينية والتاريخية، ولذلك فإن التعامل معها يحتاج إلى رؤية شاملة تضع الحفاظ على النسيج العمراني للمدينة ضمن أولوياتها.
ويتابع أن الحفاظ على التراث مسؤولية مشتركة بين الجهات الحكومية والجهات المختصة والمجتمع المحلي، ولا يمكن أن تنجح أعمال الترميم من دون وجود خطط واضحة للصيانة والمتابعة بعد إنجاز المشاريع، موضحاً أن المبنى التاريخي، إذا جرى ترميمه ثم تُرك لسنوات من دون عناية، فإنه سيعود تدريجياً إلى حالة التدهور نفسها.
ويؤكد أن أغلب أعمال التأهيل الحالية ليست حكومية، بل تُنفذ بجهود المنظمات أو الأهالي.
ويلفت إلى أن أهمية تراث الموصل لا ترتبط بالماضي وحده، إذ يمكن لهذه المواقع أن تؤدي دوراً في تنشيط الحياة الثقافية والسياحة وتعريف الأجيال الجديدة بتاريخ مدينتهم، مؤكداً أن حماية ما تبقى من المباني والمواقع التاريخية تعني الحفاظ على جزء من هوية الموصل وذاكرتها، وأن التأخر في معالجة الأبنية المهددة بالإهمال قد يؤدي إلى تفاقم الأضرار التي تلحق بها.
حديقة سياحية في قلعة باشطابيا
وأطلق محافظ نينوى، عبد القادر الدخيل، الأعمال التنفيذية لإنشاء أول حديقة تاريخية سياحية في قلعة باشطابيا الأثرية، على مساحة تبلغ 10 آلاف متر مربع، في خطوة تهدف إلى تعزيز المشهد الحضري وإحياء واحدة من أبرز المعالم التاريخية في مدينة الموصل.
وذكرت محافظة نينوى، في بيان تابعته «طريق الشعب»، أنه جرى إطلاق الأعمال بحضور مفتش آثار نينوى، رويد الليلة، ومديرة مشاريع قسم الثقافة في مكتب اليونسكو – العراق، كاثرين هاين، في إطار الجهود الرامية إلى دعم مشاريع إعادة تأهيل المواقع التراثية والثقافية والسياحية في المحافظة، وإبراز القيمة التاريخية لقلعة باشطابيا ومحيطها.
إعداد قاعدة بيانات للمواقع الاثرية
وتقول الناشطة المهتمة بالشأن الثقافي والتراثي في نينوى، مريم حسان، إن الحفاظ على المعالم الأثرية في الموصل لا ينبغي أن يقتصر على إعادة إعمار المواقع التي تعرضت للتدمير، بل يتطلب وضع خطط مستدامة لحماية جميع المواقع التاريخية، بما فيها المعالم الآشورية التي تمثل جزءاً أساسياً من هوية المدينة وذاكرتها الحضارية.
وتضيف حسان لـ«طريق الشعب» أن ما شهدته الموصل من مشاريع ترميم وإعادة إعمار يمثل خطوة مهمة لاستعادة إرثها التاريخي، لكن هذه الجهود تحتاج إلى متابعة مستمرة لضمان صيانة المواقع بعد ترميمها، ومنع تعرضها للإهمال أو التدهور مجدداً. كما تؤكد ضرورة أن تتحمل الجهات الحكومية مسؤولياتها في تخصيص الموارد اللازمة لحماية الآثار، ومراقبة أعمال الترميم، وإشراك المجتمع المحلي والمهتمين بالتراث في تحديد أولويات الحماية.
وتشير حسان إلى أن المعالم الأثرية ليست مجرد مبانٍ قديمة، بل شواهد على تاريخ الموصل وتنوعها الثقافي والديني، وأن فقدان أي موقع منها يعني خسارة جزء من ذاكرة المدينة. وتدعو إلى إعداد قاعدة بيانات شاملة للمواقع الأثرية والتراثية، وتحديد المواقع الأكثر عرضة للإهمال والتضرر، والعمل على حمايتها قبل أن تتفاقم الأضرار، مؤكدة أن مسؤولية الحفاظ على تراث الموصل لا تقع على عاتق المنظمات الدولية وحدها، بل تتطلب التزاماً حكومياً ومجتمعياً يضمن انتقال هذا الإرث إلى الأجيال القادمة.
***********************************
عين على الأحداث
تعرفون وتحرفون!
كشفت وزيرة البيئة عن معلومات خطيرة بشأن التلوث البيئي والإهمال الكبير في معالجة المخلفات قبل تصريفها في الأنهار، ولاسيما مخلفات المستشفيات التي تطرح مباشرة في المياه من دون معالجة، محذّرة من تفشي كوارث صحية في البلاد. هذا وفيما كشفت الوزيرة عن عدم تخصيص أي أموال للوزارة على مدى ثلاثة أعوام متتالية، تساءل الناس عن جدوى استحداث وزارة وتعيين المئات فيها، في وقت يُحجب عنها التمويل فتتحول إلى وزارة للبطالة المقنعة، معربين عن دهشتهم من تغوّل الجحوش الإلكترونية في الحياة العامة، واتقانها التنمّر على المعلومات الطبية للوزيرة، مقابل التغطية على الدور الحقيقي للمسؤولين عن هذه الكوارث.
سلامتك يا عراق!
أعلن حزب PKK انسحابه الكامل من الأراضي التركية إلى إقليم كردستان، في خطوة تنقل تداعيات الأزمة التركية إلى الداخل العراقي، وقد تمنح أنقرة مبرراً لتأجيل انسحاب قواتها، وتخلق تعقيدات جديدة أمام جهود رأب الصدع في الإقليم، وزعزعة الاستقرار السياسي والأمني. هذا، ورغم تخلي الحزب عن العنف، فإن التقدم فى مسار السلام لا يزال بطيئاً، جراء غياب الثقة بين الطرفين، وعدم رغبة حكومة أنقرة الاعتراف بالحقوق المشروعة للكرد، ومحاولتها استغلال المشكلة لشرعنة التدخل في شؤوننا، مما يتطلب تنسيقاً عاجلاً بين بغداد وأربيل لسدّ الثغرات والحيلولة دون نشوء مخاطر جديدة تهدد سيادة العراق.
المزور والحرامي سوه سوه
كشف أحد النواب عن صدور كتاب رسمي عن الدائرة الإدارية في مجلس النواب، يتضمن توجيهاً بتدقيق الشهادات الدراسية لجميع مسؤولي الدولة، بعد اكتشاف حالات تزوير وتلاعب في وثائق بعض المسؤولين، ولاسيما شهادات تخرجهم من المراحل الدراسية الثلاث، الابتدائية والمتوسطة والإعدادية. هذا، وفيما تثار في كواليس البرلمان شكوك بصحة شهادات ثلاثين من أعضائه، أي مايعادل 10 في المائة منهم، ذكر نائب سابق أن 525 شهادة ثانوية قد زُوّرت في تربية الكرخ وحدها، لصالح نواب ومسؤولين من "ولاة أمورنا"، الذين لا يرقى "طموحهم" لتزوير شهادات جامعية، لأن مخيلتهم لا تتسع للحلم بشهادة مثلها.
تفاحنا .. خد و خد
تشهد منطقة برواري بالا في قضاء العمادية تكدّس أكثر من 130 طناً من التفاح، بسبب محدودية أسواق تصريفه، وعدم وجود معامل لتصنيعه، فضلاً عن انخفاض أسعاره نتيجة المنافسة مع التفاح المستورد، الأمر الذي يُلحق خسائر كبيرة بالمنتجين. هذا، وتجدر الإشارة إلى أن العراق ينتج قرابة 76 ألف طن من التفاح سنوياً، أي نحو كيلوغرامين للفرد، وهو معدل جيد، يمكن أن يسهم في تقليل الاعتماد على الاستيراد، عبر تنظيم حفظ المحصول وتوزيعه على مدار العام، وتوسيع الإنتاج وزيادة الإنتاجية، بدلاً عن إغراق السوق بتفاح رديء الجودة، يقلل فرص تطور المنتجين المحليين.
الچلاوي ليش ممرودات
كشفت وزارة الداخلية عن اعتقال شبكة للاتجار بالبشر، تعتمد على تقديم قروض بفوائد مرتفعة لفقراء يعانون صعوبات معيشية كبيرة، ثم مطالبتهم بالتنازل عن أعضاء من أجسادهم، ولاسيما الكلى، لسداد تلك القروض مع فوائدها. الناس الذين تقلقهم هذه التراجعات في القيم والأخلاق، إلى جانب تدهور مستوى المعيشة وتفاقم صعوبات الحياة للأغلبية الساحقة منهم، لا يعتقدون أن الحل يكمن في محاسبة المجرمين فحسب، بل وفي معالجة البيئة التي تنتج هذه الكوارث، ابتداءً من وجود ربع العراقيين تحت مستوى الفقر وربعهم الأخر عند هذا المستوى، وضعف هيبة القانون، وحماية بعض المتنفذين لقتلة المحتاجين والجياع.
********************************
العراق في الصحافة الدولية
ترجمة وإعداد: طريق الشعب
هل سيتراجع النفوذ الأمريكي أم يعيد تشكيل أدواته؟
نشر موقع Eurasia Review مقالاً للكاتب جيمس دورسو حول العلاقات الأمريكية العراقية، أشار فيه إلى أن رحيل قوات التحالف الدولي قد يؤدي إلى تراجع تأثير أدوات الضغط المباشر، لكن قدرة واشنطن على ممارسة النفوذ عبر النظام المالي القائم على الدولار، والعقوبات، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، ومبيعات الأسلحة، والاستثمار في التكنولوجيا والطاقة، بموجب اتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة عام 2008، لا تزال قوية. وتساءل دورسو عن مدى رغبة البيت الأبيض في استخدام هذه الأدوات للتأثير في القرارات العراقية أو التحكم فيها، متوقعًا أن يكون الفشل مصير النهج الأخير.
حصر السلاح
وأشار الكاتب إلى أن دمج العديد من الفصائل المسلحة الحليفة لإيران في مؤسسة الحشد الشعبي، يمثل القضية الأكثر تعقيداً. ورأى أن على واشنطن دعم خطة الحكومة العراقية الرامية إلى دمج هذه الفصائل تدريجياً وإنهاء قياداتها المستقلة، محذراً من أن نزع سلاحها فوراً قد يؤدي إلى اندلاع صراع.
كما نصح واشنطن بتجنب مطالبة العراق بقطع صلاته المهمة مع إيران المجاورة، والسماح له بالحفاظ على علاقاته مع كل من واشنطن وطهران، مع دعم سيادته في اتخاذ قراراته الأمنية. ودعا إلى إضفاء طابع استراتيجي أوسع على العلاقات العراقية الأمريكية، مع تقليل التركيز على الجوانب الأمنية، مبررا ذلك بحاجة العراق إلى التكنولوجيا والاستثمارات الأمريكية والغربية في مجالي البنية التحتية والطاقة.
الضغوط المالية
وتوقع الكاتب استمرار النفوذ المالي الأمريكي حتى بعد رحيل القوات، إذ تتدفق عائدات تصدير النفط الخام عبر النظام المالي القائم على الدولار، وتُحفظ في حساب للبنك المركزي العراقي لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. ورغم أن هذه الآلية تندرج في إطار حماية نظام الدولار، ولا ترتبط رسميًا بالقرارات السياسية الداخلية، فإن واشنطن استخدمتها مرارًا للضغط على بغداد. ومما يثير القلق احتمال استخدامها مجددًا إذا احتفظت الفصائل المسلحة بأسلحتها، ولم تتعافَ صادرات النفط من آثار إغلاق مضيق هرمز.
مخاوف حقيقية وأوهام
ورغم تأكيده على أهمية التخلص التدريجي من سلاسل القيادة المستقلة، والعمليات غير المصرح بها، والأسلحة الثقيلة، حذر الكاتب من اللجوء إلى العنف لفرض حصر السلاح بيد الدولة، أو تسريح عشرات الآلاف من العسكريين من دون استيعابهم في مؤسسات الدولة، إذ قد يؤدي ذلك إلى تكرار ما حدث عام 2003، حين حُلَّ الجيش العراقي السابق.
كما أكد ضرورة التعامل بجدية مع مخاوف إقليم كردستان من التطورات المحتملة بعد الانسحاب، سواء فيما يتعلق بعودة تنظيم داعش الإرهابي إلى النشاط، أو احتمال اندلاع صدام مع حلفاء إيران، أو حتى مع القوات الإيرانية نفسها. ويبدو أن خروقات عديدة في هذا المجال قد ضاعفت تلك المخاوف، ودفعت حكومة الإقليم إلى تذكير بغداد بتعهداتها المعلنة بشأن قدرة قواتها على حماية العراق بأكمله.
ألم تختفِ المبررات؟
وذكر الكاتب أن كثيرًا من العراقيين يتساءلون عن أسباب احتفاظ الفصائل المسلحة بأسلحتها، بعدما كانت تبرر ذلك بوجود قوات أجنبية في العراق؛ وهو الملف الذي أُغلق برحيل القوات الأمريكية والاتفاق على جلاء القوات التركية عن قاعدتين في شمال العراق. كما أن اتخاذ هذه الفصائل قرار المشاركة في الحرب الأخيرة بمعزل عن الحكومة أثار إشكاليات عديدة تتعلق بالسيادة الوطنية وحصرية قرارَي الحرب والسلم بيد الدولة الحديثة، على حد تعبيره.
وأشار الكاتب إلى أن واشنطن قد تقبل، على مضض، بنفوذ إيراني يُمارَس عبر العملية السياسية العراقية، لكنها لن تتقبل أن يُمارَس هذا النفوذ من خلال هيكل عسكري موازٍ، أو عبر حلفاء متغلغلين في البنية التحتية الحيوية.
تغير المواقف
ووفقًا لتقديرات الكاتب، تنظر النخب السياسية العراقية اليوم بإيجابية متزايدة إلى الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، مقارنةً بما كان عليه الحال عام 2011، حين انسحبت القوات الأمريكية للمرة الأولى. كما باتت هذه النخب تنظر إلى الاستثمار والتكنولوجيا والنمو الاقتصادي المشترك باعتبارها مجالات أكثر أهمية من التعاون الأمني وحده. ويعتقد بعضهم أن على واشنطن ترجمة الكلمات الإيجابية التي أطلقها الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش عام 2003، حين احتلت القوات الأمريكية العراق وأسقطت نظام صدام حسين، بشأن قدرة الشعب العراقي على "المشاركة في ركب التقدم والازدهار الذي يشهده عصرنا بعد أن يتحرر من وطأة القمع".
وذكر الكاتب أن ممارسة قدر أقل من السيطرة العلنية قد تكون أكثر فاعلية في الحفاظ على النفوذ الأمريكي وتوسيع التعاون، في ضوء خمسين اتفاقية ومذكرة تفاهم وُقّعت بين الحكومة العراقية وشركات أمريكية، بقيمة إجمالية تتجاوز 60 مليار دولار أمريكي في تموز الماضي.
***********************************
الصفحة الرابعة
الأرض حقٌ للفقراء وليست هبةً من الأقوياء
موفق جواد الطائي*
حين تعلن الدولة عن توزيع مليون قطعة أرض، فإن السؤال الحقيقي ليس: من سيحصل عليها؟ بل: من هو الأحق بها؟
العراق بلدٌ يعيش فيه ملايين المواطنين تحت ضغط الفقر وارتفاع كلفة السكن، فيما تشير المعطيات التي يستند إليها هذا الطرح إلى أن نحو 25 في المائة من السكان يعيشون تحت خط الفقر. وفي مثل هذه الظروف، لا يجوز أن تتحول الأرض العامة إلى امتياز جديد لأصحاب النفوذ أو إلى مورد إضافي لمن يمتلك أصلاً دخلاً أو سكناً أو عقاراً. إذا كانت الدولة قد قررت توزيع مليون قطعة أرض، فإن عليها أن تجيب بوضوح أمام المجتمع: هل هذه الأراضي مشروع للعدالة الاجتماعية، أم مجرد عملية توزيع إداري؟ فالفرق كبير بين الاثنين.
إن الأرض السكنية التي تمنحها الدولة ليست سلعة عادية؛ إنها جزء من سياسة الإسكان والحماية الاجتماعية، ولذلك يجب أن تذهب أولاً إلى المواطن الذي لا يستطيع الحصول على السكن بوسائله الخاصة.
وهنا يصبح المبدأ بسيطاً: الإسكان أولاً للأشد فقراً، ثم لمن هم دون خط الفقر، ثم للفئات الأخرى المستحقة وفق معايير معلنة وشفافة.
الأمم المتحدة لا تتحدث عن «قطعة أرض» فقط
الحق في السكن الملائم معترف به في القانون الدولي لحقوق الإنسان. وتؤكد الأمم المتحدة أن السكن الملائم يجب أن يوفر الأمن والحماية والخصوصية والمكان المناسب والخدمات الأساسية، وأن يكون ميسور الكلفة ومتاحاً للفئات المحرومة والمهمشة.
كما تؤكد UN-Habitat أن الحق في السكن الملائم يشمل أمن الحيازة، وعدم التمييز، والمشاركة في القرارات المتعلقة بالسكن، والحماية من الإخلاء القسري. (UN-Habitat)
وهذا يعني أن سياسة توزيع الأراضي لا ينبغي أن تبدأ من سؤال: من يستطيع الحصول على الأرض؟ وإنما من سؤال آخر أكثر عدالة: من هو المواطن الذي لا يستطيع أن يحصل على السكن إلا من خلال تدخل الدولة؟ هذا هو جوهر السياسة الاجتماعية للإسكان.
معيار الفقر يجب أن يتقدم على معيار القوة
المشكلة ليست في أن تمنح الدولة الأرض، بل في منهج توزيعها.
فإذا كان هناك مواطن لا يملك دخلاً ولا مسكناً، وأرملة تعيل أطفالاً، وأسرة أيتام، ورب أسرة عاجز عن العمل، وأسرة تضم أطفالاً وكباراً في السن ومرضى، فإن وضعهم في طابور واحد مع موظف ميسور أو مالك عقار آخر ثم إجراء القرعة بينهم جميعاً لا يمثل بالضرورة عدالة اجتماعية. العدالة تعني أن يحصل الأكثر احتياجاً على أولوية أعلى.
ولهذا فإن نظام النقاط الوارد في الدراسة المرفقة يقدم أساساً يمكن تحويله إلى نظام وطني شفاف؛ إذ يعطي أوزاناً للأيتام، والأسر التي تعيلها النساء، والعجز عن العمل، والأطفال، وكبار السن، والحالات المرضية، ثم يضيف معيار الدخل. وهذه ليست فكرة تفضيلية اعتباطية؛ إنها محاولة لتحويل مفهوم «المستحق» من كلمة فضفاضة قابلة للتلاعب إلى معيار قابل للقياس والتدقيق والمراجعة.
لا نريد مليون قطعة أرض نريد مليون فرصة للعيش بكرامة
الخطأ الأكبر هو التعامل مع توزيع الأراضي باعتباره إنجازاً رقمياً. مليون قطعة أرض ليست مليون إنجاز إذا ذهبت إلى غير المحتاجين.
الإنجاز الحقيقي هو أن تصل الأرض إلى الأسرة التي لا تملك سكناً، وأن ترتبط الأرض بالبنية التحتية والخدمات، وأن تكون هناك حماية من المضاربة والبيع السريع، وأن يتحول البرنامج من توزيع قطع جغرافية إلى سياسة إسكان اجتماعي متكاملة.
فالأمم المتحدة تؤكد أن السكن الملائم لا يتحقق بالأرض أو المبنى وحدهما؛ بل يرتبط بتوفير المياه والصرف الصحي والطاقة والخدمات والبنية التحتية والأمن القانوني للحيازة. (UN-Habitat)
لذلك لا يجوز للدولة أن تقول للفقر: «هذه قطعة أرض»، ثم تترك الأسرة أمام كلفة البناء والخدمات والطرق والماء والكهرباء. السكن حق، وليس مجرد قطعة أرض.
من يستحق أولاً؟
انطلاقا من المعايير الواردة في الملف، يمكن اعتماد سلم أولوية وطني واضح:
أولاً: الأشد فقراً والمعدمون الذين لا يملكون دخلاً أو سكناً.
ثانياً: الأسر الواقعة تحت خط الفقر، مع إعطاء الأفضلية للأسر ذات الأعباء الاجتماعية الأكبر.
ثالثاً: أسر الأيتام والأسر التي تعيلها النساء.
رابعاً: الأسر التي لديها أفراد عاجزون عن العمل أو أطفال أو مسنون أو مرضى.
خامساً: بقية الفئات المستحقة وفق مستوى الدخل والحاجة الفعلية وعدم امتلاك مسكن مناسب.
أما من يملك مسكناً مناسباً أو أرضاً سكنية أو قدرة مالية كافية للحصول على السكن، فلا ينبغي أن ينافس المعدم على المورد العام المخصص لمعالجة أزمة السكن.
لا للتوزيع السياسي نعم للتوزيع بالنقاط
العراق لا يحتاج إلى لجان جديدة تستطيع تفسير كلمة «المستحق» كما تشاء.
العراق يحتاج إلى نظام وطني معلن للنقاط.
كل مواطن يعرف مسبقاً كم نقطة يستحق.
كل أسرة تعرف لماذا تقدمت أو تأخرت.
وكل جهة رقابية تستطيع مراجعة القرار.
وكل مواطن يستطيع الاعتراض.
بهذا فقط يمكن إغلاق الباب أمام المحاباة والواسطة والتدخل السياسي.
والملف نفسه يشدد على ضرورة تحديد معايير وطنية لتوزيع الأرض السكنية والدور المدعمة من الدولة، بما يسهل وصول السكن إلى الفئات المهمشة والأشد فقراً.
نطالب الدولة بخمسة قرارات واضحة
أولاً: إعلان معيار وطني موحد لتوزيع الأراضي، وعدم ترك مفهوم «المستحق» للتفسير الشخصي.
ثانياً: جعل الفقر والحاجة السكنية أساس الأولوية، قبل المعايير الثانوية.
ثالثاً: نشر قوائم المستفيدين ودرجاتهم وآلية احتساب النقاط، مع فتح باب الاعتراض والتدقيق.
رابعاً: ربط توزيع الأرض بالخدمات والبنية التحتية، لأن الأرض غير المخدومة ليست سياسة إسكان متكاملة.
خامساً: إنشاء آلية مستقلة لمتابعة حق السكن، وتلقي الشكاوى المتعلقة بالإخلاء والملكية والحصول على الخدمات، وهو اتجاه ينسجم مع ما تؤكده UN-Habitat بشأن ضرورة حماية الحق في السكن ومتابعته قانونياً ومؤسسياً. (UN-Habitat)
وأين الجيش والموظفون وبقية الفئات؟
ليست القضية حرمان أي فئة من حقوقها القانونية.
إذا قررت الدولة تخصيص حصص لفئات محددة بموجب قوانين نافذة، فيجب احترام تلك الحقوق ضمن الحصة التي يحددها القانون. لكن لا ينبغي استخدام تلك الاستحقاقات ذريعة لإزاحة الفئات الأشد فقراً من برامج الإسكان الاجتماعي المخصصة لمعالجة الفقر.
هناك فرق بين حق قانوني خاص لفئة معينة وبين برنامج اجتماعي لمكافحة الفقر والسكن غير الملائم. والخلط بينهما هو الذي يصنع النزاع.
الرسالة إلى الحكومة يا حكومة العراق:
إذا كان هدفكم من توزيع مليون قطعة أرض هو معالجة أزمة السكن، فابدؤوا بمن لا يملك شيئاً.
ابدؤوا بالمعدمين ثم بالأسر تحت خط الفقر ثم بالأرامل والأيتام ثم بالعاجزين عن العمل ثم بالأسر الكبيرة والأطفال والمسنين والمرضى.
واجعلوا كل ذلك وفق نقاط معلنة لا يستطيع موظف ولا مسؤول ولا حزب أن يغيرها.
فالدولة التي تملك الأرض تملك القدرة على أن تجعلها أداة للعدالة الاجتماعية.
أما إذا وزعت الأرض لمن يملك القدرة والنفوذ، فإنها لن تحل أزمة السكن؛ بل ستعيد إنتاج عدم المساواة.
الأرض العامة ملك للمجتمع، ولذلك يجب أن يكون الفقراء أول المستفيدين منها عندما تُخصص لمواجهة أزمة السكن.
وهذه ليست منحة. إنها سياسة عدالة اجتماعية، وحق في السكن، ومسؤولية على الدولة أن تؤديها بشفافية.
ــــــــــــــــــــــــــــ
UN-Habitat — الحق في السكن الملائم
UN-Habitat — Housing Rights
OHCHR — التعليق العام رقم 4 بشأن الحق في السكن الملائم
*************************************
ظاهرة خفض سعر الدينار العراقي
حسام محمد عبد لله*
معلوم أن الدينار العراقي هو عملة وطنية نقدية تعبر عن قيمة السلعة المنتجة حسب جودتها والجهد المبذول في إنتاجها، وأن الدولة التي تسعى لزيادة قيمة عملتها فهي تنوي تطوير إنتاجها المحلي وسعادة شعبها وتنمية قدراتها لتحقيق استقلال الوطن وقرارها السيادي.
ودليلنا لما كان الدينار العراقي يعادل (3.5)$ دولار أمريكي في السوق الرسمي، إذ كان العراق من البلدان التي يحسب لها حساب في ميزان المدفوعات وكان هناك قوة جاذبة للعراق في بناء علاقات دولية متوازنة بين الأمم.
