كشفت مصادر أمنية عراقية لـ"إرم نيوز" أن قوة مرتبطة بـ"كتائب حزب الله" حاولت اقتحام موقع الانفجار الذي وقع داخل مقر مديرية أمن الحشد الشعبي شرقي بغداد، في 17 أكتوبر الجاري، بهدف سحب صناديق ومعدات إلكترونية حساسة قبل وصول المحققين الحكوميين؛ ما أدى إلى مواجهة ميدانية استمرت ساعات بين عناصر محسوبين على الكتائب والقوة المكلفة بحماية المقر.
وقالت المصادر إن الحادث كشف خلافاً داخل هيئة الحشد يتجاوز أسباب الانفجار، ويتصل بالسيطرة على الأدلة والمعلومات الأمنية وصلاحيات التحقيق، وسط تنافس متصاعد بين أجنحة فصائلية على مواقع القيادة داخل الهيئة.
وبحسب المصادر، فإن القوة التي حاولت دخول الموقع ضمت عناصر مرتبطين بكتائب حزب الله، يرافقهم فنيون محسوبون على خط رئاسة الأركان، ولم تكن مكلفة بمهمة تحقيق رسمية صادرة عن الحكومة.
مواجهة على الصناديق
وأوضحت المصادر أن القوة حاولت الوصول إلى بقايا صناديق ومعدات إلكترونية تضررت جراء الانفجار، لكنها واجهت رفضاً من عناصر الحراسة التابعين للقيادة المركزية لمديرية أمن الحشد.
وأضافت أن الحراس أغلقوا محيط المقر ومنعوا نقل أي مواد منه، قبل التنسيق مع استخبارات وزارة الداخلية لضمان بقاء المخلفات في مكانها حتى وصول خبراء الأدلة الجنائية والمتفجرات.
واستمرت المشادات والاحتكاكات الميدانية ساعات، وفق المصادر، في ظل إصرار القوة المرتبطة بالكتائب على الوصول إلى المعدات، وتمسك العناصر المكلفين بالحراسة بعدم السماح بإخراجها.
وأشارت المصادر إلى أن الخلاف لم يتعلق ببقايا ذخائر تقليدية، وإنما بصناديق وأجهزة تقنية وصلت حديثاً إلى الموقع، يُعتقد أنها تضم مكونات اتصالات أو أجزاء مرتبطة بمنظومات الطائرات المسيّرة.
ورجحت أن محاولة سحب تلك المواد ارتبطت بمخاوف من توثيق وجود معدات غير مدرجة ضمن السجلات الرسمية للمقر، وهو ما قد يفتح تحقيقاً بشأن مصدرها والجهة التي سمحت بإدخالها.
وبحسب المعلومات التي قدمتها المصادر، تسلمت فرق الأدلة الجنائية التابعة لوزارة الداخلية المخلفات التقنية بعد انتهاء الخلاف، ونقلتها إلى مختبرات بغداد لإجراء الفحوص وإعداد التقرير النهائي.
ماذا كان داخل مقر أمن الحشد؟
ويثير وجود تلك المعدات داخل المقر أسئلة بشأن طبيعة استخدامه، خاصةً أنه يتبع مديرية أمن الحشد المعنية بالمهام الاستخبارية والأمنية والتحقيقية، وليس منشأة لوجيستية مخصصة لتخزين الأسلحة.
وكانت الهيئة أعلنت أن الانفجار نجم عن "كدس من الأعتدة التالفة"، قبل أن تؤكد أن التحقيقات الأولية للأدلة الجنائية تشير إلى خلل داخلي، من دون مؤشرات على استهداف خارجي.
في المقابل، نقلت وسائل إعلام عراقية روايات عن وصول معدات عسكرية من إيران خلال الأسبوع السابق للانفجار، وطرحت مصادر تحدثت إليها احتمالات تتعلق بوجود أجهزة إلكترونية ضمن الصناديق.
وتضاربت كذلك حصيلة الضحايا؛ إذ أعلنت الهيئة إصابة خمسة منتسبين بجروح طفيفة، بينما نقلت رويترز عن مصدرين أمني وطبي مقتل أحد عناصر الحشد وإصابة أربعة آخرين.
