كشفت مصادر أمنية عراقية لـ"إرم نيوز" عن عملية إعادة تشكيل واسعة تجري داخل عدد من الفصائل المسلحة الموالية لإيران، تقوم على تصعيد قيادات من الجيل الثاني وإسناد ملفات عسكرية وأمنية واقتصادية حساسة إليها، في إطار ترتيبات تهدف إلى ضمان استمرار نفوذ هذه التنظيمات داخل الدولة، وحماية هياكلها القيادية من الضغوط الحكومية والأمريكية المتزايدة.
وقالت المصادر إن التغييرات تشمل بصورة رئيسية كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق وحركة النجباء، وإنها لا تستهدف إقصاء القيادات التاريخية، وإنما إنشاء طبقة قيادية جديدة تتولى إدارة الملفات التنفيذية والمالية والعلاقات مع المؤسسات الحكومية، مع إبقاء القرارات الإستراتيجية الكبرى بيد القادة التقليديين.
وأوضحت أن عملية التصعيد تجري وفق حسابات مختلفة داخل كل فصيل، إذ تسعى بعض التنظيمات إلى تعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي، بينما تعطي أخرى الأولوية لإعادة بناء شبكاتها الأمنية والعسكرية وتقليل انكشاف قياداتها أمام أجهزة الاستخبارات.
العصائب.. صعود الجيل السياسي
وبحسب المصادر، فإن عصائب أهل الحق تتقدم الفصائل في عملية نقل جزء من النفوذ إلى القيادات السياسية والاقتصادية، مستفيدة من حضورها الواسع داخل مؤسسات الدولة والبرلمان، وشبكة المصالح التي راكمتها خلال السنوات الماضية.
وأشارت إلى أن ليث الخزعلي يمثل أحد أبرز الوجوه الصاعدة في هذا المسار، مع اتساع دوره السياسي والإداري، بينما يحتفظ شقيقه قيس الخزعلي بالقرار التنظيمي والعسكري الأعلى داخل الحركة.
وأضافت أن الترتيبات الجديدة تمنح الشخصيات المرتبطة بالجناح السياسي مساحة أوسع في إدارة العلاقات الحكومية والملفات الاقتصادية، بما يقلل الحاجة إلى تدخل القيادات العسكرية مباشرة في تفاصيل العمل المؤسساتي.
وأكدت المصادر أن هذا التحول لا يعني فصل الجناحين السياسي والعسكري بصورة نهائية، وإنما إعادة توزيع الصلاحيات بينهما، مع استمرار خضوع الملفات الإستراتيجية للقيادة العليا للحركة.
الكتائب.. قيادات خلف الواجهة
وفي كتائب حزب الله، كشفت المصادر عن توجه لإعادة توزيع المسؤوليات الأمنية والمالية على كوادر تنظيمية أقل ظهوراً، في محاولة لتقليل المخاطر الناجمة عن استهداف القيادات المعروفة أو فرض عقوبات جديدة عليها.
وقالت إن التنظيم يعمل على توسيع دائرة المسؤولين عن إدارة الملفات الاقتصادية واللوجيستية والعلاقات مع المؤسسات الرسمية، بدلاً من تركيزها في أيدي مجموعة محدودة من القيادات التاريخية.
وأضافت أن هذه الترتيبات تستهدف أيضاً ضمان استمرار عمل الشبكات التنظيمية والمالية في حال تعرض أحد مراكز القيادة لضربة أمنية أو إجراءات عقابية.
ويحتفظ أحمد الحميداوي، المعروف باسم أبو حسين، بموقع قيادي بارز داخل الكتائب، فيما يمثل عبد العزيز المحمداوي، المعروف بأبو فدك، أحد أبرز وجوه النفوذ المرتبط بالفصائل داخل هيئة الحشد الشعبي.
وأوضحت المصادر أن إعادة توزيع المهام لا تعني انتقال القيادة العليا إلى شخصيات جديدة، بل إنشاء مستويات تنفيذية أكثر استقلالاً في إدارة الملفات اليومية، مع استمرار ارتباطها بمراكز القرار الرئيسية.