واليوم أخذت الحكومات المتعاقبة بتخفيض قيمة الدينار العراقي ورفع قيمة الدولار الأمريكي رويد اً رويداً، حيث كانت له ظواهر مدانة ومؤثرة في الاقتصاد العراقي ومن بينها رفع قيمة السلعة المنتجة نظراً لانخفاض قيمة الدينار يقابلها تراجع في الإنتاج المحلي، بسبب ارتفاع كلف الإنتاج وعدم قدرته في المنافسة لتراجع في تحسين الجودة، بسبب أن أغلب المواد الداخلة في الإنتاج هي مستوردة وتتداول بقيمة الدولار، وأن ذلك ينسحب على ضعف القدرة الشرائية وبالتالي يعرض السوق المحلية إلى الكساد وعدم قدرة تداول رأس المال، يتبعها تقليل استخدام التقنيات الحديثة والسعي لتنمية وتطوير الإنتاج المحلي وكذلك جمود ظاهرة الإبداع والابتكار في نشاطات الإنتاج والتسويق سيما في المواد الضامنة للأمن الغذائي الوطني مما ذكر أعلاه يسبب في المحصلة النهائية في توقف المزارع والمصانع والمتاجر والتبادل السلعي ، يرافقها تسريح الأيدي العاملة بالإضافة إلى الأضرار الكبيرة التي تلحق في الطبقات الهشة مما يعرضها إلى الفقر الذي يسبب الأمراض وتراجع القدرات الانتاجية.
والظاهرة المثيرة للجدل التي تبرز هو تجميع رأس المال بيد فئة قليلة، تصبح لها الحرية في الصرف المفرط بدون جدوى والبذخ والإنفاق غير الضروري، مما يتبعها الابتزاز والاستغلال والاحتكار والارتباط بأجندة خارجية، تتحكم بمصائر الشعب مما يدفعها إلى سحق الطبقة الوسطى التي هي عماد بناء البلاد. ومن هنا يبدأ التناقض بين علاقات الإنتاج وقوى الإنتاج مما توصل البلاد إلى التناقض والصراعات وتدهور الوضع الاجتماعي وعدم الاستقرار، ولذلك نرى أن الحلول الاساسية لإنقاذ تدني سعر الدينار العراقي ما يلي:
1. تقليل الإنفاق إلى أقصى مستوياته في جميع دوائر القطاع الحكومي والمختلط والمشروع الفردي.
2. إيقاف مشروع الموازنات للمشاريع غير الضرورية واعتبارها مؤجلة لبدائل أخرى ضرورية لموازنة 2027 .
3. ايقاف الاستيرادات عدا المواد الغذائية والصحية والداخلة في الصناعة وإيقاف جميع المستوردات التي يوازيها في الانتاج المحلي.
4. إعادة النظر في سلم الراتب وإلغاء الرواتب المزدوجة واعتماد راتب واحد أيهما أعلى وإلغاء الامتيازات والمخصصات والرواتب الوهمية، وتحقيق العدالة في توزيع الثروة .
5. تخفيض رواتب السلطات الثلاث والمدراء العامين والرواتب التي تصرف خارج العراق.
6. اعتماد الخزانة المركزية من اجل دخول كافة الإيرادات فيها بلا منافس لإبقاء الواردات في الوزارات والدوائر الغير مرتبطة بوزارة.
7. إلغاء المنح التي تمنح للدوائر والقطاع الخاص وجعلها تعتمد على مشاريعها الإنتاجية وهذه نقطة مهمة لأنه يعتبر هدر في المال العام.
8. تنويع مصادر الدخل باعتماد مشاريع مدرة للدخل في القطاع الخاص في المجالات (زراعي، صناعي، تجاري) وعدم التهاون في ذلك أو وجود معوقات عمل.
9. التسليف على المشاريع الإنتاجية بسلف ذات إجراءات مبسطة وفوائد مخفضة، والخروج من الاقتصاد الريعي.
هذه الرؤيا الحقيقية لرفع سعر الدينار العراقي والنهوض في اقتصاديات البلاد نحو الأفضل.
ـــــــــــ
*مهندس زراعي استشاري
***********************************
وقفة اقتصادية.. أزمة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وتجلياتها
إبراهيم المشهداني
يمر الاقتصاد العراقي في المرحلة الراهنة من أزمة مركبة متعددة الأبعاد ناشئة من بين عوامل أخرى من مفاعيل ارتفاع معدلات التضخم وارتفاع سعر الصرف في السوق الموازي في نفس الوقت الذي يعاني من تدهور قطاع الإنتاج الحقيقي الناشئ من أزمة التضخم التراكمي ذي المعدلات المتفجرة في معظم قطاعاته وانعكاساتها على ارتفاع مستوى الأسعار وانخفاض المستوى المعيشي للمواطنين. فكيف يمكن تقييم الوضع بعد أن عمدت الحكومة بذاتها إلى رفع سعر صرف الدولار وانعكاساته سلبا على قيمة الدينار العراقي.
ومن جهة أخرى فإن ارتفاع سعر صرف الدولار بقرار حكومي واستقرار قيمة الدينار هو مظهر لأزمة أعمق من الإجراءات الرقابية، فضعف الثقة بالبنك المركزي والمصارف العراقية والتحويلات الصادرة عبرها يعكس النسبة العالية من التحويلات التي لا تذهب إلى الجهات المعلن عنها رسميا. وبالرغم من التطمينات التي صرح بها محافظ البنك المركزي والمستشار المالي لرئيس الحكومة من أن سعر الدولار سينخفض بالتدريج خلال فترة قصيرة غير أن هذه التطمينات لم تجد انعكاسا لها في السوق الموازي بسبب ضعف السيطرة على هذه السوق وتعاظم الطلب على الدولار خارج المصادر الرسمية المصرح لها، وبدلا من ذلك عمدت الحكومة إلى رفع سعر الصرف الرسمي مع سبق الإصرار دون الاكتراث بما يترتب عليه من نتائج اقتصادية واجتماعية.
الأمر الذي يثير الاستغراب أن الحكومة وهي تتخذ هذا القرار تجاهلت عن عمد البنك المركزي وهو الجهة صاحبة الصلاحية المطلقة في اتخاذ القرار وفقا لقانون البنك رقم 56 لسنة 2004 وتعديلاته وتجاهل استقلالية هذه المؤسسة ذات الأهمية النقدية خاصة والاقتصادية عامة كما تجاهلت آراء الاقتصاديين والأكاديميين ذوي الاختصاص الذين لطالما حذروا من مغبة هذا القرار (إن رفضنا للقرار ينطلق من أن نظرة الحكومة إليه كانت أحادية الجانب.. رائد فهمي سكرتير اللجنة المركزي للحزب الشيوعي العراقي)، إن تمديدكم لسعر صرف جديد للدينار العراقي مقابل الدولار للمرة الثالثة خلال خمس سنوات لا يعني أن هناك سياسة نقدية رصينة.. عماد عبد اللطيف سالم اقتصادي وأكاديمي) (توجه الحكومة باتخاذ القرار معناه تحميل المواطن أعباء المعالجات المالية.. عبد السلام حسين الباحث في الشأن الاقتصادي).
ومن جهة أخرى فان ارتفاع سعر صرف الدولار وعجز السلطات النقدية والحكومة عن خفضه واستقرار قيمة الدينار هو مظهر لأزمة أعمق من الإجراءات الرقابية التي فرضتها وزارة الخزانة الامريكية ونظام التتبع للدولار المحول من العراق، فضعف الثقة بالبنك المركزي والمصارف العراقية والتحويلات الصادرة عبرها يعكس النسبة العالية من التحويلات التي لا تذهب إلى الجهات المعلن عنها رسميا. وبالرغم من التطمينات التي صرح بها محافظ البنك المركزي في وقت سابق والمستشار لرئيس الحكومة من ان سعر الدولار سينخفض بالتدريج خلال فترة قصيرة غير ان هذه التطمينات لم تجد انعكاسا لها على ارض الواقع بسبب ضعف السيطرة على السوق الرسمي واعتبار السيد المستشار أن هذا القرار سيسهم في الاستقرار المالي !. ويمكن القول إن مهما كانت المبررات فان مواجهة الضغوط المالية التي ربما أريد بها ان تكون السبب في اتخاذ القرار، ولعل إحدى تجليات هذه الضغوط ما اظهرته موازنة 2027 التي وضعتها الحكومة بكون الإنفاق العام كان 217 تريليون دينار ذاتها وهي في كل الأحوال أرقام تخمينية، وبدلا من إجراء عملية تحليل رصينة لتفاصيل تلك النفقات والتي جرى تحليلها من قبل الاقتصاديين وأوضحوا أن الكثير من هذه التفاصيل غير مبررة ومعظمها تشير إلى الهدر المالي، وعلى سبيل المثال وليس الحصر فان مجالس المحافظات فضلا عن كونها لم تقدم إنجازا واضحا لسكان محافظاتهم فأنها تعمد إلى تجهيز أعضائها بأفخم أنواع السيارات، أما ما ينفق على أعضاء البرلمان سواء الرواتب التقاعدية دون توافر الفترة من الخدمة التي تسمح بصرف مثل هذه الرواتب او الحمايات مع توافر الاستقرار الأمني. هذا عن الإسراف في الإنفاق على مئات الدوائر الرسمية.
***********************************
الصفحة الخامسة
مُعظمها يتوسّط التجمعات السكانية 13 ألف مولّدة تنفث سموم دخانها في بغداد!
متابعة – طريق الشعب
تتكامل ملامح الكارثة البيئية والصحية في أجواء بغداد. فإلى جانب ما تنفثه المصانع وحرائق النفايات ومصاهر المعادن العشوائية، يبرز خطر نحو 13 ألف مولدة أهلية وتجارية، تنتشر في أرجاء العاصمة، ووسط التجمعات السكانية، لتنفث ليل نهار أدخنة سامة مصحوبة بضوضاء صاخبة، مُشكّلة إلى جانب مصادر تلوّث أخرى، ضغطا هائلا على المستشفيات التي تكتظ باستمرار بأطفال ومسنين يعانون اضطرابات الجهاز التنفسي والتوتر العصبي وقلة النوم.
هذه الأزمة الحادة تأتي كارتداد مباشر لأزمة تجهيز الطاقة الكهربائية الوطنية المزمنة - لا سيما في فصل الصيف - الأمر الذي يُجبر السكان وأصحاب المشاريع التجارية على الارتهان للمولدات، التي غالبا ما تعمل بلا محددات قانونية أو شروط فنية تراعي الواقعين البيئي والصحي للمواطنين.
وما يضاعف شدة الأزمة، هو أن الكثير من المجمعات التجارية يقع على مسافة قريبة جدا من النسيج السكاني، بل إن بعضها يربض داخل الأزقة الضيقة. وتمتلك تلك المجمعات مولدات ضخمة تعمل على مدار الساعة في ظل تردي الكهرباء، ما يُحوّل عوادمها وضوضاءها، من ملوثات بيئية عامة، إلى حصار يومي مباشر يقتحم بيوت المواطنين وغرف نومهم.
كواتم غير فعّالة
في حي الطابقين بقضاء الدورة جنوبي بغداد، فرض افتتاح مجمع تجاري كبير، نشاطا تجاريا على مدار ساعات اليوم، مصحوبا بزخم مروري وصوتي. ويعتمد هذا المجمع كليا على منظومة مولدات ديزل عملاقة تفتقر الى العوازل وكواتم الصوت النموذجية.
ووفقا لما تنقله وكالات أنباء عن مواطنين من سكان الحي، فإن الضجيج لم يتوقف عند أسوار المجمع، إنما تسلل إلى الأزقة السكنية المجاورة في شارع المصفى وامتدادات حي الجمعية المجاور، ليفرض متغيراً طارئاً على أهالي الدورة الذين اعتادوا لعقود التعايش مع الانبعاثات الهوائية لمصفى النفط ومحطة الكهرباء، قبل أن تحاصرهم المولدات التجارية بصدمة صوتية واهتزازية غير مسبوقة!
يقول المواطن سيف محمد، ان "معاناتنا لا تتوقف لدقيقة واحدة على مدار اليوم. المجمّع يعمل بالكامل على مولدات ضخمة بلا كواتم صوت حقيقية، لأن المشروع يفتقر الى الكهرباء الوطنية".
ويوضح في حديث صحفي أن "الضجيج مستمر ليل نهار من دون انقطاع. وقد تحولت بيوتنا إلى أماكن لا تطاق، وصار فتح نافذة لتجديد الهواء أو الجلوس في حديقة المنزل أمراً مستحيلاً"!
ويستدرك محمد: "نحن هنا نتحمل أساساً عبء التلوث الناجم عن انبعاثات المصفى وغازات محطة الكهرباء، واليوم يأتي هذا الضجيج والدخان الأسود الكثيف ليجعلا المنطقة بالكامل غير صالحة للعيش الآمن".
ويتابع قائلا: "نعرف أن رفع المولدات في بلد ينتج نحو نصف حاجته من الطاقة، أمر مستحيل، لكن كل ما نطالب به هو إلزام أصحاب المولدات، بخاصة الكبيرة التي تعمل في المولات، بتركيب كواتم حقيقية ومداخن نظامية".
أضرار صحية ومالية
في الجانب الغربي من العاصمة، وتحديداً في حي العامرية، لا يتوقف أثر التمدد التجاري العشوائي عند حدود الإزعاج العابر، بل يتعداه ليكبّد السكان أضرارا صحية وخسائر عقارية.
فعلى بعد أمتار قليلة من الجدار الخلفي لمجمّع تجاري كبير في المنطقة، تواجه المنازل المقابلة لمنظومة التوليد ضوضاء متواصلة وانسكابات وقود، على الرغم من صدور إنذارات رسمية سابقة بحق المجمّع.
ووفقا لما تنقله وكالات أنباء عن المواطن أحمد صبري، فإن "ثلاث عائلات من جيراننا الملاصقين للمجمع التجاري، اضطرت إلى بيع منازلها بأسعار بخسة تقل بنحو 25 مليون دينار عن قيمتها الحقيقية، فقط للفرار من الضوضاء والاهتزازات".
وتؤكد مكاتب عقارية في العامرية، تسجيل هبوط في قيمة البيع والإيجار للوحدات السكنية المحاذية للمراكز التجارية والمطاعم.
وبحسب صبري، فإن نوبات الغضب والتوتر الحاد التي يُعانيها وغيره من السكان، تبين أنها استجابة نفسية للقلق المزمن الناتج من التعرض اليومي لاهتزازات المولدات.
معايشة مع ضجيج مستمر!
الأمر ذاته يتكرر في منطقة اليرموك. فعلى بعد أمتار معدودة من جدار خلفي لنادٍ ترفيهي، تحولت حياة المواطن عمار خميس وأسرته إلى معايشة مع الضجيج.
يقول في حديث صحفي، ان "الصوت دمرنا حرفياً ولا يوجد أي حل حتى اللحظة. نعيش صباحاً ومساءً وسط دوي واهتزازات مستمرة داخل المنزل، رغم ابتعادنا أمتاراً عدة عن موقع المولدات".
ويتابع قوله: "هذا فضلاً عن الروائح الخانقة والدخان الذي يملأ الشارع ويصل إلى المدرسة القريبة، إلى جانب تسرب المياه من خزانات المولدات"، مؤكدا أنه "لم نترك باباً رسمياً إلا وطرقناه، قدمنا شكاوى إلى أمانة بغداد وبلدية المنصور منذ عامين، وجددناها قبل شهور، لكن مناشداتنا قوبلت بتجاهل تام"!
منظمة الصحة تُحذّر
تحذر الدلائل الإرشادية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية لعام 2018، من أن تجاوز مستويات الضوضاء البيئية سقف 53 ديسيبل نهاراً و45 ديسيبل ليلاً ينقل التلوث الصوتي من مجرد مصدر إزعاج إلى مسبب مباشر لاعتلالات صحية وبائية خطيرة.
وتوضح المراجع الطبية أن التعرض المستمر لموجات صوتية تتخطى عتبة الـ75 ديسيبل يطلق حالة تأهب وإجهاد دائمة في الجهاز العصبي.
ولا تتوقف التداعيات الفيزيولوجية عند هذا الحد. فالاهتزازات منخفضة التردد المصاحبة لمحركات الديزل، تؤدي - وفقاً لاختصاصيين - إلى تفتيت بنية النوم الطبيعية وحرمان الدماغ من النوم العميق، في حين يُلحق التعرض طويل الأمد لمستويات تفوق الـ55 ديسيبل أضراراً يصفونها بالفادحة لنمو الأطفال.
وفي بغداد، تؤكد التقديرات الميدانية أن أكثر من 80 في المائة من السكان يتعرضون لإجهاد ضوضائي حاد يتخطى المعايير الآمنة عالمياً ومحلياً.
ما دور أجهزة الدفاع المدني؟!
يضع الدفاع المدني انتشار المولدات التجارية داخل الأحياء السكنية ضمن خانة "واقع الحال" المفروض نتيجة تردي الكهرباء الوطنية، متبرئاً من مسؤولية تحديد مواقع المولدات أو ترخيص وجودها على الأرصفة والممرات المحاذية للمنازل.
ويوضح المتحدث الرسمي باسم مديرية الدفاع المدني، نؤاس صباح، في حديث صحفي، أن "الصلاحية المكانية تعود حصراً إلى أمانة بغداد والدوائر البلدية، بينما ينحصر دور الدفاع المدني في إجراء كشوفات دورية للتحقق من تدابير الإطفاء وعزل خزانات الوقود عن المحركات لتفادي حوادث الاشتعال.
وبينما يخلي الدفاع المدني مسؤوليته عن غياب الكواتم، باعتبار ذلك اختصاصاً حصرياً لوزارة البيئة، يقر صباح بأن جوهر الأزمة يكمن في تشتت المسؤوليات بين أربع جهات رسمية تعمل في "جزر معزولة" - حسب تعبيره، وهي: أمانة بغداد المسؤولة عن الرخص والمواقع، ووزارة الكهرباء، ووزارة البيئة المعنية بالتلوث والضوضاء، والدفاع المدني المعني بإجراءات السلامة.
نصوص قانونية تصطدم بضعف التنفيذ
يكفل الدستور العراقي في مادته 33 حق كل فرد بالعيش في بيئة سليمة، وهو ما قننه قانون حماية وتحسين البيئة رقم 27 لسنة 2009 ونظام المحددات البيئية رقم 3 لسنة 2011 بحظر تجاوز سقف الضوضاء في الأحياء السكنية، والبالغ 55 ديسيبل نهاراً و45 ديسيبل ليلاً.
كما يرسي القانون في المادة 32 مبدأ "المسؤولية المفترضة" التي تلزم مسبب التلوث برفع الضرر والتعويض من دون اشتراط إثبات الخطأ الشخصي. ويمنح وزير البيئة صلاحية توجيه إنذار بمهلة عشرة أيام يعقبه الغلق الإداري للمنشأة، فضلاً عن عقوبات المادة 34 التي تصل إلى الحبس والغرامة المالية حتى 20 مليون دينار تتضاعف مع تكرار المخالفة.
وعلى الرغم من هذه المنظومة التشريعية، إلا ان تقرير تقويم الأداء الخاص بأداء وزارة البيئة في الرقابة والتفتيش وفرض الغرامات. كذلك تقارير تدقيق حسابات "صندوق حماية وتحسين البيئة" تتحدث عن فجوة رقابية تعطل الإنفاذ – وفقا لشبكة "نيريج" للصحافة الاستقصائية، التي تذكر أن البيانات الرسمية تُفيد بأن نسبة تحصيل الغرامات المفروضة لا تتجاوز الـ12 في المائة، نتيجة البطء البيروقراطي وغياب آليات الجباية الإلزامية.
وتضيف "نيريج" أن "أوامر الغلق الإداري تتحول غالبا إلى قرارات ورقية غير منفّذة، لافتقارها إلى الإسناد الأمني المباشر، متزامنة مع محدودية إمكانات جهاز الشرطة البيئية من حيث الكوادر ومعدات الرصد الميداني، ما يفرغ النصوص الرادعة من قدرتها على كبح المخالفات".
تجاوزات على المخططات الأساسية
تكشف الدراسات الأكاديمية المتخصصة في التخطيط الحضري والهندسة البيئية، المنشورة ضمن مستودع المجلات العلمية المحكمة في جامعتي بغداد والمستنصرية (IASJ)، أن أكثر من 40 في المائة من الواجهات السكنية المطلة على الشوارع التجميعية في قواطع المنصور والكرخ واليرموك والعامرية والكرادة، قد تعرضت لعمليات تحويل وتجريف وظيفي غير قانونية، لتحلّ محلها كتل تجارية ومطاعم ومجمعات غير مدرجة في مخططات النقل الأساسية، ما ضاعف الكثافة المرورية إلى ثلاثة أضعاف الطاقة التصميمية لتلك الشوارع.
وتؤكد إحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء ومسوح وزارة التخطيط أن خريطة الطاقة البديلة غير المنظمة تضم ما بين 48 إلى 49 ألف مولدة ديزل أهلية وتجارية في عموم البلاد. وتستأثر بغداد بالنصيب الأكبر بوجود ما يزيد على 13 ألف مولدة تعمل وسط التجمعات السكانية.
في حين تكشف البيانات البيئية أن نسبة المولدات الملتزمة بتركيب كواتم صوتية مطابقة للمواصفات الهندسية لا تتعدى الـ5 في المائة!
*********************************
اگول.. البنزين والمزيقة!
زينب سعد وهيب
تعلمنا وحفظنا عن ظهر قلب معلومة مهمة مذكورة في كتب الجغرافيا، التي درسناها في المراحل الابتدائية والمتوسطة والإعدادية، تفيد بأن العراق تفرّد بخاصية مهمة دون غيره من الدول. فموقعه الجغرافي يعد بمثابة النافذة الشرقية للوطن العربي، كما يقع ضمن منطقة الشرق الاوسط. وان هذه النافذة الجغرافية سمحت بدخول وخروج البضائع التجارية العالمية المتنوعة. وان نشاط السفن التجارية لم يقتصر على حمل هذه البضائع، بل شمل النفط ومنتجاته الاخرى.
وعرفنا ايضا، وجود النفط في معظم أراضي العراق من الشمال حتى الجنوب. إذ يمتلك البلد مخزوناً هائلاً من الثروة النفطية التي اصبحت حديث العالم، والتي تتوزع على الدول كهدايا وهبات ومساعدات ومعونات انسانية، او كتبادل دولي من خلال اتفاقيات تتضمن شروطا يتفق عليها الطرفان، مثلا "النفط مقابل الماء".
ومع تصاعد التوترات الإقليمية الأخيرة، عاش العراقيون حالة من الذعر والهلع تمثلت في طوابير طويلة من العربات عند محطات البنزين، لنيل حق مشروع من المنتج الوطني الذي يحرك عجلة الحياة او على الاقل يحرك عجلة المواطن المغلوب على امره. فنرى ذلك المشهد المذهل الذي يبدأ أحيانا في الساعة الثالثة فجرا او الثالثة ظهرا من اجل الحصول على منتج البنزين الذي يكفي لملء بعض العربات، ولا يسد احتياج الطابور بأكمله. إذ يعود من لا يحصل على البنزين، بعربته جارّا اذيال الخيبة. فيما يعود الآخر فرحا معلنا انتصاره بوصوله الى "البوزر"، محتفلا بعزف "المزيقة" داخل المحطة. ونرى ضحكات الطابور وسخريتهم الكوميدية. فمنهم من يقول: (يمكن التفويلة الثانية يجيب سيف نبيل) وآخر يقول: (والله خطية غير من الضيم والهم والقهر) و(شعب يحب الونسة بس مجاية عدل وياه) و(افرح يا بلد النفط والخيرات مكضيها ازمات) وغيرها.
لقد جسدت ازدواجية هذا المشهد عبارة: الواقع المضحك المبكي!
فهل موقع العراق الجغرافي امام هذه النزاعات الإقليمية حال دون حصول المواطن على جزء من حقه الوطني المشروع، من الوقود الكافي؟ سيكون جواب السؤال طويلا امام طابور اطول...
واخيراً وليس آخراً.. من ازمة إلى أزمة واحنه لا بيها ولا عليها!
********************************
معاناة خدمية مستمرة في حي الزهور بالسماوة
متابعة – طريق الشعب
يواجه سكان حي الزهور في مدينة السماوة واقعا خدميا مأساويا نتيجة الإهمال المزمن والنقص الحاد في أبسط مقومات البنى التحتية والخدمات الأساسية، ما يثير استياء شعبيا متصاعدا ومطالبات واسعة بالتدخل الحكومي العاجل لإنقاذ المنطقة. وفي حديث صحفي ذكر عدد من السكان أن منطقتهم تفتقر لشبكات الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار. فيما تمتلئ الطرق، وهي غير معبدة، بالحفر والمطبات، ما يشكّل عائقا كبيرا أمام حركتهم اليومية، خصوصا في موسم الأمطار. وطالب السكان الحكومة المحلية والدوائر ذات العلاقة، بإدراج الحي ضمن مشاريع الإعمار والتأهيل الفورية، وإنهاء معاناتهم المستمرة منذ سنوات.
*******************************
مواساة
• بمزيد من الحزن تعزي اللجنة المحلية للحزب الشيوعي العراقي في البصرة الرفيق جاسم محمد حاجي، عضو اللجنة المحلية، بوفاة اخيه الرفيق كاظم (رياض اربيل) في العاصمة السويدية ستوكهولم، بعد صراع مرير مع المرض.
الذكر الطيب للفقيد والصبر والسلوان لأهله وأصدقائه.
• بأسى عميق، تنعى اللجنة المحلية للحزب الشيوعي العراقي في بابل ومعها منظمة الحزب في جبَلَة، الرفيق مخيلف عطية دخيل (ابو كريم)، الذي توفي بعد صراع مع المرض.
