العربي الجديد
يثير تجدّد تحذيرات الفصائل المسلحة العراقية، لواشنطن من استخدام الأجواء العراقية في أي هجوم محتمل قد يُنفذ ضد إيران، مخاوف بغداد من احتمال انخراط تلك الفصائل في مواجهة إقليمية جديدة، في وقت تسعى فيه الحكومة لضبط أي تحرك للفصائل، ومحاولة إقناعها بحصر السلاح. وأمس الجمعة، أعلنت جماعة أنصار الله الأوفياء، وهي أحد فصائل "المقاومة الإسلامية بالعراق، أنّ أي استخدام للأجواء العراقية من الولايات المتحدة للهجوم على إيران، سيكون "انتهاكاً لسيادة العراق" و"سيُقابَل بالرد".
وقال المتحدث باسم الجماعة المسلحة علي الفتلاوي، في تصريح صحافي، إنّ "الحركة ستلتزم الحياد ما دام العراق لا يستخدم منطلقاً للاعتداء على أي دولة مجاورة، وإنّ واشنطن مطالبة بالالتزام بعدم خرق الأجواء العراقية"، مستدركاً "غير أنّ أي انتهاك للسيادة العراقية سيقابله موقف من الحركة، وأن طبيعة الرد ستحدّدها القيادة (قيادة الجماعة المسلحة) وفق مقتضيات المرحلة"، وأشار إلى أنّ جماعته "لا تسلّم سلاحها"، موضحاً أن "الاتفاق مع الحكومة يتضمن تنظيم السلاح وحصره خلال المدة الممتدة من سبتمبر/ أيلول 2026 حتى يونيو/ حزيران 2027، وليس سحبه أو تسليمه".
ويؤشر هذا الموقف إلى أنّ بعض الفصائل المسلحة ما زالت تتمسك بهامش من القرار العسكري، على الرغم من الحوارات والمحاولات التي تجريها الحكومة العراقية للوصول إلى تفاهمات معها بشأن ملف حصر السلاح بيد الدولة، كما أن الموقف يجدّد طرح المخاوف من أن أي مواجهة أميركية إيرانية محتملة قد تجر العراق إلى دائرة الصراع التي يسعى دائماً إلى تجنّبها. وتأتي تحذيرات الفصائل، على إثر تطورات ميدانية، إذ شهدت بغداد الثلاثاء الماضي إسقاط طائرتَين مسيّرتَين في محيط المنطقة الخضراء وسط العاصمة، فيما تشير المعلومات المتداولة إلى أن الهجوم كان محاولة لاستهداف السفارة الأميركية، لكن منظومة الدفاع الجوي التابعة للسفارة تمكنت من اعتراضهما وإسقاطهما، من دون تدخل القوات الأمنية العراقية على الأرض.
حكومة الزيدي لا تثق بالفصائل
وفي السياق، قال مصدر حكومي عراقي طالباً عدم الكشف عن هويته، إنّ "حكومة علي الزيدي لا تثق بالفصائل، وإنّ إمكانية تحركها في حال وقوع أي هجمات ضد إيران أمر محتمل جداً"، مبيناً لـ"العربي الجديد"، أنّ "تلك الفصائل لم تبدِ حتى الآن أي مرونة بشأن تحرك الحكومة لحصر سلاح الفصائل، وأنها ما زالت متشدّدة إزاء ذلك"، وأضاف أن "بغداد تواصل حواراتها مع تلك الفصائل، وتمارس عليها ضغوطاً بُغية التوصل إلى تفاهمات تضمن انخراطها في حصر سلاحها بيد الدولة، ومنع أي تحركات عسكرية أو تهديدات تقدم عليها ضد أي جهة، قد تجر العراق إلى مواجهة إقليمية"، مؤكداً أن "تلك الفصائل لم تقدم أي ضمانات أو تعهدات واضحة بشأن الملف، الأمر الذي يجعل الحكومة تواجه تحدياً خطيراً في حال أي مستجدات".
وخلال الأشهر الماضية، واصلت الحكومة العراقية التواصل مع الفصائل المسلحة للتوصل إلى نتائج بشأن ملف حصر السلاح بيد الدولة. وفيما وافقت فصائل على تسليم سلاحها، امتنعت أخرى، وتحديداً الفصائل الأربعة التي اختارت اسم "المقاومة الإسلامية في العراق"، وهي "كتائب حزب الله"، و"كتائب سيد الشهداء"، و"حركة النجباء"، و"حركة الأوفياء". ويكشف خطاب الفصيل المسلح اتساعاً للخلاف بين الحكومة والفصائل بشأن تفسير مفهوم السيادة، إذ إنّ الحكومة ترى أن حماية المجال الجوي ومنع استخدام الأجواء العراقية بأيّ اعتداء خارجي، هو ضمن مسؤولية الحكومة حصراً دون غيرها، بينما تربط الفصائل مواقفها من السلاح والالتزام بأي تهدئة، بما اعتبرته مدى احترام واشنطن لسيادة العراق.
وتمثل تلك المواقف عاملاً ضاغطاً على مساعي بغداد لإبعاد العراق عن أي مواجهة إقليمية، سيّما مع غياب وجود أي ضمانات معلنة من الجماعات المسلحة الأربعة، بشأن عدم تدخلها عسكرياً، الأمر الذي يجعل ملف حصر السلاح مرتبطاً مباشرةً بقدرة الحكومة على امتلاك سلطة القرار، ومنع جر البلاد إلى مواقف صعبة في ظل تصعيد إقليمي.
والأسبوع الماضي، قالت الفصائل الأربعة، في بيان، إنّ "استمرار العدو الأميركي في انتهاك السيادة العراقية والتنصل من التزاماته المعلنة تجاه الحكومة، يُعدّ انتهاكاً صريحاً للاتفاقيات المبرمة والالتزامات المترتبة عليها، ومخالفة واضحة لما تفرضه من واجبات على جميع الأطراف، الأمر الذي يضع الحكومة أمام التزام أخلاقي بمصارحة شعبنا العراقي بحقيقة ما يجري"، وتساءلت الفصائل، وفق البيان: "كيف يستقيم الحديث عن سيادة دولة تقيّد قراراتها من الخارج، بما يكرّس هيمنة أميركا ويعزز نفوذها على حساب استقلال القرار الوطني؟".