النجباء.. تجديد تحت رقابة القيادة
أما حركة النجباء، فتسير عملية إعادة توزيع المسؤوليات داخلها بوتيرة مختلفة، نتيجة طبيعتها العقائدية وارتباطها الوثيق بالحرس الثوري الإيراني، وفق المصادر الأمنية العراقية.
وقالت المصادر إن الحركة تركز على تصعيد كوادر تنظيمية وأمنية تتولى مسؤوليات ميدانية وإدارية، مع استمرار احتفاظ الأمين العام أكرم الكعبي بالقرار العسكري والسياسي الأساسي.
وأضافت أن التغييرات داخل النجباء لا تستهدف بناء جناح سياسي واسع على غرار العصائب، وإنما تعزيز قدرة التنظيم على الاستمرار والمحافظة على هياكله في مواجهة الضغوط الأمنية.
وأشارت إلى أن القيادات الجديدة تخضع لرقابة تنظيمية مشددة، وأن مساحة استقلالها في اتخاذ القرارات الإستراتيجية تبقى محدودة مقارنة بالمسؤوليات التنفيذية التي يجري إسنادها إليها.
إيران وحدود التغيير
تكشف المصادر أن الدور الإيراني في إعادة تشكيل القيادات يختلف بين فصيل وآخر، تبعاً لمستوى الارتباط بالحرس الثوري وطبيعة الملفات العسكرية التي يديرها كل تنظيم.
وأوضحت أن طهران تحتفظ بتأثير أكبر في القرارات العسكرية والإستراتيجية للفصائل الأكثر ارتباطاً بها، بينما تتمتع بعض القيادات السياسية والاقتصادية بهامش أوسع في إدارة علاقاتها ومصالحها داخل العراق.
وقالت إن الترتيبات الجديدة لا تعكس قراراً موحداً بإحلال جيل كامل محل القيادات التاريخية، وإنما محاولة لإعادة توزيع الأدوار بما يضمن بقاء الفصائل قادرة على إدارة نفوذها حتى في حال تصاعد الضغوط على أجنحتها المسلحة.
وأضافت أن أحد أبرز التحديات يتمثل في التباين بين قيادات عسكرية تتمسك باستقلال السلاح والقرار الأمني، وشخصيات سياسية واقتصادية تعطي أولوية للمحافظة على المصالح الحكومية والمالية التي باتت تشكل ركناً أساسياً من قوة التنظيمات.
وأكدت المصادر أن عملية تصعيد الجيل الجديد لا تعني استعداد الفصائل للتخلي عن أسلحتها، بل تهدف إلى المحافظة على نفوذها بأدوات متعددة، بحيث لا يؤدي استهداف القيادات العسكرية أو تقييد نشاطها إلى خسارة مواقعها داخل الدولة.
تغيير القيادات لا ينهي نفوذ الفصائل
وفي قراءته لهذا التحول، يرى الباحث العراقي في الشؤون السياسية مهند الجنابي أن انتقال المسؤوليات داخل الفصائل المسلحة إلى جيل جديد لا يمثل بالضرورة تغييراً في طبيعة هذه التنظيمات؛ ما دامت العلاقة بين السلاح والنفوذ السياسي والاقتصادي قائمة.
ويشير الجنابي إلى أن المشكلة لا تتعلق بالأشخاص الذين يديرون الفصائل، وإنما باستمرار وجود مراكز قرار تمتلك القدرة على التأثير في مؤسسات الدولة من خارج التسلسل الدستوري.
ويوضح أن تصعيد شخصيات سياسية واقتصادية وإدارية قد يمنح التنظيمات قدرة أكبر على التكيف مع الضغوط، لكنه لا يعني تحولها إلى قوى مدنية مستقلة عن أجنحتها المسلحة.
ويخلص إلى أن الاختبار الحقيقي يكمن في قدرة الحكومة على إخضاع التشكيلات المسلحة والموارد والقرارات الأمنية لسلطتها، ومنع انتقال النفوذ الفصائلي إلى المؤسسات الرسمية عبر واجهات جديدة؛ لأن تغيير القيادات وحده لا يضمن تغيير قواعد العلاقة بين الدولة والفصائل.