والفقيد من المناضلين القدامى الذين واكبوا عمل الحزب وعملوا في صفوفه بهمة ونشاط، وبقي مواكبا لمسيرة الحزب مشاركا في نشاطاته حتى أقعده المرض. وهو والد كل من كريم وستار ومحمد.
له الذكر الطيب ولأسرته ورفاقه واصدقائه خالص العزاء والمواساة.
***************************************
البصرة .. تدهور "شارع المطَيحة" الرئيس
البصرة – وكالات
يعاني الشارع الرئيس في منطقة المطيحة بمركز محافظة البصرة، تدهورا خدميا واضحا أثّر على حركة السير وحياة السكان.
ويشكو العديد من مرتادي الطريق من رداءة التبليط وانتشار الحفر، إلى جانب التدفق المستمر لمياه الصرف الصحي في بعض الأجزاء، مضيفين في حديث صحفي، أن النفايات والأنقاض تتراكم باستمرار على أجزاء من الأرصفة والجزرة الوسطية.
وأوضحوا أن هناك نقصا في حاويات جمع النفايات، وعدم انتظام في الجهد البلدي، ما يدفع ببعض أصحاب المحال التجارية والمنازل، إلى رمي مخلفاتهم على الأرصفة والجزرة الوسطية، وبالتالي يتشوّه المظهر العام للمنطقة.
وطالب عدد من أهالي المطيحة الدوائر الخدمية المعنية، بإدامة الشارع وتنظيفه بانتظام، فضلا عن توفير حاويات كافية لجمع النفايات، ومعالجة مشكلات شبكة المجاري.
********************************
في الدورة ببغداد
تجاوزات على شبكة تصريف مياه الأمطار
متابعة – طريق الشعب
طالب عدد من سكان المحلتين 828 و848 في منطقة الدورة جنوبي بغداد، دائرتي المجاري والبلدية برفع التجاوزات عن منهولات شبكة تصريف مياه الأمطار، مبيّنين أن بعض أصحاب الشقق السكنية يقومون بربط أنابيب تصريف المياه الثقيلة الخاصة بشققهم، بتلك المنهولات، ما يتسبب في حصول انسدادات، فضلا عن أضرار بالبنية التحتية.
وقال السكان في حديث صحفي، ان تلك التجاوزات أدت إلى انسداد شبكة تصريف مياه الأمطار وتدهور واقع الشوارع، وتجمع المياه الآسنة وانبعاث الروائح الكريهة وانتشار الحشرات، ما يشكل مصدر إزعاج ومخاطر صحية على السكان.
وطالبوا الدوائر المعنية، بإجراء كشف ميداني للتحقق من التجاوزات، والعمل على رفعها ومعالجة الأضرار الناجمة عنها، مع اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المتجاوزين.
************************************
شكاوى من هدر المياه في حي البنوك البغدادي
متابعة – طريق الشعب
يشكو مواطنون في حي البنوك شمال شرقي بغداد، من قيام بعض المواطنين بهدر مياه الإسالة عبر استخدامها بشكل مفرط في غسيل واجهات المنازل وأجزاء من الأرصفة والشوارع المقابلة لها، فضلا عن السيارات، مشيرين إلى أن هذا الأمر، إضافة إلى ما يسببه من هدر للمياه، يُخلف أضرارا بالبنية التحتية ويتسبب في تجمع الأطيان والأوساخ في الشوارع. وطالب المواطنون الجهات المعنية، بتشديد الرقابة واتخاذ إجراءات قانونية بحق المخالفين، ومنع تصريف المياه إلى الشوارع، مع معالجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية جراء ذلك.
ولا تقتصر هذه الممارسات على حي البنوك. إذ تتكرر ظاهرة هدر المياه وتصريفها إلى الشوارع والأرصفة في العديد من الأحياء السكنية في بغداد والمحافظات، لا سيما عند غسل السيارات والكراجات وواجهات المنازل، ما يتسبب في تجمع المياه والأطيان وتضرر الشوارع والأرصفة، فضلا عن هدر كميات كبيرة من المياه.
**********************************
الصفحة السادسة
المعارضة تسعى إلى اسقاط حكومة نتنياهو الفاشي
انتخابات الكيان الصهيوني: اليمين المتطرف يريد إبادة فلسطين وتهجير شعبها
متابعة – طريق الشعب
تتوقع جهات إعلامية داخل دولة الاحتلال الصهيوني، وجود تحضيرات عسكرية لشن حرب جديدة على إيران، وذلك قبل 10 أيام على موعد الانتخابات البرلمانية لغرض حماية رئيس وزراء الحكومة الفاشية بنيامين نتنياهو من المحاكمة بتهم الفساد.
وتتصاعد حدة الدعاية الانتخابية ويجري استخدام القضية الفلسطينية وتداعيات عملية طوفان الأقصى والحرب على إيران والخلافات الداخلية من أجل حصد أصوات، فيما يتوعد اليمين الفاشي الفلسطينيين بالتهجير والقتل.
هل تتأجل الانتخابات
يفيد مسؤول أمريكي، بأن رئيس أركان جيش الاحتلال ايال زامير، تلقى إحاطة حول استعدادات عسكرية أميركية للعودة إلى القتال ضد إيران خلال الأسابيع المقبلة. وحذر زامير من أن الحرب قد تؤدي إلى تأجيل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الاول، وذلك بعد تقييم مفاده أن استئناف الهجمات الأميركية واسعة النطاق على إيران قد يدفعها إلى إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل.
إلى ذلك، أشار مسؤولون أميركيون كبار إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يدرس استئناف العمليات العسكرية قبل الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية، موضحين أن "القرار سيُتخذ خلال الأيام السبعة إلى العشرة المقبلة".
ويوم الثلاثاء الماضي، قالت القناة الـ 12 الإسرائيلية، إن نتنياهو عرض على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، شنّ عملية عسكرية واسعة مشتركة ضد إيران قبل الانتخابات.
حرب على فلسطين
ورفض نتانياهو، إعادة سكان مخيمات اللاجئين شمالي الضفة الغربية المحتلة الذين تم تهجيرهم قسراً إلى منازلهم، مؤكدًا أن قوات الاحتلال الصهيوني ستواصل السيطرة على المنطقة والبقاء فيها.
ويخشى نتنياهو من الخسارة في الانتخابات، اذا لم يخرج ناخبو اليمين المتطرف للتصويت، زاعماً أن "إيران وحركة حماس وحزب الله يريدون إسقاطه، وقد يحاولون تخريب الانتخابات". وشدد في مقابلة تلفزيونية على عدم سماحه لإيران بامتلاك سلاح نووي. وهي الدعاية الأساسية التي يستخدمها نتنياهو لتخويف المواطنين وإجبارهم للتصويت لصالح حزبه.
اليسار سيقيم دولة فلسطينية
وفي السياق أكد المجرم نتنياهو انه في حال لم يفز في هذه الانتخابات، فإن ما يسميه بـ "قوى اليسار" سوف تسحب قوات الاحتلال من لبنان وغزة وستسمح بقيام دولة فلسطينية، متعهداً بعدم الانسحاب من الضفة الغربية ومنع إقامة دولة فلسطينية في حال فوزه. وتشير استطلاعات الرأي إلى أنه لا معسكر نتنياهو (في حزب الليكود) ولا معسكر المعارضة اليمينية قادر بمفرده على بلوغ عتبة 61 مقعدا في البرلمان (من أصل 120) اللازمة لتشكيل الحكومة الجديدة.
سيناريو "أسلحة" السلطة الفلسطينية
وضمن دعايته الموجهة ضد الفلسطينيين، يشير نتنياهو انه يستعد لسيناريو توجيه السلطة الفلسطينية أسلحتها ضد إسرائيل في الضفة الغربية، وأكد أن جيش الاحتلال الصهيوني هو الطرف الوحيد الذي سيبقى ويسيطر على المخيمات الفلسطينية شمال الضفة الغربية.
كما تعهد نتنياهو بعدم السماح لسكان مخيم طولكرم الذين هجروا عقب عملية "الجدار الحديدي" التي أطلقتها حكومته الفاشية مطلع العام الحالي، بالعودة إليه، وذلك بعد إصدار المحكمة العليا الإسرائيلية أمرا بوضع جدول زمني لعودتهم، واصفاً إياه بمعقل الإرهاب. كما أكد وزير دفاعه يسرائيل كاتس استعداد الجيش لسيناريو تقوم فيه قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية بتوجيه أسلحتها ضد عصابات المستوطنين وقوات جيش الاحتلال في الضفة الغربية وعلى طول حدودها.
وهدد كاتس بأنه في مثل هذه الحالة، ستُعلن الحرب على السلطة الفلسطينية، وسيشن هجوما شاملا وفقا لخطة مفصلة صاغها مع رئيس الوزراء نتنياهو ووافقا عليها.
اسقاط حكومة اليمين الفاشي
في الأثناء قالت "القائمة المشتركة" التي تخوض الانتخابات وتضم ثلاثة أحزاب عربية رئيسية، أنها تسعى إلى إسقاط حكومة اليمين الفاشي وفرض مطالب وشروط على تشكيلة جديدة.
وأضافت القائمة التي تضم "الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة"، و"التجمع الوطني الديمقراطي"، و"الحركة العربية للتغيير": "لن نصوّت لصالح الاستيطان والحرب، ولن نصمت أمام اقتحام المسجد الأقصى والاعتداء على المصلّين وعلى الرهبان والكنائس".
وقال يوسف جبارين رئيس القائمة المشتركة: "على رأس أولوياتنا الإطاحة بحكومة سفك الدماء التي جعلت حياتنا بائسة طوال السنوات الأخيرة". وعن مطالب القائمة لدعم مرشح المعارضة، قال جبارين: "نحن جزء من الشعب الفلسطيني".
وزاد أن "العالم بأسره يؤيد إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل ضمن حدود عام 1967، وأن تعيش الدولتان بسلام". وشدد على ضرورة إيجاد "أفق سياسي يجلب الأمل والسلام والازدهار الاقتصادي".
وسارع نتنياهو والأحزاب الشريكة له إلى اعتبار تصريحات جبارين دليلا على أن دعم الأحزاب الفلسطينية لـ "المعارضة" سيكون ثمنه إقامة دولة فلسطينية.
**********************************
اليمن.. اشتداد المعارك يهدد حياة ستة ملايين من سكان تعز
صنعاء – وكالات
تهدد المعارك المشتعلة في تعز حياة وأمن ومعيشة أكثر من 6 ملايين مواطن يمني، في ما تحدث مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أوتشا، عن ارتفاع عدد النازحين إلى 216 ألفاً ، من بينهم أكثر من 172 ألف شخص من محافظة تعز. وحذرت المنظمة الأممية من أن "استمرار الأعمال القتالية والنزوح واسع النطاق يؤديان إلى تفاقم الاحتياجات الإنسانية في أنحاء اليمن"، وبالخصوص في تعز حيث تزيد القيود المفروضة على الوصول وتعطل الخدمات الأساسية من المخاطر التي يتعرض لها المدنيون".
ورغم تمكن الأمم المتحدة وشركائها من الوصول إلى نحو 143 ألف شخص وتقديم مساعدات طارئة لهم، إلا أن اوتشا أكدت: "لا تزال الاحتياجات المتزايدة والقيود المفروضة على الوصول ومحدودية الموارد تشكل تحديات أمام الاستجابة الإنسانية".
وتابع المكتب : "الأمم المتحدة تشعر بقلق خاص إزاء الوضع في تعز، حيث تشير تقارير إلى أن القيود المفروضة على الطرق الرئيسية تعرقل حركة المدنيين والإمدادات التجارية ووصول المساعدات الإنسانية".
وبحسب أوتشا، تتعرض النساء والفتيات النازحات لـ "مخاطر متزايدة من العنف والاستغلال والإساءة"، وأرجع ذلك إلى "عدم كفاية المأوى، وافتقار مرافق الصرف الصحي إلى الأمان، وانعدام الأمن الغذائي، ومحدودية الوصول إلى الرعاية الصحية".
من جهتها، قالت المنظمة الدولية للهجرة إن إدخال الإمدادات الأساسية إلى مدينة تعز بات متعذراً، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، متهمة الحوثيين بقطع طريق رئيسي بين تعز وعدن الأسبوع الماضي.
ونقلت وكالة رويترز عن سكان مدينة تعز أنهم يواجهون قصفاً مكثفاً ونفاداً للإمدادات في ظل حصار الحوثيين لمدينتهم، وقال الأهالي إنهم لا يجدون قوت يومهم، فيما تبكي النساء أطفالهن الجوعى، مؤكدين أن سعر كيس القمح ارتفع بنحو 40 بالمئة.
وأصبحت تعز، وهي ثالث أكبر مدن اليمن، مسرحاً رئيسياً للصراع بين الحوثيين والحكومة المدعومة من السعودية، وذلك بعد أن اشتعل فتيل الحرب بينهما مجدداً الشهر الماضي.
وقالت المنظمة الدولية للهجرة إن الوضع في تعز تدهور إلى حد بعيد في الأيام القليلة الماضية، وإن السكان والإمدادات الأساسية والمساعدات الإنسانية لم يتمكنوا من دخول المدينة، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار.
*************************************
في سَمِنار أحزاب يسارية عالمية.. اتفاقات وتباينات بشأن الاقتصاد الريعي وفنزويلا
عادل محمد
في الدورة الثلاثين من سمنار أحزاب اليسار العالمي، الذي استضافه حزب العمل المكسيكي في أيام 8 – 10 تشرين الأول الحالي، والذي عقد تحت شعار "أحزاب ومجتمع جديد"، هيمنت قضايا الدفاع عن السيادة، ورفض السياسة الأمريكية، والبحث عن بدائل عن الليبرالية الجديدة. شاركت في اعمال السمنار وفود تمثل مختلف مناطق العالم. وناقش360 مندوباً من 36 دولة، يمثلون ما مجموعه 101 منظمة وحزب سياسي من أمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا وأوروبا، النظام العالمي، والتكامل الدولي، والتحديات التي تواجه القوى التقدمية.
نقد حاد
وافتتح الرئيس الكولومبي السابق غوستافو بيترو الفعالية بتوجيه انتقادات حادة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتهديداته ضد إيران؛ إذ وصف بيترو ترامب بأنه "هتلر مضروباً في عشرة"، محذراً من عواقب التهديد بتدمير حضارة بأكملها. كما انتقد الدعم السياسي لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في ظل اتهامات الإبادة الجماعية الموجهة ضد رئيس الحكومة الإسرائيلية.
وانتقد بيترو أداء قوى اليسار أيضا: "لا يمكن بناء اشتراكية من عائدات اقتصاد الريع"، وذلك في إشارة إلى الاعتماد الاقتصادي على الإيرادات الناجمة عن استخراج النفط والفحم. وقد كشفت تصريحاته عن تناقض تواجهه الحكومات التقدمية في أمريكا اللاتينية: فهي تدافع عن استقلالها في مواجهة القوى العظمى، في حين تظل اقتصاداتها معتمدة بشكل كبير على تصدير المواد الخام.
كما انتقد بيترو كلاً من رد الفعل العسكري الفنزويلي إبان الهجوم الأمريكي في 3 كانون الثاني الفائت، وطريقة التعامل مع موارد البلاد النفطية للبلاد. ووفقاً لرؤيته، فإن القوات المسلحة الفنزويلية لم تدافع عن الرئيس المختطف نيكولاس مادورو، في حين دافع عنه مقاتلون كوبيون. وأوضح بيترو أن ترامب يقول الحقيقة عندما يصف النفط الفنزويلي بـ "الغنيمة"، محذراً في الوقت ذاته بالقول: "لا يمكن بناء نموذج تشافيز بواسطة التفريط في النفط".
من جانبه قاطع عضو البرلمان الفنزويلي خيسوس فاريا، عن الحزب الاشتراكي الموحد الحاكم في فنزويلا، كلمة غوستافو بيترو واتهمه بالكذب. فبعد اختطاف الرئيس مادورو، عدّلت فنزويلا عدة قوانين وأبرمت اتفاقيات مع الولايات المتحدة بشأن احتياطيات النفط، وهو ما يراه المنتقدون بمثابة تفريط بثروات البلاد.
صعوبات داخلية
وضع الصحفي الإسباني – الفرنسي المعروف إغناسيو رامونيت هذه النقاشات في سياق التحولات التي يشهدها النظام الدولي؛ إذ أوضح أن السيادة لا تعني الانغلاق، بل تعني القدرة الفعلية على اتخاذ قرارات مستقلة. ومع ذلك، حذّر من أن النظام العالمي متعدد الأقطاب لا يضمن تلقائياً قيام علاقات أكثر عدلاً بين الدول.
وتناول النقاش الصعوبات الداخلية التي تواجهها قوى اليسار؛ حيث انتقد الفيلسوف المكسيكي فرناندو بوين أباد النزعات الفئوية والمنافسات والصراعات الأيديولوجية التي تُضعف المنظمات التقدمية. ومن جانبه، أشار أستاذ العلوم السياسة الإسباني خوان كارلوس مونيديرو إلى القيود التي تفرضها هياكل القوة الاقتصادية والإعلامية والمؤسسية على الحكومات عند السعي لإحداث تغييرات مجتمعية. وقال في هذا الصدد: "نحن نكسب الحكومة، لكننا لا نكسب السلطة"، مستعيراً بذلك مقولة رددها الرئيس الكولومبي السابق بيترو.
الرئيس الكوبي
تناول الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، في رسالة مصورة، العقوبات الأمريكية المشددة وتأثيراتها على اقتصاد بلاده. وأوضح أن كوبا لم تتلقَّ أي شحنة وقود منذ أشهر، مما أدى إلى تفاقم انقطاع التيار الكهربائي والتأثير سلباً على عمل المستشفيات وإمدادات المياه وقطاع النقل. ووصف دياز كانيل هذه التداعيات بأنها "إبادة جماعية صامتة"، محذراً من أن الحظر الأمريكي المفروض على كوبا يشكل خطراً على استقرار الإقليم.
وفقاً لمراقبين أبرز السمنار أمرين: فمن ناحية، أهمية وجود منابر عالمية تسعى لإيجاد ردود مشتركة على الضغوط الإمبريالية الأمريكية؛ ومن ناحية أخرى، تجد الأطراف المشاركة صعوبة في صياغة استراتيجية منسقة انطلاقاً من مواقفها المشتركة. ورغم أن الدفاع عن السيادة يشكل نقطة التقاء مشتركة، إلا أن الخلافات المتعلقة بفنزويلا والنماذج الاقتصادية وممارسة السلطة السياسية ما تزال تثير تساؤلات حول مدى تماسك التعاون بين هذه القوى.
*********************************
حوار فلسطيني جديد في القاهرة
القاهرة - وكالات
تعقد قوى فلسطينية مختلفة، اجتماعات مكثفة خلال اليومين (الأربعاء والخميس الجاري) تركز على معالجة الانقسام الداخلي وتعزيز فرص استعادة الوحدة الفلسطينية، وتناقش ملف دخول حماس والجهاد إلى منظمة التحرير الفلسطينية، وذلك حسب مصادر فلسطينية مطلعة. كما تشمل النقاشات سبل تهيئة الظروف للتوصل إلى تفاهمات سياسية تمهيدا لإجراء الانتخابات الفلسطينية، ضمن مساع تستهدف توحيد الصف الفلسطيني.
***********************************
الحوثيون يعلنون استهداف «أرامكو» ومطار الملك خالد
صنعاء – وكالات
قالت حركة انصار الله الحوثية، انها استهدفت مطار الملك خالد الدولي في الرياض ومنشأتين لشركة أرامكو النفطية في السعودية، بصواريخ باليستية ومجنحة وطائرات مسيرة. وقال المتحدث باسم الحركة يحيى سريع، إن "القوات المسلحة اليمنية نفذت عملية عسكرية نوعية استهدفت شركة أرامكو في الظهران بالمنطقة الشرقية ومطار الملك خالد الدولي ومصفاة أرامكو في الرياض". وأضاف أن الاستهداف جرى بعدد كبير من الصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيرة، وكانت الإصابة دقيقة وتسببت بدمار ونشوب حرائق في المواقع المستهدفة". وتوعد سريع بأن العمليات ستستمر خلال الأيام المقبلة باستهداف مطارات السعودية ومنشآتها النفطية". وحذر "شركات الملاحة العالمية والمواطنين والعاملين في تلك المطارات والشركات بالابتعاد عنها والإخلاء الفوري لها"
*************************************
تركيا.. الشرطة تغلق قناة المعارضة الرئيسية
انقرة – وكالات
أغلقت الشرطة التركية، أمس، مقر قناة المعارضة خلق تي في، وقطعت بثها المباشر، بحسب ما أعلنت القناة، ولم يصدر أي تعليق فوري من السلطات بشأن هذه الخطوة، فيما لم يتضح على الفور سبب مداهمة الشرطة لمكاتب القناة. وقالت القناة في تقرير نشرته على موقعها الإلكتروني "دخل المئات من رجال الشرطة المبنى. وتم حظر دخول مبنى القناة بالتزامن مع إجراء عملية التفتيش داخله". وقال دنيز بايرام أوغلو، أحد معدي البرامج في القناة، عبر إكس إن رئيس التحرير سوات توكتاس حاول التفاوض مع رئيس وفد الوصاية لمواصلة البث، لكن لم يتم السماح بذلك.
*************************************
المعارضة الهندية تحشد صفوفها ضد تزوير الانتخابات
متابعة – طريق الشعب
في الذكرى الخامسة والعشرين لبدء مسيرته السياسية يواجه ناريندرا مودي رئيس الوزراء الهندي، تظاهرات حاشدة نظمها تحالف المعارضة الواسع "إنديا". طالب المحتجون بإقالة رئيس هيئة الانتخابات الوطنية، جيانيش كومار، وذلك بعد الكشف عن قيامه بالتلاعب بسجلات الناخبين لصالح "حزب بهاراتيا جاناتا" الحاكم. شهدت الاحتجاجات أيضاً اعتقال واقتياد زعيم المعارضة راهول غاندي، المنتمي لحزب المؤتمر الوطني الهندي، برفقة نواب آخرين؛ وهي واقعة صادمة في بلد غالباً ما يُحتفى به باعتباره أكبر ديمقراطية في العالم. وكانت المعارضة قد اشتكت من تزوير الانتخابات حتى قبل إجراء الاقتراع عام 2024. وفي أواخر عام 2025، فجّر راهول غاندي قنبلة سياسية، حين قدّم أدلة تفيد بأن لجنة الانتخابات قامت بتسجيل ملايين من أنصار الحزب الحاكم بشكل مكرر.
لكن "القشة التي قصمت ظهر البعير" تمثلت في تقرير نشرته صحيفة "إنديان إكسبرس" في أيلول الفائت، كشف أن رئيس اللجنة، كومار، شطب أسماء ناخبين معارضين من القوائم الانتخابية دون التشاور مع الأعضاء الآخرين في اللجنة. وقد انضم "حزب الصراصير"، وهو حركة يقودها طلبة ينددون بالفساد في قطاع التعليم - إلى المطالبة باستقالة كومار، وهي المطالبة التي يتبناها حالياً تحالف أحزاب المعارضة المكون من 25 حزباً. ومن المقرر تنظيم تظاهرات حاشدة في الأيام المقبلة.
***************************************
الصفحة السابعة
هل ستتحول احتجاجات الطلبة الفرنسيين إلى حركة اجتماعية قبيل الانتخابات الرئاسية؟
ومع استمرار الاحتجاجات اتسعت المشاركة، بانضمام طلاب الجامعات إليها وتصاعد التضامن معها من قبل نقابة المعلمين ومجالس الآباء والأمهات والنقابات العمالية وتلقيها الدعم من قوى اليسار الفرنسي. ستركز هذه المساهمة على موضوعات طبيعة الحركة الاحتجاجية، وآفاق تطورها، وتأثيرها على الصراع السياسي والاجتماعي الدائر في فرنسا.
منذ 17 أيلول الفائت تجتاح المدن الفرنسية احتجاجات طلبة الثانويات ضد تهالك البنية التحتية في المدارس ونقص الموارد وعدم وجود البدلاء عن المعلمين المتغيبين، وضد اكتظاظ صفوف المدراس، وعدم كفاية الموارد، وطول اليوم الدراسي، وصعوبات الالتحاق بالتعليم العالي، فضلاً عن الضغوط الهائلة المسلطة على الطلبة بشأن مستقبلهم، وتشكيكهم في نظام توزيع مقاعد الدراسة الجامعية. غير أن وراء هذه المطالب الملموسة يكمن أمرٌ أعمق: الشعور بعدم التمتع بالفرص نفسها التي يحظى بها الشباب الآخرون في فرنسا. وقد سرَّعت الحكومات المتعاقبة ومختلف الوزراء، عملية تدمير نظام التعليم وأصبح نقص الموارد أمراً لا يطاق بشكل متزايد، إذ تم إلغاء 4 آلاف فرصة عمل للمعلمين خلال عامين، وقُلصت ميزانية مؤسسات التعليم العالي بأكثر من 900 مليون يور.
تردٍ اقتصادي وتباين اجتماعي
تعيش فرنسا ركودا اقتصاديا، وارتفاعا في معدلات البطالة، وارتفاعا هائلا في أسعار الوقود، وتخليا عن التدابير البيئية، وميزانية تقشفية جديدة؛ كل هذه العوامل كانت تؤشر، بأن الانتخابات الرئاسية المرتقبة في ربيع عام 2027 ستعمل على توجيه هذا الاستياء نحو مسارات منظمة. غير أن الاحتجاجات جاءت من فئة نادراً ما تشارك في التصويت، وتتحرك بدافع الشعور بأنه ليس لديها ما تخسره.
