اخر الاخبار

كشفت مصادر سياسية قريبة من الإطار التنسيقي لـ"إرم نيوز" عن دخول أربعة فصائل عراقية مسلحة في منافسة للسيطرة على رئاسة جهاز المخابرات الوطني، عبر خطة تقوم على ترشيح شخصيات بواجهات تكنوقراطية مستقلة، بعد اصطدام مساعيها لتولي المنصب مباشرة باعتراض أمريكي شديد، في وقت يحاول فيه رئيس الوزراء علي فالح الزيدي منع انتقال الصراع السياسي إلى واحدة من أكثر المؤسسات الأمنية حساسية في البلاد.

وقالت المصادر إن منظمة بدر وعصائب أهل الحق وكتائب حزب الله وحركة النجباء تتصدر الجهات الساعية للحصول على المنصب، مستفيدة من المكاسب التي حققتها في التعيينات الحكومية الأخيرة، ومن المفاوضات المرتبطة بحصر السلاح بيد الدولة.

وأوضحت أن التنافس لا يقتصر على هوية رئيس الجهاز، بل يمتد إلى السيطرة على دوائره الحساسة وقواعد بياناته وأرشيفه الاستخباري؛ ما يضع الحكومة أمام اختبار يتعلق بحماية المؤسسة من النفوذ الحزبي، والحفاظ على علاقاتها الأمنية مع واشنطن. 

 

خطة الواجهات المستقلة

وبحسب المصادر، تراجعت الفصائل عن الدفع العلني بشخصيات ذات انتماءات تنظيمية واضحة، وانتقلت إلى البحث عن مرشحين يمتلكون سجلات إدارية وأمنية تسمح بتقديمهم باعتبارهم مستقلين، مع استمرار ارتباطاتهم السياسية بالقوى الداعمة لهم.

وأضافت أن هذه المناورة تستهدف تجاوز الاعتراض الأمريكي، وتخفيف الحساسيات داخل المؤسسات العراقية، من دون التخلي عن الهدف الأساسي المتمثل في ضمان نفوذ الفصائل على القرارات الاستخبارية.

وأشارت إلى أن الخلافات بين الفصائل الأربعة تعرقل التوصل إلى مرشح توافقي؛ إذ تسعى كل جهة إلى الحصول على موقع يمنحها أفضلية في إدارة الملفات الأمنية ومتابعة الأنشطة المرتبطة بالجماعات المسلحة.

ولا تتوافر حتى الآن أسماء مؤكدة للمرشحين الذين يجري التفاوض بشأنهم، بينما تؤكد المصادر أن الصراع يتجاوز الاعتبارات الطائفية إلى محاولة إعادة توزيع النفوذ داخل الدولة.

 

واشنطن ترسم خطوطاً حمراء

وأكدت المصادر أن واشنطن نقلت عبر سفارتها في بغداد وقنوات الاتصال الأمني اعتراضاً صارماً على وصول شخصية مرتبطة بالفصائل المسلحة، ولا سيما الجهات الخاضعة للعقوبات الأمريكية، إلى رئاسة المخابرات.

وأوضحت أن الاعتراض يركز على حماية المعلومات الاستخبارية المشتركة، ومنع وصول جهات غير مخولة إلى الأرشيف وقواعد البيانات التي تتضمن معلومات حساسة عن التنظيمات المسلحة والشبكات الأمنية والتعاون الدولي.

ولفتت إلى أن الجانب الأمريكي لم يقدم، وفق المعلومات المتاحة، قائمة رسمية معلنة بأسماء مرفوضة، وإنما حدد معايير تتعلق بالخلفيات التنظيمية والارتباطات الأمنية للمرشحين.

وتكتسب هذه التحفظات أهمية إضافية بالنظر إلى طبيعة التعاون الاستخباري العراقي الأمريكي، خصوصاً في مكافحة الإرهاب وملاحقة شبكات تنظيم داعش.

ومع ذلك، لا يعني الاعتراض على المرشحين المرتبطين بالفصائل وجود قرار أمريكي معلن يمنع بصورة نهائية جميع التسويات المحتملة بشأن رئاسة الجهاز.

