اخر الاخبار

تتسابق السلطتان التنفيذية والتشريعية في العراق مع الزمن لوأد أزمة مالية جديدة تلوح في الأفق، مع اقتراب ختام الفصل التشريعي الثاني لمجلس النواب، المقرر في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر، وسط ترقب الشارع العراقي لحسم مشروع قانون الموازنة العامة الاتحادية لعام 2027.

وفي وقت كان يُفترض فيه أن تسلك الموازنة طريقها مباشرة إلى القبة البرلمانية لإقرارها تجنبًا للشلل المالي، اصطدم المشرّعون بضرورة إعادة الجداول المالية إلى وزارة المالية، ما فتح الباب أمام مخاوف واسعة من رهن المقدرات الخدمية والتشغيلية في البلاد لآليات الصرف المؤقتة، وتجميد التزامات حيوية تمس معيشة ملايين المواطنين والخرّيجين وحملة العقود.

 

كواليس التعثر

وعلمت "إرم نيوز" من مصادر خاصة أن مشروع قانون موازنة عام 2027 لم يصل إلى مجلس النواب حتى الآن، على الرغم من أن الأجندة الحكومية والنيابية كانت حددت منتصف شهر تشرين الأول/أكتوبر الجاري موعدًا رسميًا لطرحه ومناقشته تحت قبة البرلمان.

وكشفت المصادر عن كواليس هذا التعثر، مؤكدة أن مشروع القانون أُعيد رسميًا إلى أروقة وزارة المالية لإجراء تعديلات جوهرية وإضافة التخصيصات المالية اللازمة للوزارات والجهات والمناصب التي استُحدثت مؤخرًا في الهيكل الحكومي.

وتأتي هذه الخطوة لاستكمال المتطلبات القانونية والتنفيذية قبل إحالة المشروع مجددًا إلى البرلمان، وهو إجراء تنظيمي فرضته التغيرات الإدارية الأخيرة، لكنه تسبب في إرباك التوقيتات الدستورية وتأخير انطلاق المداولات النيابية.

لكن المصادر أشارت إلى أن تأخر تشكيل الحكومة العراقية حتى الشهر الجاري، إلى جانب ترتيبات المحاصصة في كواليس الإطار التنسيقي، أسهما في تأخير ملفات مهمة عديدة، من بينها الموازنة.

وأضافت أن الكتل الكردية سبق أن رفضت المشاركة في التصويت ما لم تتحقق مطالب خاصة بإقليم كردستان، وهو موقف قد يحظى بتوافق وتأييد من كتل أخرى حليفة لها داخل مجلس النواب؛ ما ينذر بتعثر التصويت ما لم تتوصل القوى السياسية الرئيسة إلى حل لهذه الخلافات.

 

زيارة مرتقبة للزيدي

وفي سياق متصل، أفاد مصدر عراقي لـ"إرم نيوز" بأن زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي المرتقبة إلى دمشق، الأربعاء المقبل، ستكون اقتصادية بالدرجة الأولى، على عكس ما يُروَّج بشأن تركيزها على الملفات الأمنية وضبط الحدود بين البلدين.

وكشف المصدر أنه في حال تمت الزيارة فعلًا، ولم تصطدم بأحداث إقليمية أو داخلية، كما حدث مع الزيارة التي أُلغيت مؤخرًا إلى الرياض، فسيرافق الزيدي إلى سوريا نحو 50 من رجال الأعمال وممثلي كبرى الشركات العراقية، ولا سيما العاملة في مجال النفط والطاقة.

وأكد المصدر أن مشروع خط نفط كركوك-بانياس، الذي سبق أن تحدث عنه الزيدي ومسؤولون سوريون، قد يكون على رأس الملفات المطروحة في المباحثات بين الزيدي والرئيس السوري أحمد الشرع.

وأشار المصدر إلى أن زيارة دمشق وعواصم أخرى، إلى جانب تأخر تشكيل الحكومة وغيرها من الأسباب الداخلية، أسهمت في تأجيل البت في الموازنة، لكنه رأى ضرورة صدور توضيح من رئاستي البرلمان والحكومة بشأن التأجيل.

 

بين الامتثال المالي وضغوط المحاصصة

في البعد الاقتصادي والفني، يرى أستاذ الاقتصاد الدكتور إدريس رمضان، أن المشهد المالي العراقي يشهد تحولات هيكلية مهمة بالتوازي مع إعداد الموازنة؛ إذ أعلن البنك المركزي العراقي مؤخرًا رفع الخزانة الأمريكية القيود عن عدد من شركات الصرافة العراقية بعد استيفائها معايير الامتثال والشفافية.

وأوضح رمضان، في حديثه لـ"إرم نيوز"، أن هذا القرار جاء ثمرة لاتفاقات بين بغداد وواشنطن بشأن تنظيم التعاملات المالية عبر المنصات الإلكترونية ونظام "الأسيكودا" الجمركي والتجاري في المنافذ الحدودية.

وأكد أن الأتمتة المباشرة والرقابة الصارمة من البنك المركزي العراقي والاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سحبتا البساط من تحت سطوة الفصائل المسلحة والكتل السياسية التي كانت تسيطر سابقًا على قنوات بيع الدولار، وتورط بعضها في تبييض الأموال، مشددًا على أن استمرار عمل المؤسسات المالية المتبقية مرهون بالالتزام التام بقواعد الشفافية والرقابة الدولية.

أما على الصعيد السياسي والاستراتيجي، فيقدم الدكتور غازي فيصل، رئيس المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية، قراءة أكثر عمقًا لأزمة إدارة المال العام، مؤكدًا أن معضلة الموازنة والوزارات المستحدثة في العراق تعود بالأساس إلى ثقافة "المحاصصة الطائفية والحزبية"، التي تتعامل مع الوزارات والمؤسسات الحكومية باعتبارها "غنائم" ومصادر لتمويل صناديق الأحزاب السياسية.

وأشار فيصل إلى أن التدافع السياسي والتدخلات الإقليمية، لا سيما النفوذ الإيراني ومحاولات تقويضه أمريكيًا، شكّلا طويلًا حجر عثرة أمام بناء إدارة مالية شجاعة ومستقلة. وأضاف أن القضاء على هدر المال العام والفساد، اللذين كبّدا البلاد مئات المليارات على مدار العقود الماضية، يستوجب الخروج من عباءة الهيمنة السياسية على القرار الاقتصادي، وتحرير المنافذ والبنوك والمشاريع من أي نفوذ موازٍ، لتأمين بيئة استثمارية شفافة تخدم التنمية الحقيقية.

 

بين المقصلة الدستورية والمهلة المتبقية

ويقف العراق اليوم على مفترق طرق بين متطلبات الإصلاح المالي وضغوط الاستحقاقات الاجتماعية؛ فبينما تحاول الحكومة إعادة ضبط الجداول المالية وتلبية احتياجات الوزارات المستحدثة والتزامات العقود، يضغط الوقت الدستوري بقوة لمنع انزلاق البلاد نحو فراغ تشريعي ومالي يجمّد خزانة الدولة.

ويبقى السؤال مفتوحًا: "هل تنجح القوى السياسية والحكومة في حسم معادلة التخصيصات وإقرار الموازنة قبل أن يغلق أعضاء مجلس النواب أبواب البرلمان، أم أن الاقتصاد العراقي يستعد لمواجهة دورة جديدة من التعطيل المالي والارتهان للإنفاق الطارئ؟".