يختلف الوضع اختلافاً كبيراً من مدرسة إلى أخرى. إذ تعاني مدارس ضواحي العاصمة صعوبات في استقطاب المعلمين، بالإضافة وجود فوارق كبيرة بين مدارس أحياء الأغنياء، ومدارس الضواحي العمالية، فغالباً ما يُعين المعلمين الجدد في هذه المناطق ، حيث يراكمون تجربة ً تؤهلهم لطلب النقل لاحقاً. ونتيجة لذلك، يواجه تلاميذ المرحلتين المتوسطة الإعدادية مشكلة وجود معلمين قليلي الخبرة، مما يؤدي إلى انخفاض مستواهم التعليمي. وتؤكد بيانات وزارة التربية هذا التقييم؛ إذ يكشف "مؤشر الوضع الاجتماعي" -الذي يُخصص لكل مدرسة بناءً على المهن التي يمارسها آباء التلاميذ، عن اختلالات كبيرة وعن ظاهرة قوية لإعادة إنتاج التفاوتات الاجتماعية. وتجدر الإشارة إلى أن الارتباط بين الخلفية الاجتماعية والنجاح الدراسي يبرز بقوة خاصة لدى التلاميذ الفرنسيين مقارنةً بنظرائهم في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الاوربية. ورغم وجود تفاوتات بين المدارس الحكومية نفسها، إلا أن الفجوة تبدو أكبر بكثير عند المقارنة بين قطاعي التعليم العام والخاص. وتُعزى هذه الفوارق، التي اتسعت باطراد منذ أواخر ثمانينيات القرن العشرين، إلى عملية الانتقاء التي تتبعها العديد من المدارس الخاصة، والتي تعتمد على الدرجات الدراسية والرسوم المدرسية التي يتحملها أولياء الأمور. ومع ذلك، فإن هذه المدارس الخاصة المرتبطة بعقود مع الدولة تُموَّل في الغالب من الأموال العامة؛ فقد أشار تقرير برلماني صدر عام 2024 إلى أن الدولة تضخ 8,5 مليار يورو سنوياً في هذا القطاع، يضاف إليها 1,5 مليار يورو أخرى من البلديات، نتيجةً لتسوية في "حرب المدارس" التي استمرت طويلاً بين الدولة والكنيسة الكاثوليكية، وذلك مقابل التزام مدارس الكنيسة بتطبيق المنهج الدراسي الرسمي. وإلى جانب ذلك، توجد مدارس خاصة غير مرتبطة بعقود مع الدولة تتمتع بحرية أكبر في أساليب عملها ولا تتلقى أموالاً عامة، لكنها لا تستقبل سوى أقل من 1 في المائة من مجموع التلاميذ.
ورغم أن هذا الدعم المالي يتيح للدولة ممارسة ضغوط على المدارس الخاصة لتعزيز التنوع الاجتماعي، إلا أن الوزراء المتعاقبين تجنبوا دائماً طرح مثل هذه المطالب. ويعود سبب ذلك، إلى أن معظمهم درسوا في أرقى المدارس، وتحديداً "المدارس الكبرى، وهي مؤسسات نخبوية فرنسية ذات معايير قبول صارمة للغاية، كما أنهم يرسلون أبناءهم إلى مدارس خاصة. وفي عام 2024، أثارت وزيرة التعليم التي شغلت المنصب لفترة وجيزة، أميلي أوديا-كاستيرا، فضيحةً عندما بررت تسجيل أطفالها في مدرسة خاصة للنخبة بسوء أداء المعلمين في القطاع العام. أما سلفها، غابرييل أتال (الذي أصبح رئيساً للوزراء لاحقاً ويترشح حالياً للرئاسة)، فقد درس هو نفسه في مدرسة مرموقة يرتادها أبناء البرجوازية،. وهكذا، يمثل هذا السلوك شكلا من أشكال الانفصال الاجتماعي.
المطالب الملموسة وأسئلة المستقبل
ثمة أمر بالغ الأهمية، فالشباب لا يتحدثون فقط عن مدرستهم الحالية، بل يتحدثون أيضاً عن مستقبلهم، إذ يُمثّل التعليم بوابةً نحو المستقبل؛ ولهذا السبب تكتسب مشكلاتٌ تبدو ملموسةً لغاية، أهميةً بالغةً وأبعاداً أعمق. إنهم لا يكتفون بالقول: "نريد مدارس أفضل"، بل يعبرون عن رغبتهم في "مستقبل أفضل"، وفي الوقت نفسه يعبرون على قلقهم إزاء مستقبل جيلهم.
ضغوط نفسية
يتحدث الشباب عن حالات اكتئاب وإرهاق، وقلق، وحرمان من النوم، وضغوط دراسية؛ والتفكير بالانتحار وهي ليست مجرد مشكلات ثانوية.
تُظهر دراسة نقلتها مؤخراً صحيفة "لوموند" واستندت إلى قرابة 200 مقابلة مع طلاب وطالبات، مدى انتشار مشكلة الحرمان من النوم والأعباء النفسية المرتبطة بالمتطلبات الدراسية. وعليه، فإن مطالبة الطلبة بظروف تعليم أفضل تعني في الوقت ذاته المطالبة بظروف معيشية أفضل.
وهذا تغيير جوهري في النظرة التقليدية لحركة الطلاب؛ فالأمر لا يقتصر على شباب يطالبون بـ "مزيد من الموارد"، بل إنهم يشككون في نمط حياة يفرض عليهم مستويات أداء متزايدة، بينما يوفر لهم قدراً أقل فأقل من الأمان مستقبلا.
طبيعة وخلفيات الاحتجاجات
من اللافت للنظر أن هذه الحركة لم تبدأ في وسط باريس، كما كان الحال غالباً مع الحركات الطلابية الفرنسية في الماضي؛ بل انطلقت من الضواحي، وتحديداً من منطقة "سين-سان-دوني وغيرها من الأحياء العمالية التي تقطنها عائلات ذات أصول مهاجرة، حيث تتجلى بوضوح أوجه التفاوت الاجتماعي، نتيجة التعامل معهم كمواطنين من الدرجة الثانية. وهكذا، سرعان ما تتحول المطالبة بظروف تعليمية أفضل إلى مطالبة بالمساواة والكرامة. والمثير للاهتمام؛ إن شبابا من باريس ومدن أخرى، بضمنهم طلبة مدارس تتمتع بامتيازات عالية، بدأوا يتضامنون مع زملائهم المحتجين.
ففي بعض الحالات، تحرك طلاب المدارس الثانوية في باريس صراحةً للتنديد بالأوضاع في مدارس أخرى، بل إن طلاباً من مدارس مرموقة أكدوا مشاركتهم في الاحتجاجات تضامناً مع المدارس الثانوية في الضواحي.
ويتمتع هذا التحول بأهمية كبيرة، لأنه يساهم في تجاوز، ولو جزئياً - انقسام اجتماعي متجذر؛ فلم يعد يُنظر إلى شباب الضواحي باعتبارهم "مشكلة" تقتصر على الضواحي فقط، بل كجزء من قضية تهم الشباب بأسره.
خصوصية فرنسية
يقول العارفون بالشؤون الفرنسية، إن اهتمام وسائل الإعلام الواسع يما يحدث، يعود إلى أن الاحتجاج بات جزءاً من التراث الوطني. وان هناك أسباب تجعل الاحتجاجات في فرنسا تتسم بطابع أكثر حدة وصدامية مقارنة بدول أوروبية أخرى؛ نتيجة لسياسات التقشف القاسية في عهد الرئيس ماكرون، تفوق ما تشهده دول أوروبية أخرى، مما يثير موجات من المعارضة. وتُعد حركة "السترات الصفراء" (2018-2019) المناهضة لإصلاحات ماكرون، والاحتجاجات ضد رفع سن التقاعد عام 2023، واحتجاجات الميزانية في العام الفائت، مجرد أمثلة سبقت الحراك الاحتجاجي الأخير. والمهم في الأمر أن الاحتجاجات السابقة حققت نجاحاً لا يمكن إهماله.
ومن ناحية أخرى، فان النظام السياسي الذي أرست قواعده الجمهورية الفرنسية الخامسة في عام 1958، مثل منظومة حكم تخدم مصالح النخب السياسية والاقتصادية في الحفاظ على سلطتها، من خلال مركزية تفوق أي بلد في أوروبا الغربية. إذ يحكم الرئيس البلاد، وكأنه حاكم مطلق، بينما لا تعدو المؤسسات الديمقراطية سوى واجهة صورية؛ وينطبق الأمر على الانتخابات التي يتم تجاهل نتائجها، وقد تجلى ذلك بوضوح في عام 2024، حين فاز تحالف اليسار بالانتخابات البرلمانية، فاستخدم الرئيس حق النقض (الفيتو)، لحرمان اليسار من تشكيل الحكومة. وأمام هذا الواقع، تبرز المقاومة السلمية كخيار وحيد.
عنف حكومي
لقد رفضت الحكومة تفهم المطالب الطلابية. وكان رد وزارة التعليم الوحيد، فتحُ منصة للتشاور، قبل أن يُترك الدور الرئيسي لوزير الداخلية ، الذي لم يكن لديه رد سوى إرسال الشرطة لقمع المحتجين. وسبق له أن اكتسب خبرة في هذا المجال خلال مواجهة الحركة الاحتجاجية ضد "اصلاح" المعاشات التقاعدية عندما كان محافظًا لباريس!
غير أن هذا الإجراءات لم يفضِ إلى تهدئة الأوضاع، بل على العكس أدت إلى تأجيجها واستفزاز المحتجين. ونتيجة لذلك، باتت الصدامات بين الطلبة والشرطة أمراً حتمياً، وسرعان ما تتصاعد حدتها؛ إذ لا يقتصر الأمر على استخدام الهراوات والغاز المسيل للدموع، بل يمتد ليشمل قنابل صوتية ومسيلة للدموع وقذائف مطاطية، وقد استُخدمت هذه الأسلحة بشكل مفرط وغير سليم في كثير من الحالات، مما تسبب في إصابات خطيرة للمئات من المحتجين. وحتى الآن وصل عدد المعتقلين إلى قرابة 700 ألف محتج، وهو رقم فاق معتقلي الانتفاضة الطلابية التاريخية في عام 1968.
قبل أربعة أسابيع فقط، لم يكن بوسع أحد توقع هذا المسار للأحداث، ولم يخطط له أحد. وبالفعل، تبدو المقارنة مع انتفاضة مايو 1968 واردة ومناسبة؛ ففي ربيع عام 1968، بدت فرنسا مستقرة ظاهرياً ومزدهرة اقتصادياً، وخاضعة لسيطرة محكمة من قبل الرئيس شارل ديغول. وحينها أيضاً، تم تجاهل مؤشرات الإنذار؛ فقد أدى التوسع الهائل في التعليم إلى تضخم أعداد الطلاب بشكل هائل، مما وضع البنية التحتية تحت ضغط يفوق طاقتها بكثير. ورغم ازدهار الاقتصاد، لم يستفد العمال إلا قليلاً من هذا الرخاء، إذ عانوا من معدلات بطالة مرتفعة بين الشباب، وأجور متدنية، وساعات عمل طويلة للغاية. وقد اندلعت إضرابات عفوية ووقعت مواجهات مع قوات مكافحة الشغب. وفجأة، حلّت اللحظة الثورية.
الموقف من ممارسة العنف
تحدث أعمال إضرام حرائق، وإتلاف للممتلكات، واشتباكات مع الشرطة، وغيرها من أعمال العنف. ويتحمل مسؤوليتها مندسون لا ينتمون إلى الحراك؛ وينجر بعض المحتجين للمشاركة فيها. وهناك خلاف حول تحديد المسؤولين بدقة. لذا، سيكون من الخطأ تحميل المتظاهرين المسؤولية بشكل جماعي؛ فحتى السلطات أشارت، في حالات معينة، إلى تورط أطراف خارجية. ومن جانبهم، يرى المحتجون أن صور العنف تصرف الانتباه عن مطالبهم التي تتسم بالسلمية. أما البعد الآخر للاحتجاجات فهو مشاهد الفرح والهتافات والرقص، والأعلام، والدعابة، والشعارات، واللقاءات؛ كل هذا يعكس طابع الحراك، ويُظهر أنه لا تحركه مشاعر الغضب وحدها، فهناك مزيج يجمع بين الغضب والأمل والرغبة في الشعور بالانتماء والترابط. وهذا المزيج هو ما يميز هذه الاحتجاجات.
ضد اليمين المتطرف
في ظل غياب إجابة فعلية لديهم، تراهن قوى اليمين المتطرف والمحافظ، ومعسكر ماكرون على فقدان الاحتجاجات لزخمها، آملين في الانتقال سريعاً إلى قضية أخرى. ولهذا استغلت مارين لوبان الفرصة لانتقاد ما تصفه بالموارد المفرطة المخصصة للضواحي - وبالتالي للسكان ذوي الأصول المهاجرة فيها ، مقارنة بـ "فرنسا المنسية" في المناطق الريفية.
غير أن الأرقام تدحض هذا الادعاء، إذ تظهر نقصاً في التمويل بمتوسط 30 في المائة لكل تلميذ في منطقة "سين-سان-دوني" الشعبية مقارنة ببقية أنحاء البلاد، وهذا لا ينفي معاناة المناطق الريفية في فرنسا أيضاً من الإهمال.
ولهذا يتظاهر المحتجون ايضا ضد اليمين المتطرف والفاشية، لكنهم في الوقت نفسه يرددون النشيد الوطني الفرنسي. وبذلك، يكسرون المقاربات التبسيطية القائمة على ثنائيات مثل: فرنسا مقابل الهجرة، الوطنية مقابل اليسار، والعنصرية مقابل التنوع. إذ يقول المحتجون القادمون من الضواحي،: "نحن أيضاً نمثل فرنسا، إنهم لا يرفضون الوطنية الفرنسية بالضرورة، بل يطالبون بأن يسري عليهم أيضاً الوعد الراسخ في الجمهورية: "حرية، مساواة، إخاء".
قوى اليسار تدعم المحتجين
منذ اندلاع الاحتجاجات حظيت الحركة باهتمام وتضامن قوى اليسار، وخصوصا حركة فرنسا الأبية، والحزب الشيوعي الفرنسي، وكانت زيارات شخصيات قيادية لمدارس محتجة ومواقع التجمعات الاحتجاجية، وتصريحات، وإصدار بعض الأحزاب وثائق ومقترحات، ومطالبة الحكومة بتنفيذها. لقد أكد الحزب الشيوعي الفرنسي على انحيازه للطلبة المحتجين، وتبني مطاليهم. ولا يكتفي الحزب الشيوعي الفرنسي باعتبار الاحتجاجات مشروعة تماماً، بل يشدد أيضاً على طابعها السياسي العميق. يؤكد فابيان روسيل، السكرتير الوطني للحزب الشيوعي الفرنسي: "إنه لأمر مخزٍ للبلاد أن تُلقى القنابل على الأطفال والشباب "، مشيراً إلى أن هذا التصرف غير ملائم وخطير". ويضيف ً: "يتعلق الأمر بالكشف عن الجذور العميقة للاستياء والاحتجاجات، ومعالجة المظالم والاختلالات التي يتم رصدها"، و "إن ما يحدث هنا والآن يمس شبابنا، وبالتالي مستقبل بلادنا". ويرحب الحزب الشيوعي الفرنسي بالمبادرات العديدة الرامية إلى منع الصدامات العنيفة بين الشرطة والدرك والطلبة المحتجين.
وفي هذا السياق، وزعت رابطة الشباب الشيوعي -وفقاً لما ذكره سكرتيرها العام باستيان بونارجنت- 3000 دفتر لتسجيل الشكاوى، حيث يمكن للطلبة تدوين شكاواهم ومقترحاتهم لتحسين الأوضاع. ويؤكد بونارجنت أن استحضار نموذج "دفاتر الشكاوى" لتي ساهمت في إشعال شرارة الثورة عام 1789، لم يأت اعتباطا. وسيعمل النواب الشيوعيون على ضمان عدم ضياع هذه الشكاوى أدراج الرياح، بل الحرص على الوفاء بالوعود التي قطعتها الحكومة.
انعكاسات سياسية
تأتي الاحتجاجات قبل أشهر قليلة من الانتخابات الرئاسية في 18 أنيسان المقبل، وبالتأكيد سيكون لها انعكاسات على الصراع الانتخابي؛ على الرغم من أن الاحتجاجات الطلابية كانت عفوية، ونابعة من تجارب الطلبة اليومية.
ويخشى رئيس الحكومة أن تؤدي احتجاجات الطلاب إلى تعزيز المطالب الاجتماعية للنقابات، وأن تهيمن إلى حد كبير على المزاج العام في البلاد؛ ولهذا السبب، أعلن في بيان أصدره الأسبوع الماضي عن حزمة من التدابير الفورية. غير أن هذه الإعلانات لم تحقق أي أثر يُذكر؛ إذ يبدو أنها جاءت متأخرة للغاية.
وفي ظل هذه الأوضاع المتردية، تؤكد سوزان نيجدام، رئيسة اتحاد (اف أي جي أي)، أكبر اتحاد للطلاب في فرنسا: "سنواصل عمليات الإغلاق والاحتجاج حتى يتم رصد مبلغ 10 مليارات يورو؛ فهذا هو المبلغ الذي قدرناه لتنفيذ الإجراءات العاجلة العشرة". وفي غضون ذلك، شكل رئيس الوزراء لوكورنو خلية أزمة مشتركة بين الوزارات لمناقشة هذه المطالب.
وبالمقابل لا يبدو أن استراتيجية المراهنة على عامل الوقت والمماطلة هذه كفيلة بتهدئة النفوس؛ إذ بات من الواضح تماماً أن الحكومة تعوّل على تراجع وتيرة الحراك مع بدء العطلة الخريفية في عموم البلاد في 17 تشرين الأول. غير أن هذه الخطة لا تمتلك فرص نجاح أكيدة، فالحراك قد امتد بالفعل إلى الجامعات، حيث تم احتلال عدد منها ومن المتوقع أن تحذو جامعات أخرى حذوها. يضاف إلى ذلك أن ثمة خطة لإعادة إحياء حركة "السترات الصفر" عبر تنظيم تحركات في أكثر من 50 مدينة بالتزامن تماماً مع العطلة الخريفية. وفي حال كُتب النجاح لهذه الانطلاقة الجديدة، فإن متاعب الحكومة ستتفاقم، إذ قد يؤدي ذلك إلى التشبيك بين حركات اجتماعية، كانت حتى الآن منفصلة.
استنتاجات آنية مهمة
1 - إقدام الشبيبة على أخذ قضياهم بأيدهم، وعدم الركون للتلقي، وبهذا يسطرون مثلا يحتذى به للأجيال القادمة، اذ يتم التعامل مع المستقبل بوصفه قضيةً جماعية.
2 - يربط المحتجون بين مطالبهم الملموسة والمساواة، التي لا تعود مجرد فكرة، بل تصبح واقعاً ملموساً، وقد عبر المحتجون عن هذه الفكرة: "أريد أن أحظى بنفس الفرص التي يحظى بها الآخرون لتشكيل حياتي".
3 - المشاكل النفسية ليست قضية فردية، فعندما يعاني آلاف الشباب من القلق أو الاكتئاب أو الإنهاك أو الأرق حد التفكير بالانتحار، لا تصح مقولة بأن على كل فرد أن "يتكيّف" مع الوضع القائم.
4 – التضامن بين المحتجين من سكان الضواحي وسكان المراكز الحضرية، يكسر جدران الأنانية الطبقية ويصبح التعامل مع الأسئلة الحارقة هما مشتركا للجميع.
5 – لا تمثل سلمية الاحتجاج أمرا ثانوياً؛ فانتشار الرقص والغناء والفكاهة واللقاءات والفرح في خضم الصراع يحمل أهمية بالغة، لأن الاحتجاج القائم حصراً على الكراهية يراكم الكراهية، وفي المقابل، فإن الاحتجاج الذي يجمع بين السخط والفرح، وبين التنديد واللقاء، وبين الصراع والأمل، يفتح آفاقاً وإمكانيات أخرى، وبالتالي فإن سلمية الاحتجاج لا تعني السلبية، بل تعني القدرة على تحويل السخط إلى فعل وتأثير، دون تحويل الطرف الآخر إلى عدو مطلق.
6- يبقى مهما أن تتحول مطالب المحتجين إلى برنامج سياسي واضح ممكن له أن يتحقق بالتشبيك مع القوى السياسية والاجتماعية. لقد كان هذا الأمر إحدى نقاط الضعف، التي عانت منها انتفاضة تشرين 2019 المجيدة. لكن الأمر مختلف في فرنسا، فهناك قوى يسار منظمة، تملك خبرة تاريخية وهياكل فاعلة وتأثير واضح، وبالتالي فان آفاق تراكم النضالات الاجتماعية المتنوعة وارد، على الرغم من شراسة سلطة راس المال وامكانياتها الهائلة، فرنسيا، وأوربيا وعالميا.
أول الانتصارات
حققت حركة احتجاج طلاب الثانوية أول انتصار كبير لها. فبعد أن استقبل لأول مرة وفوداً من الاتحادات الطلابية للمدارس الثانوية، أعلن وزير التعليم، إدوارد جيفراي، في مقابلة تلفزيونية مساء 8 تشرن الأول، عن تعيين 3 آلاف معلم بديل خلال الأيام المقبلة ليحلوا محل زملائهم المرضى. ومن المقرر أن يباشر هؤلاء عملهم بحلول يوم الثلاثاء الذي يليه، وهو اليوم الذي دعت فيه اتحادات الطلبة إلى تنظيم ثالث موجات الاحتجاج.
**************************************
الصفحة الثامنة
على طريق المؤتمر الـ 12 لحزبنا حمَلَة مشاعل الثقافة.. ورسائل التنوير
رضا الظاهر
خلال تاريخه لم يؤدِ الأدب والفن العراقي وظيفة جمالية محضة حسب، وإنما، أيضا، وظيفة اجتماعية، ووطنية، وأخلاقية، وفلسفية. فالشيوعيون، وسائر التنويريين، بل وعموم الناس، يرون في الأدباء والفنانين وعموم المبدعين الممثلين الرئيسيين في مجال الثقافة. وهذه من السمات الأساسية التي جسدتها مواقف حزبنا الشيوعي العراقي في الميدان الثقافي، المستندة إلى المنهجية الماركسية والتحليل النقدي لدور المثقفين في الحركة الاجتماعية.
ومن المؤكد أن دراسة تاريخ الحركة الثقافية غير ممكنة من دون دراسة تأثير الأفكار الماركسية والحزب الشيوعي على المثقفين. وهو ما سنحاول إضاءته، على نحو وجيز، في مقالنا هذا عبر العودة الى مواقف الحزب وتراثه وتحليلاته، وكذلك تجربة عمله مع المثقفين بإشكالياتها وأسئلتها الملحة وآفاقها.
وابتداء يمكننا القول إننا أمام تجسيد ملموس لذلك عبر أبرز المهمات التي تضمنتها مسودة برنامج حزبنا المقدمة إلى المؤتمر الـ 12 للحزب. فقد ورد فيها:
"- تبني مشروع ثقافي وطني، إنساني النزعة وديمقراطي المحتوى، يساهم في بلورة هوية وطنية واحدة، ويضمن احترام التعددية الثقافية والفكرية والتفاعل مع روافد الفكر العالمي.
- تأسيس مجلس أعلى للثقافة، يشرف على رعاية كافة ميادينها، وحماية استقلاليتها، وعلى إعمار البنى التحتية الثقافية وتطويرها، وتمويل أنشطتها من خلال صناديق خاصة، ودعم النشاط الإبداعي والثقافي والفكري مادياً، ومعنوياً وسن التشريعات التي تكفل حرية الفكر والإبداع، وتحمي حقوق الملكية الفكرية، وتمكـّن المنظمات الثقافية غير الحكومية من ممارسة دور مؤثر في الحياة الثقافية.
- إدامة وتعزيز الوشائج مع المثقفين العراقيين في المهجر، والإفادة من منجزهم المعرفي، وإشراكهم المباشر في بناء البلد وتنميته، وتحفيز تواصلهم مع الوطن وتشجيعهم على العودة إليه وتيسيرها."
مرحلة جديدة في العمل الثقافي
لقد اغتنت الثقافة التقدمية العراقية بروافد عديدة ابتداء من التراث الرافديني، مرورا بالنزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية، وسائر الثقافات التنويرية الإنسانية، وصولا إلى العصر الحديث، وتأسيس حزبنا وممارسته دوره في الثقافة.
بدأت في عشرينيات القرن الماضي بذور ثقافة تقدمية تنويرية مع تبلور أولى الملامح الجنينية للطبقة الوسطى في العراق. وفي بداية العشرينيات نشطت (جماعة حسيين الرحال)، التي يعدها المؤرخون أول مجموعة ماركسية في العراق، وتمثَّل نشاطها في تبني الفكر العلمي والاشتراكي، ومفاهيم التطور والحرية، والدفاع عن حقوق المرأة.
وعندما انبثق الحزب الشيوعي العراقي عام 1934 كان ذلك إيذانا ببدء مرحلة جديدة في النشاط السياسي، وكذلك في النشاط الفكري والثقافي. وتعكس الوصايا التي صاغها لأعضائه جانبا أساسيا من موقفه في ميدان الثقافة: "كن تقدميا في نظرتك نحو العلم والفن والأدب والثقافة بصورة عامة، ودافع عنها باعتبارها ملك شعبنا وملك الإنسانية التقدمية، واحترم العلماء والأدباء والفنانين دون التفات لقومياتهم وأديانهم".