اجتماع مغلق وقرارات عقابية
وكشفت المصادر الأمنية لـ"إرم نيوز" عن اجتماع مغلق عقد مساء 18 أكتوبر في مقر هيئة الحشد بالمنطقة الخضراء، بحضور رئيس الهيئة ورئيس الأركان ومدير عام مديرية الأمن وممثل عن مستشارية الأمن القومي.
وقالت إن الاجتماع شهد نقاشات حادة بشأن محاولة الوصول إلى مخلفات الانفجار، وتضارب التصريحات التي صدرت عن شخصيات مرتبطة بالفصائل بشأن أسبابه.
وأضافت أن المجتمعين اتفقوا على منع القيادات الفصائلية والمتحدثين باسم الألوية من اتهام جهات خارجية قبل انتهاء التحقيق، وإلزام الجهات المعنية بتسليم محاضر الاستجواب الأولية وإفادات الحراس إلى اللجنة المشتركة مع وزارة الداخلية.
وبحسب المصادر، جرى تجميد صلاحيات مدير أمن قاطع شرق القناة ومعاونين مسؤولين عن الشؤون اللوجيستية، وإخضاعهم للتحقيق لمعرفة كيفية دخول مواد غير مدرجة في سجلات الموقع.
كما صدرت، وفق المصادر، أوامر بنقل ضباط مسؤولين عن حراسة الأبراج والمستودع الداخلي إلى مواقع إدارية في قواطع نينوى وصلاح الدين، بوصفها إجراءات أولية مرتبطة بالتحقيق.
من يسيطر على مديرية أمن الحشد؟
قالت المصادر إن تداعيات الانفجار أعادت فتح خلاف بشأن مستقبل مديرية أمن الحشد، وسط مساعٍ تقودها أطراف فصائلية لإلحاقها برئاسة الأركان، بدلاً من استمرار توزيع صلاحياتها ضمن الهيكل القيادي الحالي.
وأوضحت أن مؤيدي هذا التوجه يطرحون توحيد القيادة الأمنية والعسكرية باعتباره وسيلة لإنهاء ازدواجية الصلاحيات. لكن أطرافاً أخرى تعارض المقترح، خشية أن يؤدي إلى وضع أجهزة التحقيق والاستخبارات والرقابة الداخلية تحت نفوذ جناح فصائلي واحد.
وأضافت المصادر أن قوى قريبة من الإطار التنسيقي تسعى إلى استثمار الحادث للمطالبة بتغييرات في رئاسة الهيئة وإعادة توزيع المواقع القيادية.
وبذلك، لم يعد الخلاف مقتصراً على تحديد سبب الانفجار، بل امتد إلى سؤال أوسع يتعلق بالجهة التي تملك حق التحقيق في المخالفات الأمنية داخل الحشد، ومن يسيطر على المعلومات والمخازن الحساسة.
انفجار عرضي أم بداية استهداف للفصائل؟
في قراءته للحادثة وتداعياتها، يرى رئيس المركز العراقي للدراسات الإستراتيجية، غازي فيصل، أن انفجار مقر الحشد الشعبي في بغداد لا يمكن فصله عن التوترات الأمنية والإقليمية المحيطة بالعراق، وخاصةً في ظل استمرار المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران والفصائل المسلحة المرتبطة بها.
وأشار فيصل إلى أن تحسن العلاقات بين بغداد وواشنطن وانسحاب القوات الأمريكية لا يعنيان بالضرورة انتهاء احتمالات استهداف مواقع الفصائل، لافتاً إلى تقارير إسرائيلية تحدثت عن وجود أهداف عسكرية محتملة داخل العراق، تشمل مراكز قيادة وسيطرة ومخازن أسلحة ومنشآت لوجيستية.
ومع ذلك، لا يجزم فيصل بتعرّض مقر الحشد لهجوم خارجي، معتبراً أن الحادث يحتمل تفسيرين؛ فإمّا أن يكون مؤشراً إلى بداية عمليات عسكرية تستهدف مواقع الفصائل، وإمّا كان انفجاراً عرضياً ناجماً عن سوء تخزين الذخائر وتكدس العتاد. مشدداً على أهمية نتائج التحقيق الفني لحسم ملابسات الحادث وتحديد أسبابه الفعلية.