 

مساومات على المناصب

وكشفت المصادر أن المفاوضات انتقلت إلى البحث عن حزمة من المناصب البديلة، في محاولة لاحتواء مطالب الفصائل ومنع تحول الخلاف حول المخابرات إلى أزمة داخل التحالف الحاكم.

وتشمل المساومات مواقع رفيعة في وزارتي الدفاع والداخلية وجهازي الأمن الوطني والمخابرات، إلى جانب مناصب وكلاء الوزارات والمديرين العامين، ومواقع مرتبطة بالمنافذ الحدودية وحرس الحدود وهيئات الاستثمار في خمس محافظات.

كما تتناول المفاوضات مواقع داخل الأمانة العامة لمجلس الوزراء، وسط محاولات لربط التنازلات المتعلقة بالمناصب الأمنية بإظهار مرونة أكبر في ملف حصر السلاح.

وتشير المصادر إلى أن التنافس الحالي عراقي داخلي بالدرجة الأولى، رغم متابعة إيران للملفات الأمنية الاستراتيجية عبر علاقاتها بالفصائل وفيلق القدس، من دون وجود معلومات مؤكدة عن تدخل إيراني مباشر لفرض مرشح محدد.

وتبرز هنا مخاوف من أن يؤدي تعذر الاستحواذ على رئاسة الجهاز إلى محاولة توسيع النفوذ داخله عبر المناصب القيادية والدوائر الإدارية، بما يجعل الخلاف على الرئيس جزءاً من معركة أوسع على المؤسسة.

 

خيارات الزيدي

في المقابل، يسعى رئيس الوزراء علي الزيدي إلى تحصين جهاز المخابرات من المحاصصة، بعدما تولى مهام رئاسته بنفسه عقب إنهاء تكليف حميد الشطري.

وقالت المصادر إن مكتب الزيدي يدرس ملفات ضباط ومسؤولين مهنيين تدرجوا داخل الجهاز، مع التركيز على الاستقلال التنظيمي ونظافة السجل الأمني والقدرة على إدارة العلاقات الاستخبارية الدولية.

وتشمل المعايير المطروحة عدم الارتباط بالأحزاب والفصائل المسلحة، والخلو من شبهات الفساد والولاءات الخارجية، والحفاظ على سرية المعلومات.

ويرى مراقبون أن التحدي الحقيقي لا يتمثل في اختيار رئيس مستقل فحسب، وإنما في ضمان استقلالية سلسلة القيادة والدوائر الحساسة داخل الجهاز، ومنع تحويل التعيينات إلى أدوات لتقاسم النفوذ.

وبذلك تبقى المخابرات العراقية أمام اختبار مزدوج يتمثل في قدرة الحكومة على مقاومة الضغوط الداخلية، ومدى استعداد الفصائل للتخلي عن مطالبها مقابل تسويات في مؤسسات أخرى. 

 

الاستقلال المهني.. شرط ضروري

في هذا الإطار، يرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية، الدكتور طالب محمد كريم، أن التحدي الذي يواجه جهاز المخابرات العراقي يتجاوز اختيار رئيس جديد، ليشمل ضرورة حماية المؤسسة من التجاذبات الحزبية والصراعات على النفوذ، في مرحلة تتزايد فيها التهديدات الأمنية والتوترات الإقليمية.

ويؤكد كريم أن تحصين العراق من تداعيات الصراعات الإقليمية والدولية يتطلب جهازاً استخبارياً يمتلك القدرة على قراءة التحولات الاستراتيجية واستشراف المخاطر وانعكاساتها على الأمن الوطني والسيادة والمصالح الاقتصادية.

ويشدد على أن استقلال الجهاز مهنياً عن الحسابات السياسية يمثل شرطاً أساسياً لفاعليته، إلى جانب تعزيز التنسيق مع المؤسسات الأمنية والدبلوماسية والاقتصادية.

ويخلص إلى أن توسيع سلطة الحكومة على الجهاز لا يكفي وحده لضمان استقلاليته، ما لم يقترن بمعايير مهنية واضحة في اختيار قياداته، وصلاحيات تتيح لها اتخاذ القرارات وفق متطلبات الأمن القومي، بعيداً عن مصالح القوى المتنافسة ومحاولاتها التأثير في المؤسسات السيادية.