لقد عاصر مؤسس حزبنا الرفيق يوسف سلمان يوسف (فهد)، الذي كان كاتبا وصحفيا، أجيالا من المثقفين الماركسيين الأوائل، غير أنه تميز عنهم بربط الفكر النظري بالواقع العملي. ولعل من بين الأمثلة التي تذكر عن علاقة فهد بالمثقفين لقاءه بالفنان يحيى فائق وتأثيره عليه وإضاءته لدور المسرح السياسي والطبقي. وعندما اشتكى الرسام رشاد حاتم من أن جدران السجن حرمته من الرسم قال له فهد: "ادفع عنك جدران السجن، وصوّر الناس والطبيعة". وفي رسالة من السجن أوصى فهد بالجواهري قائلا: "وثّقوا صلتكم بالجواهري". وعندما علق أحد الرفاق بأن الجواهري لم يكتب جديدا للحركة الوطنية، قال فهد: "اصنع له حدثا، فتراه بلبلا مغردا".
وفي السجن اهتم فهد بالمناضلين، وحوّل السجن إلى مدرسة ثورية وتثقيفية. ويمكن القول إن ما اتسم به موقف فهد يتجلى، بإيجاز، في نظرته إلى الثقافة كأداة للتحرر وإشاعة الوعي، وتجاوز النخبوية في الثقافة، ومكافحة التخلف الفكري والثقافي، وتجسيد تقدمية الأدب والفن. إن رؤية فهد للثقافة ليست منفصلة عن مشروعه الفكري والسياسي، ويمكن القول إن مأثرة فهد الكبرى تتمثل في ربطه الفكر الماركسي بالواقع العراقي.
أما دور عضو المكتب السياسي حسين محمد الشبيبي، الذي كان شاعرا وأديبا وناقدا، فيقدم مثالا للجدل والتفاعل بين المثقف والسياسي. وكانت مساهماته واعدة في مجال النقد الأدبي من منظور ماركسي. وكان من المؤمل أن يكون ناقدا أدبيا مرموقا لولا انغماره في العمل السياسي الذي حدّ من نشاطه في ميدان جماليات الأدب. غير أن كتاباته السياسية اللاحقة لا تمثل قطيعة مع كتاباته في النقد الأدبي. ومن طريف ما يروى أن الشهيد الشبيبي أعطى الشهيد حسين مروة، يوم كان يدرس في الأربعينيات في حوزة النجف، نسخة من (البيان الشيوعي)، وهذا هو الذي جعل مروة يشير في مذكراته الموسومة (وُلِدت شيخا وأموت طفلا) قائلا: التقيت ماركس في النجف!
ويُذكر أن الشبيبي نشر العديد من كتاباته في مجلة (المجلة) التي كان ذو النون أيوب يرأس تحريرها، وكان الشبيبي يشارك في تحرير موادها والإشراف على بعض مواضيعها. وعند تلبية دعوة من (المجلة) التقى الشبيبي في بغداد بالرفيق فهد (ربيع عام 1941) الذي أبدى إعجابه بمقالاته وتحليلاته التي تركزت منذ عام 1939 وما تلاه في جماليات الأدب، ودراسة التراث وربطه بالمعاصرة.
ومعلوم أن الحزب أصدر مجلة (الثقافة الجديدة) عام 1953 التي أسهمت في تشكيل ملامح الثقافة التقدمية العراقية. ولا ريب أن إصدار مجلة بهذا المستوى، واستمرار صدورها لمدة تزيد على 70 عاما، رغم كل الصعاب، هو، بحد ذاته، مأثرة في الثقافة العراقية.
وكانت فترة الأربعينيات والخمسينيات فترة مميزة، أسست لمشروع ثقافي فكري وأدبي وفني، وتبنت قضايا الحداثة في الشعر والأدب والفن. وفي هذه الفترة تبلورت أسس الموقف الماركسي من الثقافة، وهي الأسس التي ظل الحزب يسترشد بها ويغنيها في العقود اللاحقة، وحتى الآن، كما يشهد على ذلك الدور المتميز الذي تقوم به وسائل إعلام الحزب ومؤسساته الثقافية.
أسئلة ملحة
عندما يحلل الشيوعيون الموقف من الثقافة يجدون أمامهم أسئلة ملحة تتعلق بالكثير من الموضوعات، ومن بينها: العلاقة بين الثقافة والديمقراطية (بما في ذلك موضوعات: الثقافة والهوية الوطنية، والثقافة والتبعية، والثقافة والعولمة)، والعلاقة بين المثقف والسلطة، وسمات الأزمة الثقافية الراهنة، ودور المثقفين في الحركة الاجتماعية، والمهمات المطروحة أمام الحركة الثقافية التقدمية.
ومن بين الأسئلة التي واجهها الشيوعيون: لماذا شهدت العلاقة بين الثقافة والسياسة نوعا من "ازدهار"، خصوصا في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي (وهو ما تجلى، أيضا، في سنوات أواسط السبعينيات)؟ ولماذا بدا أن هذه العلاقة "اختلت" في فترات معينة؟ ربما تقودنا الإجابة على هذا السؤال إلى تشخيص جوانب من الأزمة الثقافية التي بدأت، خصوصا، بعد العام الأول لثورة 14 تموز 1958، واستمرت بعد ذلك، بانقطاعات مختلفة، ولكنها ما تزال، في الجوهر، مستمرة، حتى الآن، بتجليات متنوعة.
في سنوات "الازدهار" لم تكن الدولة، على العموم، تمتلك أجهزة آيديولوجية تتيح لها الهيمنة الفكرية على المجتمع (تغيّر الحال في سنوات تسلط الدكتاتورية الفاشية أواخر سبعينيات القرن الماضي حتى سقوط نظامها عام 2003)، فيما كانت الحركة السياسية التقدمية حركة شعبية وجدت في المثقفين التنويريين مناصرين جدّيين لها، واستطاعت، باستيعابها المزاج الديمقراطي للمثقف (على الرغم من الالتباسات المنهجية والسياسية التي لا تسمح مساحة هذا المقال بالدخول في تفاصيلها)، استثمار مناصرته للحرية والديمقراطية.
وفي هذا السياق يمكن القول إنه على الرغم من عدم وضوح الحدود الطبقية في العراق، فقد لعبت الطبقة الوسطى دورا مؤثرا في الثقافة منذ العشرينيات حتى ما بعد ثورة 14 تموز. غير أن وجهة التطور الاجتماعي في العقود التالية تركت آثارها السلبية على بنية هذه الطبقة ودورها الاجتماعي والثقافي.
قضايا إشكالية
ومن ناحية أخرى واجهت الحركة السياسية التقدمية (وكان حزبنا قوتها المؤثرة الأعظم) إشكالات في عكس التغيرات الاجتماعية العميقة ونتائجها الفكرية في سياساتها الثقافية، التي كانت، في جوانب معينة منها، متشبثة بالمواقف التقليدية من الثقافة، والنظرة الأحادية التبسيطية للإبداع، والاستلقاء على أرائك المرجعيات السياسية والآيديولوجية، والمناهج "الفكرية" السائدة عالميا. وكانت لهذا الواقع أسبابه الموضوعية متمثلة، بشكل أساسي، في سيادة الفكر الماركسي التقليدي، وأدوات تحليله القاصرة، خصوصا في ما يتعلق بجماليات الأدب والفن. وفي هذا السياق كان هناك نوع من اختلال في العلاقة مع المثقفين تمحور بشأن العديد من المفاهيم بينها: التوصيف الاجتماعي للمثقفين، وعلاقة الفن بالآيديولوجيا، والاستقلالية النسبية للإبداع، وفهم وظيفة الفن، والموقف التبسيطي من حرية الابداع. ومن الطبيعي أن من بين مهامنا تحليل هذه القضايا الإشكالية وفقا لمنهجية ماركسية منفتحة. ويمكننا القول إنه في سياق هذه الإشكاليات وطريقة الفهم الدوغماتية لمشكلة الحرية، وعدم القدرة على فهم الخاص وراء العام، واكتشاف الطبيعة الخاصة للمقولة وراء المعالجة الفلسفية العام للمشكلة، ونسيان الديالكتيك عبر عزل الخاص عن العام، وتحويل الملموس المحدد إلى مجرد مطلق، هذه كلها تشكل عائقا أمام التحليل. وكما قال ماركس فإن على المرء أن لا يتجاهل التنوع من أجل الوحدة. وقد حدد غرامشي إطارا سليما لفهم الإبداع بقوله إن "ممارسة الانسان السياسي للضغط باتجاه أن يعبر الفن في زمنه عن عالم ثقافي معين يعتبر نشاطا سياسيا وليس نقدا فنيا".
المثقف والحركة الاجتماعية
نحن الآن، وربما في كل حين، أمام مسألة علاقة المثقف بالحركة الاجتماعية.
دعونا نحدد، أولا، بعض السمات الأساسية للأزمة الثقافية (وهي، في الجوهر، تجلٍ للأزمة الاجتماعية)، فنشير إلى غياب (أو تغييب) دور المثقفين من جانب النخب المتنفذة، ومنهجية المحاصصة، وغياب الدعم الحقيقي من جانب الدولة الريعية ومؤسساتها للنتاج الابداعي، وتخليها عن مسؤوليتها في إنشاء البنى التحتية للثقافة.
فماذا بشأن سؤال: هل المثقف غائب عن الحركة الاجتماعية؟
لابد من الاعتراف، بداية، بوجود تباين في الآراء بشأن انخراط النخب الثقافية في الحركة الاجتماعية. فهناك من يسعى إلى اختزال هذا الدور، حيث يتم الفصل التعسفي بين المثقف ونشاطه الإبداعي، وبين مشاركته في الحراك المجتمعي. فقد كان غرامشي يرى المثقف من خلال وجوده الاجتماعي، ويؤكد أن عالم الصراع الاجتماعي هو الذي يعيد صياغة المثقف.
وفي سياق هذا التباين في الرأي بشأن موقف المثقفين من التغيير الاجتماعي ودورهم فيه يجري تأويل "يأس" المثقف ودلالاته على نحو تبسيطي وفي إطار نظرة أحادية. فهناك من يعتقد بلا جدوى مشاركة المثقفين في الحراك الاجتماعي. ويرى البعض أن قوة المتنفذين المتحكمة في كل شيء تمنع المثقفين، بسبب عدم التكافؤ، من أداء دورهم (متى كان التكافؤ هذا شرطا لممارسة المثقفين دورهم!؟). ويقول هؤلاء إن الظرف التاريخي الذي خلقه التطور العراقي، المعقد والملتبس، هو خارج سيطرة المثقف الذي يقف أمامه أعزلا ويائسا. ويشيرون إلى أن ما يبتغيه المثقف لا يتجاوز رغبته في الخلاص من كراهية السياسيين للثقافة والمثقفين. وهذه نظرة قد تبدو "صحيحة" في ظاهرها، لكنها خاطئة في الجوهر، ذلك أن التعارض بين السياسي والثقافي تعارض مفتعل، ومقصود منه إبعاد المثقف عن ممارسة النشاط السياسي، لا بالمعنى اليومي المبتذل، وإنما بالمعنى الرفيع، وهي الممارسة التي تجعل المثقف جزءا من التغيير وفاعلا فيه. أما عزله عن السياسة فهو ما تبتغيه قوى الثقافة المهيمنة لشلّه عن أداء دوره، واستثمار هذا الشلل في خلق المناخ الذي يديم لسدنة القافة السائدة فرص الاستمرار في امتيازاتهم.
ويجري الحديث من جانب البعض، على نحو ملتبس وغير منصف، عن غياب دور المثقفين. ونحن نعلم أنه كلما انحازت الثقافة إلى جديد ضد قديم، وإلى حلم ونور ضد خنوع وظلام، واجه المثقفون، الساعون إلى التغيير الاجتماعي، استبداد السلطة الساعية إلى تأبيد الراهن. إن مقاومة الاستبداد، والكفاح من أجل الحرية والعدالة يقترنان بدور المثقفين التنويري، ومشاركتهم في أحداث عصرهم، وتعبيرهم عن معاناة شعوبهم وأشواقها. ويجسد تاريخ المثقفين العراقيين هذه الحقيقة الساطعة. فدورهم الريادي في التحول والتجديد معروف قديما وحديثا. ولو استعاد المرء صفحات من تاريخ مثقفي بلادنا – اتركوا الصفحات المشرقة في التاريخ القديم للبلد الذي ظهرت فيه أولى الحروف، وأولى القصائد والملاحم، وأولى الشرائع – لعرف حقيقة الدور الذي مارسوه. وليست معارك عشرينيات القرن الماضي، ومعارك العقود التي تلتها، وصولا إلى انتفاضة تشرين المجيدة، سوى جزء من حقيقة الدور التنويري والريادي للمثقفين.
وفي سياق الحراك الاجتماعي المعاصر بوسعنا أن نميز مشاركة واضحة ومتسعة للمثقفين. وقد "ذاب" بعض جليد ما يدعى "تعارض السياسي والثقافي" إلى حد ما.
ونجد في الحركة الاحتجاجية (في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين)، المتواصلة بأشكال مختلفة، ملامح إجابات على بعض الأسئلة الملحة. ولا ريب أن من بين أهم سمات الحركة الاحتجاجية تبرز سمة مشاركة النخب الثقافية في هذه الحركة، وسعيها الحثيث لترشيد الظاهرة الاحتجاجية والمشاركة النشيطة في بلورة شعاراتها وتدقيق مطالبها، وإشاعة الوعي الاجتماعي بأهمية التغيير وضرورته.
مخاض عسير
إن التحول العاصف في الإطار الثقافي، رغم كل التباساته وانعطافاته، يعكس آفاق نهضة ثقافية يمكن، إذا ما توفرت لها الشروط الصحية، أن تعيد الاعتبار للعقلانية والتنوير، وتخلق فضاء ازدهار الثقافة الإبداعية.
وإن بلادنا تشهد حاليا، وسط استعصاءات وعقبات كأداء، مخاضا عسيرا، يكشف، من بين حقائق أخرى، أن وجهة التطور الاجتماعي والثقافي لم تحسم، بل لم تتحدد ملامحها الواضحة بعد. ويسهم هذا الالتباس في إعاقة خلق الفضاءات التي يحتاجها الإبداع الأدبي والفني ومنتجوه. ولا ريب أن الديمقراطية الحقيقية هي الفضاء الأرحب والشرط الأساس لازدهار الثقافة الابداعية. وبهذا المعنى فإن التساهل في وضع المثل الديمقراطية موضع التطبيق يمكن أن يكون مقدمة لنمط من الاستبداد يحول الثقافة إلى أداة لتبرير نهج السلطة السياسية، وهو نهج لا يُستبعد أن يجد، كما في كل الأزمنة، مثقفين "بارعين" في "بزنس الأفكار" القابض على كل الحقائق المطلقة. ويتعين علينا أن ندرك حقيقة أن بؤس الفكر السلطوي يمهد لنتائج سلبية في العمل السياسي قد تكون مدمرة. ويمكن القول، بشكل عام، إن سياسة خاطئة في حقل الثقافة تعكس خطأ في مفهوم السياسة ككل، ذلك أنه لا يمكن، من وجهة نظر واقعية، فصل الفعل السياسي عن الفعل الثقافي.
ويستدعي النهوض الثقافي المنشود، قبل كل شيء، التوجه إلى المثقفين أنفسهم، فهم وحدهم القادرون، وبأدواتهم الثقافية، على تشخيص تعقيدات الواقع وآفاق المستقبل. ومن أجل حصول ذلك لابد من تغيير ذهنية النظر إلى الثقافة، وإيلائها حقها من الاهتمام باعتبارها إحدى الوسائل الأساسية لمعالجة الأزمة الروحية العميقة التي يعاني منها مجتمعنا، ووضع الأسس السليمة للتوجه إلى خلق نمط جديد من التفكير، يتعين أن يرتبط بإجراءات عملية تجسد الدور الحاسم الذي ينبغي أن تلعبه الدولة ومؤسساتها في خلق الأسس المادية والروحية لنهضة ثقافية حقيقية.
ومن المؤكد أن التغيير الثقافي يعني، من بين أمور أخرى، إعادة إعمار البنى التحتية للثقافة، وتأمين شروط نهوض ثقافي وفق خطة ستراتيجية تعتمد الكفاءات والآليات السليمة، وتعزيز دور الدولة في هذه العملية، وتنمية الوعي الثقافي، وضمان حرية التعبير، والتنسيق بين منظمات المجتمع المدني الثقافية ومؤسسات الدولة المعنية، بما يضمن ازدهار الثقافة الوطنية وثمار الابداع وحقوق منتجيه.
إن المثقف العراقي اليوم يتصدر مشهد الصراع الاجتماعي، ولا يقف معزولا على هامشه رغم كل محاولات إبعاده عن المشهد من جانب القوى المتنفذة التي سعت، وتسعى على الدوام، إلى فرض آيديولوجية النظام السائد، وإشاعة القوى المهيمنة علاقات الامتثال والخنوع وتأبيد الراهن عبر محاصرة وإقصاء العقل النقدي والتجديدي.
ووسط هذه المأساة الطاحنة يواصل المثقف التحدي ليثبت أنه قادر على تعريف دوره، وتجسيد هذا الدور في خلق إنجازات إبداعية، ومساعٍ إلى تعميم ثمار الثقافة الجمالية، ومواقف سياسية مضيئة تقاوم الظلام والتخلف وغسيل الأدمغة، وتنشر روح التنوير.
* * *
يمضي المثقفون الشيوعيون، حَمَلة مشاعل التنوير والتغيير، في طليعة السائرين صوب ضفاف الحرية.. يرودون الدروب كي تسير كتائب المكافحات والمكافحين إلى غد للعراق وضّاء..
أياديهم تحمل أغصان الجمال ورايات النور.. ومن عيونهم يتطاير شرر السخط.. ومن عقولهم يضيء الوعي، منشدا الأمل، والتوق إلى الإطاحة بعالم الظلام.
رسائل التنوير التي يبثونها في الشوارع المنتفضة هي رسائل احتجاج ضد ثقافة القطيع، واستعراضات الكرنفال التي ترضي غرور "سياسيين" منتشين وسط زيف وصخب ومديح متصدّرات ومتصدّري المجالس المأجورة..
أصوات المثقفين التي تتعالى في ثمار الإبداع ومواكب الاقتحام هي بداية الرد الحقيقي على من يدّعون "غيابهم".. وهي الرسالة البليغة على أنهم أولئك الذين يمنحوننا الأيادي والينابيع والآفاق..
*************************************
الصفحة التاسعة
ثمن الاحتجاج على مدوّنة الأحوال الشخصية
الأمهات بين فقدان الأطفال والتشهير
بغداد – نورس حسن
لم تكتف كثير من الأمهات بمواجهة الخوف من فقدان أطفالهن في أعقاب تطبيق أحكام المدونة الجعفرية، بل وجدن أنفسهن في مواجهة حملات إساءة وتشكيك في سمعتهن، بعدما شاركن في وقفات احتجاجية للمطالبة بحقهن في الحضانة. وبين أروقة المحاكم وساحات الاحتجاج، تخوض النساء معركة مزدوجة لاستعادة أطفالهن والدفاع عن كرامتهن، في وقت يتحول فيه حقهن في الاعتراض إلى ذريعة للتشهير بهن والانتقاص منهن.
في وقفات احتجاجية متعددة، اجتمعت عشرات النساء في محافظات مختلفة من البلاد، احتجاجاً على التعديلات المتعلقة بحضانة الأطفال، ومطالبة بإعادة النظر في أحكام المدونة الجعفرية، واعتماد تشريع يضع مصلحة الطفل في مقدمة الاعتبارات. وقد كشفت شهادات بعض المشاركات حجم الأثر الذي تتركه النزاعات القانونية في حياة الأمهات وأطفالهن.
تروي المواطنة أم حسن أنها تعرضت للطلاق غيابيا، وأنها تولت تربية أطفالها بمفردها، رغم الصعوبات المعيشية وغياب النفقة، قبل أن تواجه احتمال حرمانها منهم. وتقول: "المدونة الجعفرية أصبحت تظلم النساء بشكل كبير"، معتبرة أن القرارات التي تحرم الأمهات من أطفالهن "أشبه بالإعدام بحق الأمهات" على حد تعبيرها.
أما زهراء رعد، فتعيش تجربة أكثر قسوة بعدما انقطعت أخبار ابنتها البالغة ثماني سنوات. وتقول إن طليقها يساومها على مبلغ قدره 35 مليون دينار مقابل تمكينها من رؤيتها أو سماع صوتها.
وتضيف: "مضت خمسة أيام وأنا لا أعرف أي شيء عن ابنتي، ما ذنبي حتى يساومني على 35 مليوناً مقابل أن أسمع صوتها مرة واحدة؟" وتطالب القضاء بالتدخل وإعادة ابنتها إليها.
أطفال يعودون إلى أمهاتهم هرباً من سوء المعاملة
ولا تقتصر مخاوف الأمهات على الانفصال عن أطفالهن، بل تمتد لتشمل أيضا الظروف التي قد يواجهها الصغار بعد انتقالهم إلى حضانة الأب، خصوصا في الحالات التي لا تتوافر فيها الرعاية المناسبة أو يشعر فيها الطفل بالخوف وعدم الاستقرار.
وفي وقفة احتجاجية نظمت في ساحة الفردوس في السادس من حزيران 2026، قالت أم مصطفى إنها شاركت للمطالبة بتعديلات تحمي الأطفال من الأذى وسوء المعاملة بعد انتقال حضانتهم إلى آبائهم. وروت أنها سلّمت أبناءها إلى والدهم وفقا لما يقتضيه القانون، لكنهم عادوا إليها بعد أيام قليلة، بعدما هربوا من المنزل بسبب ما وصفته بسوء المعاملة والتعنيف والإهمال.
وأضافت أن أبناءها لم يحصلوا على الرعاية الكافية أو وجبات الطعام بصورة منتظمة، مؤكدة امتلاكها ما يثبت تعرضهم للأذى، وداعية الجهات المعنية إلى إعادة النظر في أحكام الحضانة.
وتطرح هذه الشهادات تساؤلات بشأن مدى مراعاة الظروف النفسية والاجتماعية للأطفال عند البت في قضايا الحضانة، وتؤكد ضرورة دراسة كل حالة على حدة، بدلاً من افتراض أن انتقال الطفل من أحد الوالدين إلى الآخر يضمن، بحد ذاته، توفير بيئة أفضل له.
من المطالبة بالحقوق إلى استهداف السمعة
وبالتوازي مع هذه المعاناة، تواجه الأمهات المحتجات خطاباً يتجاوز مناقشة مواقفهن القانونية إلى التشكيك في أخلاقهن ودوافعهن. وقد شهدت مواقع التواصل الاجتماعي تداول صور ومقاطع فيديو مسيئة لنساء شاركن في الاحتجاجات، بالتزامن مع استخدام الصفحات في حملات تشهير وتحريض استهدفت أمهات مطلقات ونساء محتجات. وتضمنت هذه الحملات أوصافا مهينة واتهامات غير مثبتة، فضلاً عن نشر صور ومحتويات مضللة بشأن دوافع المشاركة في الوقفات الاحتجاجية.
وبدلا من الإصغاء إلى شهادات الأمهات والتحقق من المخاوف التي يطرحنها، تصبح المرأة نفسها موضع اتهام، فيما تتراجع القضية الأساسية إلى الخلف، وهي ضمان حقوق الطفل وحمايته.
وتؤكد الناشطة الحقوقية أزهار الدليمي في تصريح اطلعت عليه "طريق الشعب" أن انتقال الحضانة من الأم إلى الأب بصورة تلقائية يمثل إشكالية في بعض الحالات، ولا سيما عندما يكون الطفل قد أمضى سنوات طويلة في رعاية أمه. وتشدد على أن مصلحة الطفل يجب أن تكون المعيار الأساس في قرارات الحضانة، بعيدا عن الخلافات الشخصية بين الوالدين.
حضانة الأطفال ليست عقوبة للأمهات
إن ما تطالب به النساء المحتجات لا ينبغي اختزاله في صراع بين الأم والأب، بل إنه يتطلب نقاشاً قانونياً واجتماعياً يضمن عدم استخدام الأطفال أدوات للضغط أو الانتقام، ويأخذ في الاعتبار ظروفهم واحتياجاتهم النفسية ومتطلبات استقرارهم. كما يستلزم الأمر توفير ضمانات قانونية تتيح للأمهات الاعتراض على القرارات التي تمس حياتهن الأسرية، وتحميهن من التهديد والتشهير والتحريض.
وتقع على عاتق الجهات التشريعية والقضائية مسؤولية مراجعة الإشكالات التي تثيرها تطبيقات المدونة، وضمان التعامل مع كل قضية حضانة وفق لظروفها الخاصة، فضلاً عن اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية النساء من حملات الإساءة ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون.
فالأمهات اللواتي يخرجن إلى الشارع للمطالبة بأطفالهن لا يحتجن إلى محاكمات اجتماعية إضافية، بل إلى مؤسسات تنصت إلى مخاوفهن، وتحقق في شكاواهن وتضمن حقوق الأطفال.
***************************
حين تتحول الأمومة إلى ورقة ابتزاز
لم تعد معاناة بعض الأمهات تقتصر على الخوف من فقدان أطفالهن، بل امتدت إلى الابتزاز والمساومة المالية، حين يصبح بقاء الطفل في حضن أمه ثمناً يُطلب منها دفعه، في ظل المخاوف التي أثارتها المدونة الجعفرية بشأن حقوق النساء والأطفال.
تجد الأم التي تخوض معركة قضائية ونفسية للحفاظ على أطفالها نفسها أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما الاستجابة لمطالب مالية باهظة تفوق قدرتها، وإما مواجهة خطر الحرمان من أطفالها. وهكذا تتحول الأمومة إلى ورقة ضغط، وتُختزل مصلحة الطفل في مساومات تتجاهل استقراره النفسي وحقه في الرعاية والأمان.
إن المخاوف التي تثيرها أحكام المدونة الجعفرية بشأن فرص انتقال الحضانة إلى الأب وما قد يترتب عليها من تراجع الضمانات المتاحة للأمهات لا يمكن التعامل معها بوصفها خلافاً قانونياً مجرداً. فخلف النصوص تقف نساء يعشن القلق والخوف، وأطفال قد يجدون أنفسهم ضحايا صراع لا ذنب لهم فيه، فيما قد تُستغل هشاشة الأمهات النفسية والاجتماعية لدفعهن إلى تقديم تنازلات تمس علاقتهن بأطفالهن.
والأخطر أن الأم التي لا تملك المال الكافي لمواجهة هذه المساومات تصبح أقل قدرة على الدفاع عن حقوقها، وكأن الفقر بات تهديداً إضافياً لأمومتها. فأي عدالة تسمح بتحويل الخوف من فقدان الطفل إلى وسيلة لفرض شروط مالية؟
إن الحضانة ليست ملكية يتنازعها الأبوان، ولا امتيازاً يُمنح للأقوى مالياً أو قانونياً، بل مسؤولية ينبغي أن تحكمها مصلحة الطفل الفضلى.
وتتطلب مواجهة هذه الممارسات إرساء ضمانات قانونية تحمي الأمهات من الابتزاز، ومحاسبة كل من يستغل قضايا الحضانة لفرض شروط مالية أو انتزاع تنازلات تحت الضغط.
فالأطفال ليسوا أوراق ضغط، والأمومة ليست سلعة، وحق الطفل في الرعاية والأمان لا ينبغي أن يتحول إلى ثمن تدفعه المرأة كي لا تُحرم من فلذة كبدها.
المحرر
********************************
عقود الزواج القديمة والمدوّنة الجعفرية.. بين الأثر الرجعي والإرادة المفترضة
بتول فاروق
أثار تعديل قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم (188) لسنة 1959، بموجب القانون رقم (1) لسنة 2025، نقاشاً واسعاً حول إخضاع عقود الزواج المبرمة قبل نفاذ التعديل لأحكام المدونة الجعفرية. وتبرز في هذا النقاش إشكالية قانونية أساسية تتعلق بمدى جواز السماح لأحد الزوجين بطلب تطبيق أحكام المذهب الجعفري على عقد سابق، من دون اشتراط موافقة الطرف الآخر.
وفي معرض الدفاع عن هذا الإجراء، يُستند إلى أن وجود المهر المؤجل بصيغة معينة يدل على أن الزواج انعقد أصلاً وفق المذهب الجعفري، وأن تسجيل العقد في المحكمة لم يكن سوى إجراء شكلي لتوثيق زواج أبرم وفق الأحكام الشرعية الجعفرية. غير أن هذا التبرير يثير أسئلة تتعلق بحجية القرائن الاجتماعية، والإرادة التعاقدية، واستقرار المراكز القانونية. فهل يجوز تغيير النظام القانوني الحاكم لعقد الزواج بإرادة أحد الزوجين، استناداً إلى قرائن اجتماعية لا تثبت بالضرورة إرادة الطرفين؟
وعند محاولة تفكيك الأمر، تبرز مجموعة من الأسئلة الأساسية:
أولا: هل يثبت المهر المؤجل بصيغة معينة اختيار المذهب الجعفري؟
يستند بعض المدافعين عن تطبيق المدونة على العقود القديمة إلى أن المهر المؤجل بصيغة محددة من الممارسات الشائعة في الزواج الجعفري، ويرون في وجوده قرينة على أن الزوجين أبرما زواجهما أصلاً وفق هذا المذهب، حتى لو سُجّل العقد أمام المحكمة استناداً إلى قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959.
لكن هذا الاستدلال يحتاج إلى تدقيق؛ فالمهر المؤجل قد يُحدَّد بصيغ متعددة، ولا يقتصر استعمالها على مذهب فقهي واحد، كما أن وجود صيغة معينة لا يكفي، بمفرده، لإثبات أن الزوجين اختارا نظاماً قانونياً محدداً. وشيوع ممارسة اجتماعية في بيئة مذهبية معينة لا يجعلها دليلاً قاطعاً على إرادة كل فرد ينتمي إلى تلك البيئة.
وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة أمور: الانتماء المذهبي، والاتفاق على المهر وشروطه، واختيار النظام القانوني الذي يحكم العلاقة الزوجية. فقد تتداخل هذه الأمور في الواقع الاجتماعي، لكنها ليست متطابقة بالضرورة من الناحية القانونية.
وحتى إذا ثبت أن الزوجين أبرما عقداً شرعياً سابقاً وفق المذهب الجعفري، فإن ذلك لا يحسم وحده جميع المسائل المتعلقة بآثار العقد المسجل في المحكمة، أو بالنظام القانوني الواجب التطبيق على النزاعات المستقبلية. فهذه مسائل تستلزم بحثاً في ضوء الوقائع والمستندات والقواعد القانونية ذات الصلة.
ثانيا: هل كان العقد المسجل في المحكمة مجرد إجراء شكلي؟ أم ربما يكون شرطا على العقد الجعفري وأن كان ضمنيا متعارفا عليه عرفاً ارتكازياً ؟
إن القول بأن العقد الرسمي لم يكن سوى إجراء شكلي يثير سؤالاً جوهرياً: ما الدليل على أن الطرفين قصدا استبعاد الآثار القانونية المترتبة على تسجيل زواجهما وفق القانون النافذ؟ فتسجيل الزواج أمام المحكمة ليس واقعة يمكن تجاهلها بمجرد افتراض وجود ممارسة دينية سابقة أو موازية. وإذا ادُّعي وجود عقد شرعي سابق يختلف في دلالته القانونية عن دلالة العقد المسجل، فإن إثبات ذلك يتطلب النظر في ظروف إبرامه ومضمونه وما يمكن أن يترتب عليه قانوناً.
ولا يصح الانتقال من وجود مهر مؤجل بصيغة "عند المطالبة والميسرة "إلى افتراض عقد جعفري سابق، ثم الانتقال من هذا الافتراض إلى اعتبار التسجيل القضائي إجراءً شكلياً، من دون أدلة مستقلة تُسند كل خطوة من خطوات الاستنتاج. وتكمن خطورة هذا التبرير في احتمال تحويل قرينة اجتماعية غير حاسمة إلى أساس لإعادة تحديد النظام القانوني الذي يحكم علاقة زوجية قائمة أو منتهية بالطلاق.
ثالثا: من الإرادة المفترضة إلى الإرادة المنفردة
حتى لو أمكن إثبات أن الزوجين كانا ينتميان إلى المذهب الجعفري عند إبرام الزواج، فإن هذا الانتماء المذهبي لا يثبت بالضرورة موافقتهما على إخضاع علاقتهما لجميع أحكام مدونة تصدر لاحقاً، ولا على تغيير النظام القانوني الحاكم لعقدهما بناءً على طلب أحدهما وحده.
فالإرادة الدينية ليست هي الإرادة التعاقدية، واختيار المذهب ليس بالضرورة اختياراً لكل حكم فقهي منسوب إليه، كما أن الرضا بإجراء عقد الزواج لا يعني تلقائياً الرضا بكل تغيير تشريعي لاحق في آثاره.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل تكفي إرادة أحد الزوجين لتغيير الإطار القانوني الذي يحكم علاقة تتضمن حقوقاً والتزامات متبادلة، أم ينبغي أن يخضع هذا الانتقال لضمانات تراعي مصالح الطرفين واستقرار مراكزهما القانونية؟
إن الاعتراف بحرية المواطنين في تنظيم أحوالهم الشخصية وفقاً لمعتقداتهم لا ينهي هذا النقاش، بل يجعل من الضروري تحديد كيفية ممارسة هذه الحرية عندما تترتب عليها آثار قانونية مباشرة تمس الطرف الآخر.
حماية الإرادة أم افتراضها؟
لا ينبغي أن يتحول النقاش بشأن إخضاع عقود الزواج القديمة للمدونة الجعفرية إلى خلاف حول شرعية مذهب أو أحقية المواطنين في ممارسة معتقداتهم. فالمسألة الأعمق تتعلق بكيفية الانتقال من نظام قانوني إلى آخر، وبالضوابط التي ينبغي أن تحكم هذا الانتقال عندما تكون العلاقة قائمة أو عندما تظل آثارها القانونية قائمة بعد انتهائها.
ولا يكفي الاستدلال بشيوع صيغة معينة للمهر المؤجل لإثبات اختيار نظام قانوني محدد، كما لا يكفي افتراض وجود عقد شرعي سابق لتجريد العقد المسجل في المحكمة من دلالته القانونية. والأهم أن إثبات الانتماء المذهبي لا يعادل إثبات الموافقة المشتركة على جميع الآثار القانونية المترتبة على تطبيق المدونة.
إن عدالة التشريع لا تُقاس فقط بقدرته على إتاحة الاختيار، بل أيضاً بقدرته على حماية الحقوق الناشئة عن العلاقات القانونية القائمة أو المنتهية. ولذلك، فإن السؤال الذي يستحق النقاش ليس ما إذا كان أحد الزوجين يستطيع التعبير عن اختياره المذهبي، بل ما إذا كان هذا الاختيار الفردي يبرر وحده تغيير النظام القانوني الذي يحكم الطرفين.
فحين تُفترض الإرادة بدلاً من إثباتها، وتُستنتج الموافقة القانونية من ممارسة اجتماعية، يصبح من الضروري مساءلة الأساس الذي تُبنى عليه النتائج التشريعية. فالقانون لا ينبغي أن ينتقل مباشرة من واقعة اجتماعية محتملة إلى نتيجة قانونية ملزمة، من دون التحقق من مدى دلالة تلك الواقعة، ومن توافر الشروط القانونية اللازمة لترتيب آثارها.
**********************************
عين المرأة.. تغييب.. {المصلحة الفضلى}
انتصار الميالي
أحدث إقرار مدونة الأحوال الشخصية وفق الفقه الجعفري، كملحق لتعديل قانون الأحوال الشخصية العراقي (رقم 188 لسنة 1959) منعطفاً تشريعياً حاداً. فبعد عام من التطبيق الفعلي في المحاكم، تحول هذا القانون من مجرد تنظيم فقهي إلى أداة لتفكيك منظومة حماية الطفولة، وسط صراع ثلاثي الأبعاد (قانوني، وسياسي، وإنساني).
فمن الناحية القانونية، قوضت المدونة فلسفة "المصلحة الفضلى للطفل" التي كفلتها المواثيق الدولية وقانون 188، وذلك من خلال تعديل معايير الحضانة، حيث خُفّض سن حضانة الأم من 10 سنوات (مع مرونة التمديد قضائياً إلى 15 عاماً) إلى 7 سنوات فقط للذكر والأنثى على حد سواء، لتنتقل تلقائياً وبقوة القانون إلى الأب بموجب المادة (81) من المدونة. كما جرّدت المادة (88) الأم المطلقة من حضانة طفلها فور زواجها من رجل آخر دون أي مراعاة لحاجة الطفل. وسلب هذا النص الجامد القضاة سلطتهم التقديرية في دراسة البيئة الأصلح للمحضون، محوّلاً القضاء العراقي إلى أداة تنفيذية لمعايير عمرية فقهية بدلاً من معايير الرعاية الإنسانية، مما زاد من خطورة هذا التراجع التشريعي.
أما سياسياً، فيعكس القانون توظيف ملف الأسرة لترسيخ النفوذ الحزبي والمذهبي؛ إذ مأسس الانقسام الطائفي بتعديل وضع المواطنين إلى رعايا طوائف بدلاً من مظلة قانونية وطنية موحدة، مما وضع الطفولة العراقية تحت مقصلة الطائفية.
وعلى الصعيد الإنساني والنفسي، وثقت منظمات المجتمع المدني قفزة حادة في دعاوى (طلب ضم المحضون) من قِبل الآباء. وترتب على هذا الانتزاع القسري صدمات نفسية عميقة للأطفال، في ظل غياب الرقابة الدورية للباحثين الاجتماعيين على بيئة الأب الجديدة. علاوة على ذلك، تشير تقارير المرصد العراقي لحقوق الإنسان إلى ارتفاعٍ مخيف بنسبة 150 في المائة في حوادث العنف الأسري المسجلة، إذ أصبحت الحضانة ورقة ضغط مثالية لابتزاز الأمهات واضطرارهن للتنازل عن حقوقهن المالية والسكوت عن التعنيف خشية حرمانهن من أطفالهن. ويتجلى هذا التفكك الأسري بوضوح في المؤشرات الدورية لمجلس القضاء الأعلى العراقي، والتي تكشف عن تسجيل أكثر من 6,700 حالة طلاق شهرياً (بمعدل مرعب يصل إلى 9 حالات طلاق في الساعة الواحدة)، مما يعني أن آلاف الأطفال يقعون شهرياً ضحايا مباشرين للمنظومة التشريعية الجديدة.
أسهم هذا التراجع الحاد في الحقوق مباشرةً في تدهور ترتيب العراق في مؤشر المرأة والسلام والأمن (GIWPS)، الصادر عن معهد جورجتاون، إذ حلّ في المرتبة 158 من أصل 181 دولة، ليصنَّف ضمن الدول الـ24 الأسوأ عالميًا من حيث أوضاع النساء والبيئة المحيطة بهن.
إن مراجعة ما جرى خلال عام من نفاذ المدونة الجعفرية تثبت الغياب التام لـ (المصلحة الفضلى للطفل)، فالطفل العراقي لم يعد مركزاً للرعاية، بل جُرّد من طفولته ومن حقه في الأمان والاستقرار ليعامل كاستحقاق مادي ذكوري. إن إنقاذ الجيل القادم يتطلب مراجعة تشريعية فورية وشجاعة تنأى بملف الطفولة عن بازار التوازنات السياسية والطائفية، لتعيد للأمهات حقهن الفطري في احتضان أطفالهن.
*********************************
الصفحة العاشرة
العبودية في العالم الإسلامي: 14 قرناً من القهر
سعيد محمد
أربعة عشر قرناً من العبودية يفتحها جاستن ماروتسي على تاريخ كثيراً ما جرى تهميشه. في «أسرى ورفقة»، يتتبع تجارة البشر في العالم الإسلامي، من أفريقيا إلى القصور والجيوش والأسواق، كاشفاً تداخل الاقتصاد والسلطة والفقه والعنصرية في ترسيخ مؤسسة قاومت التحولات، قبل أن تعود بعض مبرراتها في زمننا المعاصر
شكّل امتلاك البشر أحد الموارد الأساس التي بنت عليها إمبراطوريات العالم الإسلامي قوتها وثروتها، فاجتمعت في أجساد المستعبَدين قيمة السلعة وطاقة العامل ومادة المتعة ووظيفة الجندي، وتداخلت الهيمنة على أدوات الإنتاج مع السيطرة على بيولوجيا الحياة البشرية.
يستعيد جاستن ماروتسي هذا التاريخ المُتجاهل في «أسرى ورفقة: تاريخ العبودية وتجارة الرقيق في العالم الإسلامي - 2025» (CAPTIVES AND COMPANIONS: A History of Slavery and the Slave Trade in the Islamic World)، متتبّعاً مؤسسة ذات تاريخ معقد ومتشعّب، اتّسعت فضاءاتها إلى الحقول والمنازل والجيوش وقصور الحكم، وامتلكت بفضل مرونة التأويل الديني قدرة هائلة على التجدّد عبر أنظمة سياسية واقتصادية متعاقبة، وصولاً إلى ممارسات متوارثة يوثّقها في بعض أنحاء مالي وموريتانيا.
ملايين البشر على طرق الاسترقاق
يغطي الكتاب الطموح نحو أربعة عشر قرناً، من بدايات تأسيس الإسلام إلى القرن الحادي والعشرين، ضمن نطاق عريض يشمل المشرق العربي وشمال أفريقيا والمجال العثماني ويمتدّ إلى أفريقيا جنوب الصحراء. لقد جاءت أعداد المستعبَدين الأكبر في العالم الإسلامي من القارة الأفريقية، إلى جانب أسرى من أوروبا الشرقية والجنوبية والبلقان والقوقاز، تم نقلهم عبر مسالك تعبر الصحراء والبحر المتوسط والمحيط الهندي، ما وفر لماروتسي مادة سردية ضخمة، لكنها وضعته تحت عبء تفسير العلاقة بين أنظمة استعباد فصلت بينها قرون واختلفت وظائفها الاجتماعية وطرائق اندماجها في الاقتصاد والحكم. كما يستعرض تقديرات تتراوح بين اثني عشر وخمسة عشر مليوناً من البشر وقعوا ضحايا لهذه المؤسسة. ويورد دراسة ترفع العدد إلى سبعة عشر مليوناً، مع التأكيد دائماً أن التقديرات تتأثّر بمحدودية مصادر البحث وندرة السجلات ونسق التصنيف.
يفوق هذا الامتداد الزمني لهذا النظام القرون التي استغرقتها تجارة العبيد الغربية عبر الأطلسي، فيما تستدعي المقارنة بينهما مراعاة اختلاف كثافة الاتجار ومناطقه وآليات توثيقه، وحجم الضحايا الذين سقطوا خلال الغارات والترحيل حتى قبل استرقاقهم. فقد كان وصول الأسير أو الأسيرة إلى السوق آخر مراحل عملية بدأت غالباً بالقسر العنفي، ومرّت ضمن أشكال أخرى من العنف بتجّار ووسطاء وحراس وجامعي ضرائب للسلطات. ويدلّ تضخم الأعداد على اتّساع الطلب الذي غذّى هذه التجارة، ويترك لنا مهمة تصوّر ما أحدثه الاقتلاع المستمر للسكان المحليين من عذابات فردية لملايين الأشخاص ومن تدمير للأسر والمجتمعات وتجفيف لموارد العيش.
تراكبت البنية الاقتصادية لهذه المؤسسة على نظام تقاطع مصالح استفادت من استمراره: ملاك الأراضي الباحثون عن أيدٍ عاملة للزراعة، والحكّام المحتاجون إلى جنود، والأثرياء الباحثون عن المتع الجنسية المتفلتة، كما التجّار والوسطاء المستفيدون من فروق الأسعار، والتي في مجموعها جعلت من امتلاك البشر نشاطاً مجزياً يستحق القوننة، والتغطية الفقهية، والتوريث عبر الأجيال.
ربما يقدّم القرن التاسع عشر أوضح أمثلة الكتاب على تكيّف العبودية في العالم الإسلامي مع الاقتصاد العالمي، إذ شجّع الطلب على القرنفل من زنجبار والقطن من مصر والتمور من عُمان على توسيع استخدام العمال المستعبَدين. واتّصلت مصالح كبار الملاك وشبكات التجارة المحلية بأسواق خارجية، فأصبح المستهلك، مهما ابتعد، طرفاً في سلسلة قهر تبدأ بغارات الاسترقاق التي كثيراً ما تلفعت باسم الجهاد، وتنتهي بالجسد المقهور. وفي منطقة الخليج، جمعت صناعة اللؤلؤ بين الاستعباد والتبعية الناجمة عن الدّيون، حيث ورطت السلف المالية كثيراً من الغواصين بمموّلي الرحلات، ودفعتهم إلى عمل بالغ القسوة، تتوزّع مخاطره وأرباحه وفق ميزان يميل دائماً إلى مصلحة أصحاب المال.
من العبودية إلى أبواب السلطة
داخل هذا العالم، اتّخذت العبودية أشكالاً اجتماعية متباينة، وفتحت بعض مساراتها إمكانات استثنائية للصعود. يستعيد ماروتسي سير بلال بن رباح وزيد بن حارثة وسلمان الفارسي، بوصفها تجارب متداولة في التراث الإسلامي عن شخصيات انتقلت من الاسترقاق إلى العتق والمكانة الدينية أو العسكرية داخل الجماعة الإسلامية الأولى. وتكشف هذه السير أهمية التمييز عند محاولة تفكيك هذه الظاهرة بين نماذج المستعبَد الذي تأبد استعباده، ومستعبدين تغيّر وضعهم (القانوني) لاحقاً بالنسبة إلى السلطات، ومستعبد ظلّ مملوكاً لكنه حاز (أو حازت) حظوة خاصة لدى سيده، مع تعدد قنوات الصعود الاجتماعي عبر المراحل من خلال (مكرمات) النخب، والمواهب الفردية، وطبيعة الوظيفة الموكلة للمستعبد، كما السياق السياسي الاقتصادي المحدد الذي أتاح أحياناً مساحة لتحول صيغ الاعتراف بإنسانية المستعبدين.
في البلاط العباسي الباذج والمتهتك، احتلّت فئة القيان منزلة خاصة، إذ اجتمعت في بعضهن براعة الغناء والشعر والمعرفة وآداب المجالسة، فكانت الموهبة والحسن مصدراً للنفوذ والثروة. وتنقل أخبار «عِنان» و«عُريب» حكايا حافلة بالمنافسة والذكاء والمناورة تكشف ارتباط الاستعباد بنموذج استهلاك النخبة وثقافتها. في المقابل، اشتغل الخصيان بحراسة الحريم والأماكن المقدسة وخدمة القصور، ووصل بعضهم إلى مواقع مؤثّرة في الإدارة والسياسة، بعدما سبق ذلك اقتلاعهم من أسرهم وإخضاعهم للإخصاء بما حمله من مخاطر جسدية وسايكولوجية، وما تركه من تشوهات دائمة على مشاعرهم ونسق حياتهم وطبيعة علاقاتهم بالآخرين.
تظهر مفارقة صعود المستعبَد في العالم الإسلامي بأوضح صورها في المؤسسة العسكرية، خصوصاً مع توسّع اعتماد الخليفة المعتصم على الغلمان الأتراك، وتدريبهم ضمن تشكيلات مقاتلة ارتبطت شخصياً بالخليفة ودائرته. لقد أتاح ذلك بناء قوة تجاوزت الولاءات المحلية والعصبيات القبلية القديمة، ومنح القادة العسكريين قدرة أكبر على التحكّم في جنودهم، لكن خلال اضطرابات سامراء، أصبح عزل الخلفاء وقتلهم تعبيراً عن انتقال مركز القوة إلى العسكر، فتبدّلت العلاقة بين المالك والمملوك تحت تأثير احتكار العنف والسلاح والتوفر على التنظيم المحكم، ليمتلك المستعبدون القدرة على التدخّل في انتقال الحكم وإعادة توزيع موارده.
من بوابة جدل هذا الصعود، ولدت تجارب متمايزة، من بينها الدولة الطولونية التي أسّسها أحمد بن طولون، ابن مملوك تركي، وسلطنة المماليك التي حكمت مصر والشام وأسهمت في صدّ غزوات المغول ومواجهة القوى الصليبية. أما الانكشارية التي تطوّرت داخل الدولة العثمانية بوصفها مؤسسة عسكرية ضاربة، فقد ارتبط تجنيدها في مراحل مهمة من تاريخها بنظام الدوشيرمة الذي انتزع صبياناً مسيحيين من مجتمعاتهم وأعاد تنشئتهم لخدمة السلطان. وتسجّل هذه التجارب قابلية الأصل المستعبَد للتحوّل إلى امتياز في سياق تاريخي محدد، لكن دائماً توازياً مع استمرار مؤسسات الاسترقاق التي أمدّت النخب الجديدة بأفرادها ووسائل تجديد سلطتها.
الفقه ومفارقة العتق والاستعباد
يخصّص ماروتسي مساحة وافرة للإطار الديني والفقهي الذي نظّم الرق، مشيراً إلى أنّ القرآن تعامل مع مؤسسة كانت قائمة تاريخياً قبله، وأقرّ أحكاماً تتعلّق بأوضاع المستعبَدين، وشجّع العتق ضمن أعمال البر والكفّارات. غير أنّ أسبقية العبودية على الإسلام تفسّر السياق الذي نشأت فيه هذه الأحكام، ولا تستنفد السؤال النقدي عن دورها في استمرار المؤسسة. فالتشجيع على تحرير المستعبَد ظلّ قائماً إلى جانب الاعتراف بمشروعية امتلاكه، ولم يتحوّل إلى تحريم عام لاستعباد البشر. لقد اكتسب العتق قيمة أخلاقية ودينية، بينما احتفظ الرق بموقعه داخل نظام العلاقات الاجتماعية.
ومنح التفصيل الفقهي هذا النظام بنية قابلة للاستمرار، حين نظّم أحكام الملكية والزواج والمكاتبة وسبل التحرير. فعلى الرغم من أن تلك الأحكام أتاحت مسالك للخروج من الرق، وفرضت قيوداً نظريّة على تصرّفات المالك، لكنها جعلت امتلاك الإنسان أيضاً علاقة معترفاً بها، تُضبط حقوق أطرافها ضمن تفاوت أصلي وجذري في قدرتهم على تقرير مصائرهم.
يتضح تهافت منطق الحماية في التمييز بين المسلم الحر والشخص المستعبَد الذي اعتنق الإسلام. فقد حظر الفقه استرقاق الأول، بينما لم يجعل إسلام الثاني سبباً تلقائياً لانتهاء رقّه. ويكشف ذلك أنّ الانتماء الديني المشترك لم يكن كافياً لإزالة التفاوت القانوني بين المالك والمملوك، إذ أمكن الاعتراف بالمستعبَد عضواً في الجماعة الدينية مع استمرار خضوعه لملكية فرد آخر.
ومع الفتوحات، اتّسع مورد أسرى الحرب، واتّصلت مشروعية الاسترقاق بمصالح التوسّع السياسي وازدياد الطلب على الخدمة والعمل والمتع والجنود. وفي هذا السياق، يتيح الجمع بين القراءة الفقهية والتحليل المادي إدراكاً أعمق لأسباب استمرار المؤسسة: فقد وفّر امتلاك البشر منافع للحكّام والتجّار والملاك، ومنحته أحكام الشرع إطاراً للاعتراف والتنظيم. ولا يقتضي ذلك اختزال دور الفقه في تبرير مصالح الأقوياء، لكنه يستدعي مساءلة العلاقة بين الاجتهاد والبنية الاجتماعية التي احتضنته، والنظر في القوى التي امتلكت سلطة تفسير الأحكام وتطبيقها، وفي المساحة التي أُتيحت للمستعبَدين للمطالبة بالتحرّر داخل ذلك الإطار.
أما الغارات التي شنّتها جماعات مسلمة على مجتمعات أفريقية مسلمة واستعبدت سكانها، فتكشف عن مستوى آخر يتعلق بانتهاك الحماية التي قرّرها الفقه نفسه. وتستدعي هذه الوقائع مساءلة المصالح وموازين القوى التي سمحت بتوسع تلك الغارات واستمرارها حين عجز الانتماء لذات الدين عن حماية ملايين السود من الاسترقاق، وسقطت فاعلية القواعد الفقهية أمام الجشع.
حين اكتسب الاسترقاق لوناً
يتّخذ هذا التفاوت بعداً عنصرياً في الكتابات التي ربطت سواد البشرة بالدونية، ومنحت إخضاع الأفارقة مبررات ثقافية وأخلاقية. يستعرض المؤلف أمثلة من الأدب والفكر العربيين والفارسيين، بينها نصوص للفردوسي وابن خلدون، ويلحظ حضور أسطورة «لعنة حام» ذات الجذور العبرانية في تقاليد إسلامية لتفسير الاستعباد بوصفه قدراً موروثاً. وتستحق الاستثناءات بين هذه المواقف التنويه، فقد رفض ابن خلدون التفسير القائم على اللعنة العبرانية رغم أحكامه التحقيرية عن الأفارقة، كما عارض أحمد بابا التنبكتي ربط اللون بالرق ودافع عن حماية المسلمين الأفارقة من الاستعباد.
يساعد استعراض ماروتسي على رصد العنصرية بوصفها إحدى وسائل تثبيت التراتب الاجتماعي في بعض المجتمعات المسلمة، حيث تتحوّل علاقة أنتجتها الغلبة والمصلحة إلى صفات تُنسب إلى جماعة بأكملها. وفي جنوب العراق، اتّصل هذا الاحتقار بعمل قاسٍ فرض على المستعبَدين إزالة الطبقات الملحية لاستصلاح أراضي الأثرياء، فتهيّأت ظروف انفجار ثورة الزنج سنة 869 بقيادة علي بن محمد التي استفادت من اضطراب الدولة العباسية، وامتدّت حتى سنة 883، وأقامت سلطة ومركزاً محصّناً وهدّدت المصالح التجارية والسياسية، قبل أن تسحقها القوات العباسية بعد حصار وحرب طويلة.
يقرأ ماروتسي تلك الثورة عبر مصادر إسلامية أبرزها الطبري، ويكشف فيها عن عداء مرضي ملفت للثائرين، كما يعرض المجازر والاسترقاق اللذين مارسهما المتمرّدون أنفسهم. تمنح هذه التفاصيل الانتفاضة الزنجيّة تعقيدها، بوصفها صراعاً على التحرّر والموارد والسلطة، تشكّلت تطلّعاته داخل مفاهيم عصره لكن حكايته كتبها المنتصر.
إلغاء الرق... من حرّر المستعبَدين؟
في الفصول التي تتعلق بإلغاء الرق، يجمع الكتاب بين دور الضغط البريطاني ومبادرات الإصلاح العثماني وتبدّل المواقف المحلية، ويفتح بذلك مسألة العلاقة بين التوجه لتحرير العبيد والتوسّع الإمبراطوري. يستفيد ماروتسي من برنارد لويس لكنه يخالف تصوّره الذي يجعل إلغاء الرق مبادرة غربية خالصة، مسجّلاً تعدّد الأصوات داخل المجتمعات المسلمة، ناهيك بمشاركة البريطانيين الكثيفة في الاتجار بالبشر. وتكتسب هذه القراءة قوتها حين تربط الدوافع المصلحية للقوى الأوروبية مع مبادرات الإصلاحيين ونضالات أصحاب القضية أنفسهم عبر الهروب والتقاضي والمقاومة اليومية.
ينجح ماروتسي في إظهار التنوّع التاريخي للظاهرة، وتساعده خبرته الصحافية ومعرفته بالمنطقة على كتابة تاريخ يتنقل بسهولة بين الوثيقة والشهادة والوصف. وتستمد أفضل صفحاته قوتها من التفاصيل التي تعيد إلى الاستعباد معناه العملي، من انتزاع الأطفال من حضن أمهاتهم، إلى الإخصاء، ومن فحص الجسد عارياً في السوق إلى إخضاع المسترق لإرادة المالك. كذلك يمتلك حسّاً بمشكلة المصادر، ويقرّ بأن أصوات المستعبَدين وبخاصة الفئات الأشدّ اشتغالاً بإنتاج الثروة والمتعة تركت النصيب الأقل من الشهادات مقارنة بالجارية الموهوبة والجندي اللامع والخصي المتنفّذ، وكلها وصلت غالباً عبر كتّاب ينتمون إلى عالم السادة، أو عبر مراقبين أجانب حملوا مصالحهم وافتراضاتهم المسبقة معهم إلى البلدان التي وصفوها.
تحمل كلمة «الرفقة» في العنوان إشكالاً يرافق القراءة، لأنها تستدعي مفهوم الألفة داخل علاقة تأسّست على تفاوت جذري في الحقوق، إذ قد يشترك السيد والمستعبَد في البيت والذكريات والعاطفة وربما الممارسة الجنسية (القهرية)، فيما تبقى سلطة الإخضاع والبيع والعقاب والفصل عن الأبناء موزّعة في اتجاه واحد. وتستحق هذه الحميمية اهتماماً نقدياً خاصاً، بوصفها إحدى الوسائل التي تجعل التبعية قابلة للاستمرار وتمنحها مظهر العلاقة العائلية، خصوصاً حين يتعلّق الحصول على الأمان والطعام والمأوى برضا المالك، ويغدو الخروج من هيمنته مغامرة تهدّد شروط البقاء التي احتكرها لنفسه بحكم الدين والسلطة والقانون.
العبودية لم تصبح ماضياً تماماً
تمنح استعادة الإسلاميين الجدد للاستعباد في العراق وسوريا وليبيا، خصوصاً بحق الإيزيديات، وممارسات جماعات مثل بوكو حرام في بعض نواحي أفريقيا، هذا التاريخ راهنية مفزعة. فقد عادت ملكية البشر ممارسةً مسلّحة تبحث عن شرعيتها في التراث الفقهي، لتطرح سؤالاً عن مدى اكتمال المواجهة النقدية مع الذات في العالم الإسلامي. إذ تكشف هذه العودة أنّ الإلغاء القانوني لم يغلق باب استدعاء مسوّغاته القديمة، وأنّ إدانة الجناة تستدعي أيضاً تفكيك الحجج التي استخدموها لإباحة جريمتهم. وتقتضي مواجهة هذا الإرث مساءلةً صريحة للأحكام والتأويلات التي شرعنت امتلاك الإنسان، وتثبيت الحرية حقاً أصيلاً لا يسقط باختلاف الدين أو بوقوع الحرب. فوأد الظاهرة يقتضي نزع كل مشروعية عن مبررات استعادتها، حتى لا تبقى حرية الإنسان رهينة تأويلات منحرفة تصادرها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"الأخبار" اللبنانية – 26 أيلول 2026
**********************************
بالتنسيق مع الجزائر ومصر
تونس ترشح مقدمة ابن خلدون لسجل ذاكرة العالم
شغلت أسباب تشكّل الدول والحضارات ابن خلدون، إذ درس في مقدمته الشهيرة تأثيرات الاجتماع والاقتصاد والعصبية في مسار نهوضها وسقوطها. بعد نحو ستّة قرون، وفي لحظة حرجة من تاريخ المنطقة، قدّمت تونس رسمياً ملف ترشيح المقدمة لإدراجها في "سجل ذاكرة العالم" التابع ليونسكو، ضمن دورة 2026–2027، بالتنسيق مع الجزائر ومصر وتركيا.
وأوضحت المندوبية الدائمة لتونس لدى المنظمة، في بيان نُشر الأحد الفائت، أنّ الملف يخضع لتقييم لجان الخبراء في هذه المرحلة، على أن تُعلن النتائج خلال اجتماع المجلس التنفيذي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة في ربيع 2027.
وتتعدّد صلات الدول المرشحِة للملف بسيرة عالم الاجتماع، ففي تونس وُلد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون سنة 1332، لأسرة انتقلت من الأندلس إلى شمال أفريقيا، حيث تلقّى تعليمه في القرآن واللغة والفقه والمنطق، وعمل كاتباً في الإدارة الحفصية، ثم عاد إلى تونس سنة 1378، بعد تنقّلاته المغاربية والأندلسية، لاستكمال كتاب "العبر".
وفي الجزائر تنقل بين تلمسان وبسكرة، كما تولّى الحجابة لدى أمير بجاية سنة 1365، إلى جانب عمله في التدريس. وفيما يرتبط بالمقدمة، فقد اعتزل ابن خلدون في قلعة بني سلامة بالجزائر، حيث أنجز المسوّدة الأولى منها عام 1377، خلال إقامته في الجزائر، قبل أن يواصل تنقيح النص والإضافة إليه في السنوات التالية.
ووصل ابن خلدون إلى الإسكندرية في مصر، أواخر عام 1382، ثم استقر في القاهرة، ودرّس في جامع الأزهر، كما تولّى قضاء المالكية بدءاً من سنة 1384، وواصل فيها كتابة مؤلّفه "العبر"، وتنقيح "المقدّمة". وقد توفي في القاهرة عام 1406، ودُفن هناك. فيما ترتبط تركيا بسيرة كتبه وترجماته، وكان بيريزاده محمد صاحب أفندي، قد ترجم أبوابها الخمسة الأولى إلى التركية العثمانية سنة 1730–1731، وقدّمها إلى السلطان محمود الأول، فيما ترجم أحمد جودت باشا الباب السادس، المتعلق بالعلوم والتعليم، في القرن التاسع عشر.
وكتب ابن خلدون "المقدّمة" مدخلاً لمؤلفه "كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر"، وجرى تداولها ونسخها ونشرها مستقلة. وتضم المقدمة ستة أبواب تتناول العمران، والاجتماع البدوي، والدولة والملك، والمدن، والمعاش والصنائع، والعلوم والتعليم، وفيها الأسس التي وضعها ابن خلدون لما سمّاه "علم العمران".
كما يبحث الكتاب في أسباب وقوع المؤرخين في الخطأ، وشروط التحقق من الأخبار ومقارنتها بأحوال المجتمعات التي تتناولها. وينتقد فيها ابن خلدون اعتماد الروايات على النقل من دون تدقيق، كما يتناول أرقام الجيوش والأموال الواردة في بعض الأخبار، ويختبر إمكانها في ضوء حجم السكان واتّساع البلاد والموارد اللازمة لإعالة الجيوش وتحريكها.
وتناقش فصول الكتاب تصنيف العلوم وطرائق التعليم، وتورد ملاحظات على الحفظ والتلقين وشدّة المعلّمين على المتعلّمين.
أما عن برنامج "ذاكرة العالم"، فقد أطلقته يونسكو عام 1992 لحماية التراث للأجيال المقبلة وتيسير الوصول إليه وزيادة الوعي بأهميته عالمياً، وسبق أن أُدرج مخطوط المجلد الخامس من "كتاب العبر" في السجل سنة 2011، بترشيح من المغرب.
ــــــــــــــــــــــــ
"العربي الجديد" – 23 أيلول 2026
*********************************
الصفحة الحادية عشر
الجديد في المكتبة
• عين الهراتي/ رواية خضير فليح الزيدي، اصدار: دار صفصافة/ القاهرة.
• عزف على اوتار القلب/ شعر احسان محمد علي. اصدار: دار الآداب- بغداد.
• مجلة الاديب العراقي/ اصدار الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق/ العدد (3) 2026. تميز هذا العدد بملف خاص بالادباء العراقيين المغتربين تحت عنوان (هوية على قيد الحنين/ حين تتلاقى الاصوات من كل الجهات) ساهم فيه: الشعر: عبد الهادي سعدون، علي عبد الامير عجام، وديع شامخ، عبد الرحمن الماجدي، ستار موزان، امل الجبوري، سهام جبار، باهرة عبد اللطيف، كولاله نوري. القصة: محمد حياوي، محسن الرملي، اسعد الهلالي، نعيم شريف، عدنان حسين احمد، جلال نعيم اليوسف.
• عهد في اصبع الزمن/ رواية مها العواد، اصدار: دار اهوار- بغداد.
• وعن دار الشؤون الثقافية صدر حديثاً:
- الممر العشبي/ قصص غالب المطلبي.
- خارج التغطية/ شعر عباس اليوسفي.
- هل انا نحن/ شعر فارس حرام.
- قال لي الخيام/ شعر رابح طريف.
*******************************
ياسين النصير.. حين يغادر المكان جغرافيته (2/2)
د. ياس خضير البياتي
المكان العراقي في تجربة النصير
تتضح أهمية هذه الرؤية أكثر عندما نضعها في السياق العراقي. العراق بلد شديد الارتباط بالمكان. بغداد ليست مدينة فحسب، وإنما طبقات من الذاكرة. شارع الرشيد ليس طريقاً للمرور، بل ذاكرة سياسية وثقافية واجتماعية. المقاهي ليست أماكن للجلوس، وإنما مؤسسات صغيرة صنعت جانباً من الحياة الفكرية والأدبية. البيوت القديمة ليست عمارة فقط، وإنما نظام حياة.
ولهذا لم يكن غريباً أن يحتل شارع الرشيد والمقهى والبيت والساحة والشباك والشارع موقعاً متقدماً في اشتغال النصير. إنه يحاول أن يستعيد الأشياء التي يخشى عليها من النسيان. وهنا تكمن قيمة أخرى في مشروعه: إنقاذ التفاصيل الصغيرة من موتها.
فالتاريخ الرسمي يكتب المدن من خلال الحروب والملوك والسياسيين والمؤسسات، أما النصير فيبحث عن المدينة في تفاصيلها اليومية. في مقهى صغير، في نافذة، في شارع، في حركة جسد، في اسم مكان، وفي علاقة الناس ببعضهم. إنه نوع من التاريخ الثقافي غير الرسمي.
من المكان إلى "ما بعد السرد"
النص الذي كُتب عن تجربة النصير يذهب إلى وصف بعض أعماله بأنها تنتمي إلى «سرديات ما بعد السرد». والمصطلح، رغم قابليته للنقاش، يلفت الانتباه إلى تحول مهم في النقد المعاصر: لم يعد الناقد مضطراً إلى الوقوف عند الحدود التقليدية بين الرواية والنقد والتاريخ والاجتماع.
النصير يتحرك بين هذه الحقول. فهو يبدأ من الرواية، لكنه قد يجد نفسه في الجغرافيا، ثم ينتقل إلى الاجتماع، ثم إلى الفلسفة، ثم يعود إلى النص. وهذا التداخل هو مصدر قوة في تجربته.
لكن ينبغي ألا نخلط بين اتساع المعرفة وغياب الحدود. فكلما اتسعت أدوات الناقد ازدادت حاجته إلى ضبط العلاقة بينها. وإلا تحول النقد إلى موسوعة من الإحالات، وصارت المفاهيم تتجاور من دون أن تتفاعل بالضرورة.
وهنا تظهر إحدى الملاحظات التي يمكن تسجيلها على كتابة النصير: كثافة المفاهيم والإحالات أحياناً تسبق النص الأدبي نفسه.
نقرأ إدوارد هال، وفوكو، ولوفِيفر، ومارك أوجيه، ثم ندخل إلى الرواية والعمارة والمدينة والجسد والاقتصاد. وهذا يمنح النص ثراءً معرفياً، لكنه قد يضع القارئ أحياناً أمام شبكة نظرية كثيفة يصعب معها الإمساك بالفكرة المركزية. وهذه مفارقة تستحق التوقف: النصير يريد أن يكشف التفاصيل الصغيرة، لكن كثافة الجهاز النظري قد تجعل بعض هذه التفاصيل تختفي تحت ثقل المفاهيم.
بين قوة النظرية وحرية النص
لا شك أن ياسين النصير ناقد قارئ، واسع الاطلاع، شديد الحساسية تجاه التحولات التي أصابت الأدب والحياة. لكن السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضراً هو: هل النظرية تأتي إلى النص لتكتشفه أم تأتي لتعيد تشكيله؟
حين نقرأ المكان من خلال فوكو، فإننا نراه من زاوية السلطة. وحين نقرأه من خلال أوجيه، نراه من خلال مفهوم «اللا مكان». وحين نقرأه من خلال إدوارد هال، نراه من خلال المسافة والحساسية الثقافية. كل هذه القراءات مشروعة، لكن النص الأدبي قد يظل أوسع من النظرية التي نقرأه بها.
وهنا أرى أن قوة الناقد الحقيقي تظهر عندما يستطيع أن يترك للنص فرصة لمقاومة النظرية. فالنص ليس دائماً شاهداً مطيعاً على صحة المفهوم. أحياناً يقول النص شيئاً لا تقوله النظرية. وأحياناً يفرض النص على الناقد أن يغير أدواته. وهذه النقطة يمكن أن تكون اختباراً مهماً للمرحلة المقبلة من مشروع النصير.
النقد الذي يقرأ الهامش
من أكثر ما يميز النصير أنه يلتقط الأشياء التي تمر من أمامنا من دون أن نتوقف عندها. النافذة، الباب، الشارع، المقهى، الكوخ، الكهف، الطريق، المسافة، الساحة، البيت. هذه العناصر الصغيرة قد تبدو هامشية في الرواية، لكنها في الحقيقة قد تكون التي تمنح النص روحه.
وهنا أتفق مع الرؤية التي ترى أن النصير يؤسس، بصورة أو بأخرى، لنوع من النقد المكاني العراقي. ليس لأنه أول من كتب عن المكان، فهذا ادعاء لا يستقيم، وإنما لأنه جعل المكان محوراً مستمراً لمشروعه، وأخضعه لأسئلة التاريخ والاجتماع والجمال والفلسفة واللغة.
لقد صار المكان عنده أشبه بمختبر. يدخل إليه النص، فتخرج منه أسئلة عن الإنسان. ولعل تسمية «حائك الكلام» التي ارتبطت بأحد كتبه تلخص جانباً مهماً من تجربته. الحياكة تعني جمع خيوط متفرقة في نسيج واحد.
وهذا بالضبط ما يفعله النصير: يجمع المكان بالزمن، والجسد بالحيز، واللغة بالعمارة، والذاكرة بالشارع، والسلطة بالبيت، والاقتصاد بالسوق، ثم يحاول أن يصنع من هذه الخيوط نسيجاً نقدياً. لكن الحياكة النقدية ليست سهلة. فإذا زادت الخيوط اختلطت الألوان. وإذا قلت ضاقت اللوحة. وهنا أيضاً تكمن مهمة النصير القادمة: أن يحافظ على هذا الاتساع المعرفي، من دون أن يسمح له بأن يتحول إلى فائض نظري.
ياسين النصير والنقد العراقي
لا يمكن قراءة تجربة النصير بمعزل عن تاريخ النقد العراقي. فهذا النقد أنجب أسماء كبيرة، من علي جواد الطاهر وعبد الإله أحمد وطراد الكبيسي وحاتم الصكر وشجاع العاني وفاضل ثامر ومحسن جاسم الموسوي وضياء خضير وغيرهم، وكانت لكل مرحلة أسئلتها ومناهجها ومرجعياتها. لكن النقد العراقي، مثل الثقافة العراقية كلها، تعرض إلى الانقطاعات والهجرة والغياب وتراجع المؤسسات الثقافية.
في هذا المشهد يواصل ياسين النصير اشتغاله، لا بوصفه امتداداً مدرسياً لنقد سابق، وإنما بوصفه ناقداً يحاول أن يجد لنفسه منطقة خاصة. وهذه المنطقة هي المكان. وقد تكون قيمة تجربته هنا أنه لم يكتف بتطبيق منهج جاهز على النص العراقي، بل حاول أن يجعل من التفاصيل العراقية نفسها مادة لبناء رؤيته.
هل أصبح المكان نصاً؟
السؤال يعود من جديد. هل أصبح المكان عند ياسين النصير نصاً؟ أعتقد أن الإجابة نعم، ولكن بشروط. المكان يصبح نصاً عندما تكون له لغة، وذاكرة، وعلاقات، ودلالات، وعندما نستطيع أن نقرأه كما نقرأ الجملة. شارع الرشيد نص. المقهى نص. البيت نص. السوق نص. الساحة نص. حتى المسافة بين شخصين يمكن أن تكون نصاً.
لكن الخطر يبدأ عندما ننسى أن هذه «النصوص» ليست بديلة عن النص الأدبي، وإنما مفاتيح لفهمه.
وهنا ينبغي أن يبقى النقد النقدي حاضراً: المكان ليس غاية في ذاته، بل وسيلة للكشف.
حين يغادر المكان جغرافيته
أهمية ياسين النصير لا تكمن في أنه كتب كثيراً عن المكان، وإنما في أنه حاول أن يغير موقع المكان داخل وعينا النقدي. أخرجه من الجغرافيا وأدخله إلى الاجتماع. أخرجه من الوصف وأدخله إلى الذاكرة. أخرجه من الخلفية وأدخله إلى بنية الحدث. أخرجه من الصمت وأعطاه لغة.
ولهذا فإن المكان في تجربته ليس حجارة وتراباً وحدوداً ومسافات، بل هو الإنسان وهو يختار ويُسمي ويسكن ويتحرك ويخاف ويأمن ويحب ويتذكر. وربما كانت أجمل خلاصة لمشروعه أن المكان لا يصبح اجتماعياً إلا عندما يمر بالإنسان.
فالطبيعة تمنحنا الأرض، لكن الإنسان يمنحها الاسم. والأرض تمنحنا المساحة، لكن المجتمع يمنحها الوظيفة. والبيت يمنحنا السقف، لكن الذاكرة تمنحه معنى. والشارع يمنحنا طريقاً، لكن الناس يمنحونه تاريخاً. وهنا يغادر المكان جغرافيته. لكن يبقى أمام مشروع ياسين النصير سؤال لا أراه اعتراضاً عليه بقدر ما أراه دعوة إلى مزيد من المغامرة النقدية:
هل يستطيع المكان أن يظل مفتاحاً للنص من دون أن يتحول إلى قفل جديد عليه؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستكون، ربما، واحدة من أهم مراحل تجربته المقبلة. فالنقد الحي لا يكتفي بأن يشرح ما نعرفه، وإنما يفتح أمامنا ما لم نعرفه بعد. وهذه، في النهاية، هي قيمة ياسين النصير: أنه يجعلنا نمر بالأشياء التي اعتدنا المرور بها، ثم يوقفنا أمامها فجأة، ويقول لنا: انظروا... المكان الذي ظننتموه صامتاً كان يتكلم طوال الوقت.
********************************
من المنفى إلى الخشبة
المخرجات الفكرية والجمالية في {المسرح الملحميُّ ومتطلبات العرض البريشتي}
د. علاء كريم
المسرح الملحميُّ نظرية نقدية أسسها "برتولد بريشت" للقطيعة مع المسرح الأرسطي القائم على التماهي والتطهير، وقد سعى "بريشت" إلى كسر الإيهام ودفعِ المتلقي من الانفعال إلى التفكير والحكم النقديَّ على الواقع. وتمثلت متطلباتهُ في الممثلِ الراوي وكسرِ الجدارِ الرابعِ عبر اللافتاتِ، ليتحول جسد الممثل فيه من أداة تجسيد إلى أداةِ تعليقٍ وتحريضٍ فكريًّ وجماليًّ.
تناول د. بهاء محمود علوان قراءة لـ (المسرح الملحميُّ ومتطلبات العرض البريشتيَّ)، ليكون نقطة تحول مفصلِيَّةً في تاريخ النظريَّةِ المسرحيَّةِ الحدِيثةِ، إذ أَسس من خلالهِ لقطيعةٍ جذريَّةٍ مع المسرحِ الأرسطيَّ القائِم على التطهيرِ والتماهي.
أكد المؤلف أن بريشت لم يسعَ إلى تجميلِ العرضِ، بلْ إلى تفكيكه، وذلك عبر طرحهِ لمبدأ (التغريب) الذي يهدف إلى كسرِ الإيهام ودفع المتلقي من حالةِ الانفعالِ إلى حالةِ التفكيرِ والحكمِ النقديّ على الواقعِ. وعليه، فإن مُتطلباتِ العرضِ البريشتيَّ تتمثلُ في جملةٍ من الآلياتِ التي تتقاطعُ مباشرةً مع موضوع لغةِ الجسدِ، ومن هذهِ الآلياتِ: الممثل الراوي لا المُتماهي، فعند بريشت لا يصبحُ الممثل الشخصيَّة، بلْ يعرضها ويعلقُ عليها، وهنا تتحولُ لغةُ الجسدِ من أداةِ تجسيدٍ إلى أداةِ تعليقٍ وتفكيكٍ. ومنها الإيماءةُ الاجتماعيَّةُ والتي هي في الأساسِ جوهرُ لغةِ الجسدِ البريشتيَّة، حيث لا تكون الحركة تعبيرًا فرديًا، بل تكثيفًا لعلاقةٍ اجتماعيَّةٍ وطبقيَّةٍ، كما في حركةِ اليد التي تصبحُ دالًا على السلطةِ أو القمعِ.
وعليه فأن قراءةَ كتاب (المسرح الملحميَّ) لا تهدف إلى استعراضٍ تاريخيَّ لنظريَّةِ بريشت، بلْ إلى الكشف عن كيفيَّةِ تحول جسد الممثلِ في المسرحِ الملحميَّ من وسيلةِ إيهامٍ إلى وسيلةِ تحريضٍ جماليَّ وفكريَّ، وهو ما يُمهد لفهم تجلياتهِ في المسرحِ العراقيّ المعاصرِ.
تناول المؤلف في كتابهِ جملةً من المحاورِ الفكريَّة التي أسهمت في بلورة نظريَّة بريشت، وقد تمثلت في: اولا - ( دور المنفى في بلورة أفكار بريشت): إذ أكد الكاتب أن منفى بريشت (1933 – 1948) هروبًا من النازيَّة كان مختبرهُ الحقيقيَّ، حيث انتقل من مسرحٍ سياسيًّ مباشرٍ إلى مسرحٍ فكريًّ أكثر نضجًا. ففي المنفى تبلورت لديه فكرة التغريب بشكلٍ كاملٍ، إذ أدرك أن المسرح لا يمكنُ أن يغير الواقع من داخلِ ألمانيا النازيَّة، بل من خارجهِ عبر تفكيكِ آليَّاتِ القمع، وتحولت كتاباتهُ إلى نقدٍ للرأسماليَّةِ والحربِ، وهذا ما انعكس على لغةِ الجسدِ عنده حيث أصبح الجسد شاهداً على الاغترابِ وليس أداةً للاندماجِ.
ثانيا - (علاقة بريشت بجمهورهِ في المانيا): اكد الباحث على علاقةَ بريشت بجمهورهِ كانت علاقةً صداميَّةً وتوعويَّةً، فهو لم يكن يريدُ جمهورًا يبكي ويصفق، بلْ جمهورًا يفكر ويحاكم. لذا كسر عقدة التماهي معهُ، وكان يواجهه مباشرة باللافتاتِ والأغنياتِ والتعليقِ، ليحولهُ من متلقًّ سلبيًّ إلى قاضٍ يناقشُ ما يراهُ على الخشبةِ. فالمتلقي عند بريشت شريكٌ في إنتاجِ الدلالةِ وليس مستهلكاً لها. ثالثا - (مسرح الشارع والتماهي مع المسرح الملحميَّ ونقاط الالتقاء): يرى المؤلف أن مسرحَ الشارعِ يلتقي مع المسرحِ الملحميَّ في نقطتينِ أساسيَّتين:
1 - كسرُ الإيهام: فكلاهما يخرج المسرحَ من العلبةِ الإيطاليَّةِ إلى فضاءِ الناسِ الحقيقيَّ.
2 - المباشرةُ والتحريضُ: فكلاهما يستخدمُ الجسد واللافتة والصوت العالي كأداةِ خطابٍ سياسيًّ مباشرٍ، فالممثل في الشارعِ وفي الملحميَّ هو ممثلٌ - خطيبٌ، جسدهُ أداةُ إعلانٍ وليس أداة تمثيلٍ.
رابعا - (نقاط التقارب والاختلاف بين مسرحِ العبثِ والمسرح الملحميَّ): يعتقدُ مؤلف الكتابِ، أن كلاهما ثار على المسرحِ الأرسطيَّ ورفض الحبكة المنطقيَّة والحوار الواقعيَّ، واعتمد على جسدِ الممثلِ كمركزٍ للعرضِ. أما نقطة الاختلافِ الجوهريَّة فهي: أن مسرحَ العبث يرى العالم بلا معنى، لذا الممثل فيه عبثيٌّ، متكررٌّ، عاجزٌ. أما المسرحُ الملحميُّ فيرى أن العالم له معنى ويمكن تغييره، لذا الممثل فيه ناقد، واعٍ، ويعمل على التغييرِ.
وفي ضوء قراءة كتاب (المسرح الملحميَّ ومتطلبات العرض البريشتيَّ) يمكنُ القول إن المؤلف قد وصل إلى جملةٍ من المخرجاتِ والنتائجِ المهمةِ التي يمكنُ التوقف عندها، والتي تشكلُ أساساً نظريًّا لفهم متطلبات العرض في المسرحِ المعاصرِ، وهي: (المخرج الفكريُّ) وذلك لأن المسرحَ لم يعد وسيلةً للتطهيرِ والمتعةِ، بل أصبح أداةً للوعي وتغيير الواقع. (المخرج الجماليُّ) باعتبار أن الإيماءة الاجتماعيَّة هي جوهر الأداء الملحميَّ، إذ لم تعد حركة الجسد تعبيرًا فرديًا عابرًا، بل أصبحت تكثيفًا لعلاقةٍ اجتماعيَّةٍ وطبقيةٍ وسياسيَّةٍ. و(المخرج الأدائيُّ) الذي يعتمدُ متطلباتِ العرض البريشتيَّ (التغريب، كسر الجدار الرابع، الممثل الراوي) وهو ما حرر الممثل من سطوةِ النصِ المنطوقِ، وجعلهُ خطابًا بصريًا مستقلًا قادرًا على إنتاجِ المعنى دون الحاجةِ إلى الحوارِ. و(المخرج التلقي) الذي يؤكدُ أن العلاقةَ بين الخشبةِ والجمهورِ لم تعد علاقة إيهامٍ وتماهٍ، بل علاقةً جدليَّة نقديَّة، يكونُ فيها المتلقي شريكًا في إنتاجِ الدلالةِ، ويكتفي بالرمز الأدائيَّ بدلاً من التصريحِ اللفظيَّ.
هذا الكتابِ يؤكد أن بريشت قد أسسَ لمسرحٍ مغايرٍ، وجد صداهُ لاحقًا في أغلبِ مسارحِ العالم ومنها المسرحُ العراقيُّ المعاصرُ، حيث استثمر المخرجون جسد الممثل وحركتهُ كبديلٍ جماليًّ وفكريًّ قادرٍ على تجاوزِ قصورِ اللغةِ المنطوقةِ ومعالجة قضايا الواقع المحليَّ.
*********************************
قبلاتٌ غيرُ قابلةٍ للترجيع
علاء حمد
من أجلِ قبلةٍ للوطنِ
غيّرتُ هتافي
..
وضعتُ قبلةً على خدِّ طفلةٍ
للتوِّ خرجتْ من بين الركام.
..
أوصيتُ صديقي أن يضعَ قبلةً
على ماعونِ الشايِ الذي كنتُ أرتديه
في مقهى البتاويين...
..
يا صديقتي
هل وضعتِ قبلتي
على طاولتنا في مقهى الروضة؟
..
قبّلتُ غيمةً
كانت هاربةً من رجلِ الأمنِ
فاستقرّتْ على الحدودِ...
..
قبلةٌ للجريدةِ الناطقة
كلّما خبّأتُها بين الدفاترِ والكتبِ
ظهرَ الخطُّ الأحمرُ
كي تقولَ للآخرين:
إنّني ها هنا...
..
قبلةٌ لرغيفِ الخبزِ
عندما يتطايرُ بأحضانِ المعتقدين..
المعتقدين الغزاة
الموالينَ
لجدرانِ الأوجاعِ
الأمريكيّةِ، والبريطانيّةِ،
والنفطيّةِ، ومزارعِ الرصاصاتِ المجنزرة...
..
قبلةٌ لحلبجةَ التي حضنتْ قميصي
وزرعتْ في دمي
ابتسامةً مطعّمةً بالسنابلِ
وهديلِ الحمامِ...
..
قبلةٌ للثلجِ الحارّ
عندما يداهمُنا في الليالي المستترة
قبلةٌ
للجبالِ التي وزّعتني بين الحدودِ والحدودْ..
وأخرى
لجارتي التي ودّعتني بأصابعِها المرتجفةْ..
..
قبلةٌ لبيتِ الحزنِ
للعراقيِّ الضائعِ تحت أوهامِ النفطِ
لرفيقٍ فارقَ الحياةَ
من دون هتافٍ
جرّدوه من الكلماتِ
والمحفظةِ الزوجيّةِ...
**********************************
الصفحة الثانية عشر
الفنان فيصل لعيبي من بابل: العراق قادر على استعادة مكانته الثقافية
متابعة – طريق الشعب
قال الفنان التشكيلي الرائد فيصل لعيبي، أن العراق يمتلك مقومات استعادة مكانته الثقافية والفنية، وشدد على أهمية دعم الثقافة والفنون وتعزيز قيم المواطنة والتسامح، والاستفادة من تجارب الفنانين والمبدعين العراقيين في الخارج.
وأوضح في حديث صحفي على هامش مشاركته في مهرجان بابل للثقافات والفنون العالمية بدورته الحالية، ان عودته الى العراق بعد خمسين عاماً هي "من ابرز الاشياء الجميلة التي كنت حريصاً على القيام بها"، مشيرا إلى أن أعماله التي عرضها في المهرجان تمثل حصيلة سنوات طويلة من تجربته الفنية، وتحمل ملامح الذاكرة العراقية التي يحتفظ بها منذ مغادرته البلاد نحو أوربا.
وأضاف لعيبي أن "الحنين إلى العراق ومشاهده التي بقيت حاضرة في ذاكرتي، يشكل جانباً أساسياً من تجربتي الفنية". وبيّن أن "الأعمال العراقية قادرة على التعبير عن هوية المكان واستحضار تفاصيله، حتى بعد مرور عقود على مغادرة الفنان البلاد".
وأشار إلى أن تجربته في الغربة أتاحَت له فرصة التعرف على ثقافات مختلفة، وساهمت في تطوير نظرته إلى الآخرين وتعزيز تقبله للاختلاف والمرونة في التعامل مع الناس والأفكار، لافتاً إلى أن "الابتعاد عن الوطن أوجد في المقابل فجوة في علاقاته الاجتماعية، وحرمه من التواصل اليومي مع الأهل والأصدقاء وذكريات الطفولة والأماكن التي ارتبط بها".
وتابع قائلا إن "استحضار المدن والأنهار والجسور العراقية يظل حاضراً في ذاكرة المغترب، وان التفاصيل اليومية والروابط الاجتماعية والثقافية تمثل جزءاً مهماً من علاقة الإنسان بوطنه، فضلاً عن دور اللغة والكتاب والأحداث الثقافية في إبقاء صلته ببلده". وشدد لعيبي على "أهمية منح الثقافة والفكر والفنون أولوية أكبر في السياسات العامة، من خلال تخصيص موازنات مناسبة للقطاع الثقافي"، موضحاً أن "الفن يؤدي دوراً أساسياً في توثيق تاريخ الشعوب وصياغة هويتها وإبراز شخصيتها الحضارية".
وبشأن إمكانية توسيع حضوره الفني في العراق، أعرب لعيبي عن تطلعه إلى "إتاحة الفرصة له وللفنانين والمبدعين العراقيين الآخرين المقيمين في الخارج، للمساهمة في المشهد الثقافي والفني داخل البلاد"، مؤكداً أن هذه الفرصة تمثل قيمة كبيرة بالنسبة اليه.
كذلك ثمّن إقامة المهرجانات والفعاليات الثقافية، وعدّها خطوات إيجابية لتعزيز التواصل بين المبدعين والجمهور، داعياً إلى استمرار إقامتها وتطويرها بما يساهم في تنشيط الحياة الثقافية والفنية.
وختم لعيبي حديثه بالقول إن "الفن يستطيع أن يعكس أزمات المجتمع وتطلعاته إلى استعادة مكانته الحضارية، وأن يتحول إلى مساحة للأمل والانفتاح والإشعاع الثقافي".
*********************************
تحت عنوان «لاله}
متابعة – طريق الشعب
في تجربة إبداعية اتسمت بتنوّع الخامات وتعدد أساليب التعبير البصَري، احتضن "بيت تركيب" في بغداد، أخيرا، معرضا فنيا بعنوان "لاله"، أقامه الطالب صالح الحسن، من المرحلة الرابعة في قسم الفنون التشكيلية، بكلية الفنون الجميلة في جامعة بغداد.
ضمّ المعرض أعمالا فنية تنوّعت بين الطباعة والرسم والنحت. وقدمت تجربة بصرية تستكشف إمكانات التعبير الفني من خلال تعدد التقنيات والوسائط، ما أبرز قدرة الفنان الشاب على الانتقال بين أساليب فنية مختلفة ضمن مساحة إبداعية واحدة.
وجاء المعرض ليعكس جانباً من التجربة الأكاديمية والفنية التي يخوضها طلبة الفنون الجميلة، من خلال تحويل الأفكار والتصورات إلى أعمال ملموسة تتخذ من الصورة والتكوين والخامة وسائل للتعبير، فضلاً عن إتاحة الفرصة أمام الجمهور للاطلاع على نتاجات الطلبة الفنية ومتابعة تجاربهم الإبداعية خارج إطار القاعات الدراسية. وبحسب متابعين، فإن معرض "لالة" مثّل مساحة للتجريب والتعبير الفني، يجتمع فيها الرسم والطباعة والنحت ضمن تجربة واحدة، مشددين على أهمية المبادرات الفنية الطلابية في تنمية المهارات الإبداعية، فضلا عن أهمية فتح آفاق جديدة أمام الطاقات الشابة في مجال الفنون التشكيلية.
*******************************
في اتحاد الأدباء.. احتفاء بتجربة الأديب الراحل نجيب المانع
متابعة – طريق الشعب
عقد الاتحاد العام للأدباء والكتاب أخيرا، جلسة ثقافية أدبية، احتفاء بتجربة الأديب والموسيقي والمترجم البصري الراحل نجيب المانع (1926 – 1991).
الجلسة التي احتضنتها قاعة الجواهري في مقر الاتحاد، والتي حضرها جمع من الأدباء والمثقفين، تحدث فيها القاص والناقد د. لؤي حمزة عباس، وأدارها الشاعر د. أحمد الشيخ.
في مفتتح حديثه، ذكر د. عباس أن "المانع حقق حضوراً عميقاً ومؤثراً في الثقافة العراقية منذ بدء نتاجه واشتغاله الأدبي عام 1957، ليمثل علامة حداثية عراقية بامتياز عبر الشعر والقصة والرواية والبحث والترجمة والموسيقى".
وأشار إلى التأثير الكبير الذي تركته مدينة الزبير في ثقافة المانع "حيث ولد فيها وتعلم القراءة والكتابة قبل أن ينتقل إلى مرحلة الدراسة الابتدائية. كما تعلم عروض الشعر واللغة مع مجموعة من أصدقائه، فضلاً عن قراءاته المستمرة من مصادره الذاتية، والتي قادته إلى التعرف على شكسبير وبيتهوفن، وسواهما من مبدعي العالم".
ونوّه د. عباس إلى ان المانع درس الحقوق في بغداد. ثم عاد إلى البصرة وعمل في محاكمها، فضلا عن عمله الدؤوب على تعلم اللغتين الإنكليزية والفرنسية، ومواصلته كتابة القصة والرواية والشعر والمقالة"، مضيفا أن "المانع أصدر عشرين كتابا، لا زالت حاضرة في المكتبة العربية".
وأبدى المتحدث استغرابه من "مواجهة إبداع المانع بالصدود والإهمال من قبل النقاد العراقيين".
من جانبه، قدم الناقد فاضل ثامر، مداخلة ذكر فيها أن "المانع قاص أنيق أرستقراطي اللغة والوعي والثقافة. وليس غريباً أن يولع بالموسيقى وقد ارتفع بها وبالكتابة إلى السمو الروحي"، مشيرا إلى أن "الفقيد يقف في طابور خاص من القصاصين العراقيين".
وكانت للأمين العام للاتحاد الشاعر عمر السراي، كلمة ذكر فيها أن "الاتحاد لن يكتفي بتبني طباعة وترويج مشروع المانع الشامل، والذي اشتغل عليه الناقد د. لؤي حمزة عباس، بل يتوجب عليه عقد مؤتمر نقدي كبير يجمع الباحثين والنقاد، لا لإضاءة تجربة المانع وحسب، إنما لتقديم إجابات جادة وموضوعية عن الأسئلة الكبرى التي طرحها أدبه، بما يرسخ مكانته الحقيقية في ذاكرة الأدب العراقي والعربي".
وشهدت الجلسة مداخلات ساهم فيها عدد من الحاضرين، الذين أكدوا أهمية المانع الثقافية، وشددوا على ضرورة إعادة منجزه إلى الواجهة من جديد.
********************************
معاً لبناء بيت الحزب.. بيت الشعب
دعماً للحملة الوطنية لبناء مقر الحزب الشيوعي العراقي، تبرع الرفاق والأصدقاء:-
• المهندس الاستشاري سليم الربيعي يواصل عطاءه للحملة وهذه المرة 3 ملايين دينار.
• جيهان الزبيدي 100 الف دينار.
• د. احمد جهانلي الف جنيه إسترليني.
• محمد باقر محمد تقي 500 الف دينار.
الشكر والتقدير للرفاق والأصدقاء على دعمهم واسنادهم حملة الحزب لبناء مقره المركزي في بغداد.
معاً حتى يكتمل بناء بيت الشيوعيين.. بيت العراقيين.
*************************************
اما بعد.. فلوس ماكو
منى سعيد
لعامين متتاليتين توقفت المطابع عن طبع أي مفردة لمطبوع تابع لدار ثقافة الأطفال بحجة ( فلوس ماكو) ، وما يرد الدار من الموازنة التشغيلية يقتصر على توفير رواتب الجيش الجرار من الموظفين أغلبهم عُّين بصيغة ( يقرأ ولا يكتب) يحضرون صباحا للتوقيع في سجل الحضور ثم ينصرفون لأشغالهم الخاصة، في حين لا يتعدى عدد محرري وفناني الدار عن عدد الأصابع بعدما غادرها المتخصصون، سواء لإكمال سنواتهم الوظيفية أو للتمتع بإجازات طويلة، أوربما درءا للملل والشعور بالفراغ وعدم جدوى التواصل في ساعات دوام كامل، يتوج بالتوقيع الحريص على الحضور والانصراف.
ويأتيك الجواب سريعا ومختصرا عن سوء الحال بـ ( فلوس ماكو) ، فأحوال الدار تدهورت ليس فقط من حيث الإنتاج وأداء دورها التثقيفي حسب ، بل حتى مبناها غدا آيلا للسقوط ، وفعليا تهاوت سقوف الدار الثانوية على رؤوس الموظفات بعد موجة الأمطار الغزيرة العام الماضي، ولا نعلم ما الذي سيحدث في الشتاء المقبل.
وضع الثقافة في العراق حاليا لا تُحسد عليه برأي الكثيرين، وحتى كلمة التهميش ليست مناسبة لوصف الحال كما يقول الكاتب شاكر الأنباري ويضيف: "ما يهم النخب السياسية الحاكمة هو التجييش ، ضمن نوازع وبرامج وشعارات، قسم كبير منها طائفي وديني وقومي، ولم تعد ثمة حاجة لجهد الثقافة الجادة ، ثقافة الإبداع ، والتساؤل ، والحوار ، والتمرد ، وخرق السائد ، ومناقشة أطروحات الواقع. وثمة منابر اخرى عوضت جهد المثقف ، منها المساجد والميلشيات والحركات المسلحة والصحف والقنوات الحزبية".
لدار ثقافة الأطفال التي تأسست عام 1969 كأول مؤسسة حكومية متخصصة بثقافة الطفل، دور ريادي في الثقافة العراقية، حيث خرَّجت كبار الكتاب والفنانين وشاع نشاطها في عصرها الذهبي أيام مديرة الدار السيدة أمل الشرقي، ليتعدى حدود العراق وينتشر في البلدان العربية حتى شمال أفريقيا. ولن أنسى ما واجهني به أحد حضور معرض صفاقس لكتاب الطفل في تونس، حين قال لي وهو بصحبة ابنه، أنه تعلم العربية الصحيحة من مطبوعات دار ثقافة الأطفال، وخصوصا مجلّتي (مجلتي والمزمار) أيام الثمانينات.
واليوم يمر عامان ولا تطبع الدار أو تنشر كلمة، رغم تكدس المواد اللازمة للمجلات والكتب أيضا، من قبل ما تبقى من محرري وفناني الدار أو من قبل من يتم تكليفهم من خارجها.
وللدار عدد من المراكز الثقافية في أغلب المحافظات يضطلع موظفوها بمهام فنية واجتماعية، و تذكر الدكتورة ضحى عبد الجبار مسؤولة العلاقات العامة في الدار، أن اغلب نشاطات المراكز تقوم على جهودهم ومن مصروفهم الخاص كي لا تتوقف ، وقد نجحوا في تنظيم فعاليات وتقديم مسرحيات للأطفال رغم تهالك مبنى مسرح الطفل في الدار، وهو آيل للسقوط حاليا، فضلا عن اهتمامهم بذوي الهمم وتنمية مهاراتهم، ساعين لتنمية وعي الأطفال من مراحل التأسيس الأولى واظهار مواهبهم وتشجيعهم على القراءة. وبهذا فهم ملتزمون بدواعي السعي للاستمرار بعيدا عن محاولات غلق الدار، وتحويلها الى جهات استثمارية مزعومة طالما هددت وجودها.
************************************
قف.. قانونٌ للجواري
عبد المنعم الأعسم
يسمونها مدونة الاحكام الشرعية، وبموجبها يباح زواج البنات القاصرات، علنا وشرعا، وذلك باعتبار البلوغ، وليس السن القانوني، جوازا لزواج البنات. كما تحدد حقوق حضانة الام المطلقة بـ 7 سنوات بالنسبة للبنات والأولاد. وبموجب هذه المدونة (أولا) تكون البنت منذ العاشرة من العمر (سن البلوغ في الغالب) قيد الاستعداد للزواج، بمشيئة المدونة، وهي في تصنيفات السن الطبية والاجتماعية تعتبر قاصرا، وتكون عرضة لإجبارها، بتأثير عشائري، على الزواج قبل السن 18 كما ينص قانون الاحوال الشخصية لعام 1959 و(ثانيا) إسقاط حق المرأة المطلقة بحضانة أولادها بعد عمر السبع سنوات، وهذا سيدفع بحياة ملايين الأطفال إلى المجهول، لتعذر تربيتهم والعناية بهم من قبل والدهم الذي سينتقل إلى حياة زوجية أخرى، في أغلب الاحيان، أخذا بالاعتبار الأرقام المتزايدة، والمخيفة، لحالات الطلاق بالعراق.
والحال فإن المدونة تفتح الطريق إلى مهانة النساء، وتعاسة مستقبل أبنائهن، وإشاعة بيع البنات القاصرات، حيث يلعب المال، واستثمار فقر العائلات، دورا في صناعة هذه الردة إلى عصر الجواري.. وتلطيخ سمعة العراق بالوحل.
*قالوا:
"الإنسان عندما يختزن التخلف فإنه يخلق المشكلة"
محمد حسين فضل الله
********************************
يوميات
• يُضيّف منتدى "بيتنا الثقافي" في بغداد بعد غد السبت، المشرف التربوي فرحان قاسم، ليلقي محاضرة بعنوان "واقع التربية والتعليم في العراق"، في مناسبة بدء العام الدراسي الجديد.
تبدأ المحاضرة في الساعة الحادية عشرة والنصف ضحىً على قاعة المنتدى في ساحة الأندلس.
• يعقد المجلس العراقي للسلم والتضامن، بعد غد السبت، ندوة بعنوان "تغيير سعر صرف الدينار.. أزمة اقتصادية أم أزمة رؤية وإدارة"، يتحدث فيها الاستشاري في التنمية والاستثمار عامر الجواهري.
تبدأ الندوة في الساعة الحادية عشرة ضحى في مقر المجلس بشارع أبو نؤاس – الفرع الثالث بعد فندق بغداد.
• يُنظم منتدى النقد الثقافي والدراسات الثقافية في الاتحاد العام للأدباء والكتاب، بعد غد السبت، جلسة حوارية بعنوان "الثقافة والشعر الحديث – شهادة حية"، يتحدث فيها الشاعر د. كريم شغيدل.
تبدأ الجلسة التي سيديرها د. صباح التميمي، في الساعة العاشرة والنصف صباحا على قاعة الجواهري في مقر الاتحاد بساحة الأندلس.
*******************************
في ألمانيا استذكار الشخصية الوطنية د. غالب العاني
برلين – طريق الشعب
عقدت منظمة الدفاع عن حقوق الانسان في العراق/ ألمانيا، يوم 8 من الشهر الجاري، جلسة استذكار للشخصية الوطنية اليسارية الفقيد د. غا لب العاني، السكرتير المؤسس للمنظمة، والعضو الناشط في المنتدى العراقي لمنظمات حقوق الإنسان.
واستذكر المشاركون في الجلسة، الفقيد كأحد رموز الحركة الوطنية العراقية المدافعة عن حق الإنسان في حياة كريمة حرة تحت مظلة دولة المواطنة والمساواة والعدالة الاجتماعية، مبيّنين أن العاني ناضل بثبات عقودا طويلة، في مقارعة الظلم والفساد، ودافع بشدة عن الانسان في داخل العراق وخارجه، فضلا عن مساندته ثورة تشرين المجيدة.
وأشار المساهمون، من زملاء الفقيد وأصدقائه، إلى أن فقدان العاني خسارة كبيرة لا تعوّض، لما يحمله من قيم ومبادئ ستبقى حية في قلوب جميع من عرفوه.